رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحطمت آمال الحالمين بعودة أنظمة حكم ما قبل الربيع العربي بسقوط المرشح الرئاسي المصري الفريق أحمد شفيق آخر رؤساء حكومات عهد الرئيس السابق حسني مبارك في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 16 و17 يونيو الجاري، فقد كان هؤلاء في كل المنطقة وفي اليمن وتونس خصوصا يرقبون الانتخابات المصرية وكأنها تجري في بلدانهم وأيديهم على قلوبهم، وكانوا يعبرون عن فرحتهم بسذاجة غريبة كلما ظهر أحد من حملة شفيق ليقول إنه الفائز أو عندما ظهر شفيق بنفسه ليعلن أنه الفائز أو عندما يظهر أي تشكيك في صحة النتائج التي أعلنتها حملة منافسه الدكتور محمد مرسي رغم أنها لم تنفرد وحدها بتلك النتائج التي أكدت تفوقه - أي مرسي - بل إن مواقع محايدة مثل صحيفتي الأهرام والوطن ظلت مؤشراتها تؤكد تفوق مرسي حتى آخر لحظة... لكن ظنون أنصار الأنظمة التي تم اقتلاعها خابت وأدركهم اليأس عندما أعلن رئيس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية المصرية مساء الأحد الماضي فوز مرشح قوى الثورة الدكتور محمد مرسي وبنتائج لا تختلف سوى بنسبة لا تذكر عما أعلنته حملة هذا الأخير مؤكدة مصداقيته ومصداقية حملته والقوى التي دعمته في الجولة الثانية.
لقد كان وصول الدكتور محمد مرسي إلى مقعد الرئاسة في مصر تجديدا لروح ثورات الربيع العربي، فمهما كانت إخفاقات ثورة مصر ومهما استمرت محاولات الالتفاف عليها فإنها تظل بوصلة التغيير والتجديد والتنوير دائما لكل المنطقة... ولذلك بقدر الفرحة التي انتابت عشرات الملايين من أنصار ثورات الربيع العربي في كل المنطقة فإن الأنظار ستتركز على أداء الرئيس المصري الجديد بذات القدر بل ربما أكثر، وسيكون عليه مواجهة تحديات كبيرة جدا فيما لازالت مصر لم تستقر بعد لا سياسيا ولا تشريعيا ولا اقتصاديا ولا أمنيا... سيترصده أنصار نظام مبارك والخصوم التقليديون للإسلاميين وخصوم الربيع العربي وسيجعلون من كل هفوة بسيطة يرتكبها خطيئة جسيمة وهذا مفهوم على أي حال في ظل غياب الخصومة الشريفة... وستنتظر منه الأغلبية الصامتة إنجازات خارقة وسريعة في تحسين ظروفها المعيشية... وسيستل أنصاره كل أسلحتهم الفكرية والسياسية وكل حججهم المختلفة للدفاع عنه بالحق وبالباطل كما هو معتاد على الأرجح... وبين كل أولئك سيكون عليه أن يمشي بحذر شديد في حقل ألغام وحديقة أشواك لينجز ما يمكنه إنجازه من ناحية وفي الوقت نفسه ليعمل على تطهير الحقل من الألغام وتنقية الحديقة من الأشواك... لكنه قبل هذا وذاك سيتحتم عليه قراءة نتائج الجولة الثانية سواء الأصوات التي ذهبت له أو لمنافسه، فالأكيد أنه ليس كل من صوت له كان مقتنعا بشخصه أو بحزبه أو جماعته لكن لأن الكثير من هؤلاء لم يكونوا يريدون أن يروا أحدا من رموز نظام مبارك يجلس على كرسيه وإلا فلا معنى للثورة والتضحيات التي بذلت من أجلها... والأكيد أيضا أنه ليس كل من صوت لشفيق كان مقتنعا به بل إن نسبة ليست قليلة منهم تناصر الثورة والتغيير لكنها لم تكن تريد وجها إخوانيا يجلس على كرسي الرئاسة... وهذا سيقتضي من مرسي أن يثبت لمن صوتوا له من أجل الثورة أن أصواتهم ذهبت للخيار الصحيح وأن يثبت لمن صوتوا لشفيق من أنصار الثورة أنه قادر على كسب ثقتهم وتبديد مخاوفهم، وأن مصر ستشهد على يديه ولادة دولة مدنية حقيقية تنتصر للحريات والحقوق ويسود فيها القانون وسيجد الأقباط في ظلها الإنصاف الذي لم يجدوه طوال العقود الماضية سواء في مجال بناء الكنائس أو في تولي المواقع القيادية في الدولة والحكومة.
سيتحتم على محمد مرسي أن يدرك أن جزءا كبيرا من مسؤولية نجاح تجربة تيار الإسلام السياسي في الحكم في المنطقة سيكون ملقى على عاتقه، فهو اليوم يجلس على مقعد رئاسة الدولة الأكثر أهمية وتأثيرا في الوطن العربي على كل الأصعدة... ومن أجل تحقيق مثل هذا الهدف سيكون عليه الاستفادة من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي نجح خلال عشر سنوات في بناء دولة ديمقراطية حقيقية في تركيا على أنقاض نظام العسكرتاريا الذي سيطر على كل مقاليد الحياة السياسية لأكثر من سبعة عقود بحجة حماية العلمانية متحالفا في ذلك مع جهاز القضاء... والأكيد أن مصر لا تعاني من قبضة كتلك القبضة، فلا الجيش يمتلك عقيدة علمانية بالمفهوم الاستبدادي الذي كان عليه الجيش التركي ولا القضاء كذلك يعاني من نفس الإشكالية، لكنهما بالتأكيد قد يشعران بالقلق من امتداد محتمل للتيار الإسلامي في أوساطهما، وهو أمر وارد في حال استمرار التحالف غير المنظور بينهما وإصرارهما على استمرار سيطرة الجيش بغطاء دستوري وقانوني ومساندة قضائية على مقاليد الحياة السياسية المصرية لسنوات قادمة أخرى، إذ سيظل الحكم القضائي غير المبرر بحل أول مجلس شعب منتخب بإرادة حرة فعلية نقطة مسيئة للقضاء المصري لأنه فتح الباب للمجلس العسكري الحاكم لإصدار إعلانه الدستوري المكمل الذي استعاد به سلطة التشريع وأعطى نفسه العديد من الصلاحيات التي لا حق له فيها وليست من اختصاصاته أساساً وبالذات مع إعلان التزامه بتسليم السلطة للرئيس المنتخب في الموعد المحدد، فلولا حكم المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب ما وجد المجلس العسكري مبررا للإعلان الدستوري الذي يمكنه من تقاسم السلطة مع الرئيس الجديد!
سيجد الرئيس محمد مرسي نفسه في موقف صعب فلا هو بالتأكيد يرغب في مصادمة العسكر ولم يعد هذا الخيار واردا أيضا في رؤية جماعة الإخوان المسلمين وحزبها (الحرية والعدالة)، ومن ثم لن يكون أمامه سوى الاحتماء بالشارع الثائر الذي أجمع لأول مرة بكل نخبه وشبابه وأحزابه على رفض الإعلان الدستوري المكمل حتى وإن كان البعض منهم مرحبا بحل مجلس الشعب ذي الأغلبية الإخوانية والسلفية... وقد يستدعي ذلك عقد صفقة مؤداها الموافقة على حل مجلس الشعب مقابل إلغاء الإعلان الدستوري المكمل، وهو قد يكون خيارا مقبولا على أساس أن هناك يقينا لدى مختلف القوى السياسية إضافة إلى المجلس العسكري أن الإخوان والسلفيين لن يتمكنوا من الحصول على ذات الأغلبية التي حصلوا عليها في الانتخابات التشريعية السابقة بسبب التراجع الملموس لشعبيتهم نتيجة لأدائهم في مجلس الشعب المنحل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026