رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حادثة المجمع التجاري الكارثية عمقت أزمة الإعلام ومخرجاته
المعلومات والقصص الإنسانية عن الضحايا وصلتنا عن طريق وسائل الإعلام الخارجية!
لماذا تغيب الصحافة كسلطة رابعة في المتابعة والمراقبة والمحاسبة؟
المؤلم اكثر من المأساة المفجعة التي أدت الى مقتل 13 طفلاً من تسعة عشر شخصا في المجمع التجاري، هو التعامل مع المآسي والمصائب والازمات والمشاكل والقضايا والعلل والمصائب والكوارث في المجتمع. والخاسر الاكبر في ذلك وسائل الاعلام بكل اطيافها المكتوبة والمرئية والمسموعة وهي ليست سابقة، ففي كل اختبار او تجربة حقيقية يتم فيها قياس مستوى المهنية التي تتمتع فيها وسائل الاعلام في قطر تكون النتيجة مخيبة ومحبطة وهكذا دوليك منذ ثلاثة عقود الى اليوم.
حادثة المجمع التجاري الكارثية عمقت من ازمة الاعلام ومخرجاته الضحلة السطحية المتمثلة في النظر الى تغطية الداخل من تلقي ونشر الاخبار الاحتفائية من استقبال وتوديع المسئولين الكبار الى مقابلة الوزراء والمساعدين للسفراء والزوار الرسميين للدولة، الى الابراز والاشادة بدور وانجازات المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والمؤسسات العامة والخاصة والشركات التجارية وشركات القطاع الخاص والتمجيد والتهليل والتصفيق الى بعض الشخصيات الرسمية والعامة او الدينية في ظل غياب اي نقد حقيقي جذري لكل مشاكل المجتمع على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والفكرية والصحية والاعلامية الى اخر القائمة التي تشكل اساسيات وجود واستمرارية العمل الصحفي والاعلامي في اي مجتمع في العالم. في كل ازمة تبرز الفجوة الكبيرة في وسائل الاعلام الداخلية وتنقسم الى نوعين وسائل الاعلام في قطر، ووسائل الاعلام القطرية الاولى اشبه بتلك المباني والمؤسسات التي تمارس العمل الاعلامي من خلال وجودها داخل المجتمع وليس بالضرورة مرتبطة به. والاخرى هي تلك التي تعيش هموم وآلام وجراحات وآمال واحزان وأحلام واتراح المجتمع وتتفاعل معها وتتبناها وتعكسها في كل تغطية وخبر ومقال وتحقيق او تقرير وهو ما تعاني من تحقيقه (99 %) من الوسائل الاعلامية التي تنطلق من رحم المجتمع سواء كانت حكومية او شبه حكومية او خاصة.
مثلما كان الحال في السابق مع اشتعال شرارة الثورات في الشوارع العربية والانتقال الى محطة الجزيرة التي تبث من قطر لمتابعة تغطية الاحداث ومشاهدة الصورة والتقارير المصورة المرئية ومقاطع الفيديو، كانت وجهتنا اليوم في قطر الى مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الإلكترونية والى الفيسبوك وموقع تويتر لمتابعة الاخبار ومعرفة كل ما يتعلق بكارثة الحريق بمجمع فيلاجيو التجاري. والغريب ان الفيديو الاشهر عن الحادثة انتشر بشكل واسع بعدما وضعه موقع قناة العربية في دبي في تقريره عن الحادثة وشاهده المتابع في العالم العربي؟! غاب التلفزيون القطري الرسمي عن الاحداث ولم يوجد في الموقع ولا حتى بالقرب وظل في عرض المسلسلات العربية حتى وهو يشاهد سحب الدخان الكثيفة تغطي السماء فوق رأسه؟!. واستمرت الاذاعة الرسمية في بث الاغاني والبرامج والمسلسلات المحلية (الكئيبة). ولم تتوقف موجة الاغاني الطربية على اذاعة صوت الخليج (المعزولة) تعاطفا مع أرواح 19 ضحية 13 طفلا و4 مربيات و2 من الدفاع المدني و17 مصابا ولم يعلم ساعتها كم اعداد الضحايا والكل اعتقد ساعتها أنه ربما يعرف شخصا قريبا او بعيدا قضى نحبه في الكارثة او منهم من ينتظر! الصحف الوطنية بطبعتيها العربية والاجنبية لم تفعل مواقعها الالكترونية وتنشر الاخبار سواء كانت صحيحة او حتى توقعية، لان تصميم المواقع للعديد من الصحف المحلية لا يسمح لها بنشر الاخبار التفاعلية وينتمي الى القرون الوسطى عندما تعرف العالم على ثورة الانترنت في بداياتها!. ولم تفكر اي صحيفة او مطبوعة في اصدار طبعة مسائية او اضافية وقت وقوع الحادث بما فيها مؤسساتنا (الشرق). وهي انتظرت الى اليوم التالي لكي تنشر الاخبار المكررة عن الحادث دون انفرادات صحفية ولا متابعة اخبارية عن هؤلاء الذين لقوا مصرعهم من هم، ما هي اسماؤهم، كم هي اعمارهم، ما شكلهم، ما لونهم، كيف كان حال اليوم الذي ذهبوا اليه. لم يتم عمل حوار واحد مع ذويهم واقاربهم؟ لم تذهب صحيفة واحدة الى المستشفى وتتابع الاحداث وتنقل الوقائع، لم تلتق اي صحيفة مسئولا في المجمع او خارجه وتطرح عليه الاسئلة. من الجهات المسئولة عن وجود حضانة اطفال داخل مجمع تجاري ومن سمح بذلك. لماذا تنتظر الصحافة التقرير الرسمي من وزارة الداخلية ولا تقوم بعملها كسلطة رابعة في المتابعة والمراقبة والمحاسبة وكشف العورات وطرح التساؤلات وتوفير المعلومات. صحيفة (الوطن) وصفت الكارثة في عنوانها الرئيسي بـ(الاثنين الحزين) وهو اشبه بالعناوين التي اطلقت على مأساة 11 سبتمبر في نيويورك، لكن كل من يتابع الاعلام المحلي في يوم وقوع الكارثة يخرج بانطباع بان الكل كان يتصرف وكأنه لا يوجد شيء يستحق المتابعة!
اغلب المعلومات المفصلة والقصص الانسانية عن الضحايا وصلتنا عن طريق الصحف ووسائل الاعلام الخارجية البعيدة والمواقع الاجتماعية والبريد الالكتروني. اكثرها تأثيرا تمثل في تقرير الديلي ميل (Daily Mail) صحيفة بريطانية تتناول بالتفاصيل قصص ضحايا كارثة مجمع (فيلاجيو) بالصور العائلية والاسماء والمقابلات الخاصة بالاضافة الى الخلافية المعلوماتية وهو يعادل كل ما نشر في تغطية جميع وسائل الاعلام في قطر حتى بعد الحادث في اليوم التالي؟! ولكي لا نتجنى على الحقيقة، فالزميلة صحيفة الراية اشارت في تقرير لها وهو اشبه بالعتب على الجميع وربما على تغطية الجريدة نفسها، ان 8 ساعات كاملة قضاها المواطنون فريسة للشائعات والأخبار المدسوسة والمعلومات الكاذبة حيث غابت الحقيقة وتهرب كل مسؤول من الرد على استفسارات المواطنين ووسائل الإعلام المحلية والعالمية، فتطوع آلاف النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، واستغلوا حالة الصدمة والهلع والحزن التي سيطرت على الجميع، وروجوا للأرقام المغلوطة عن عدد القتلى والجرحى والمعلومات الكاذبة حول ملابسات الحادث وأسبابه، ولم يترددوا في نسب كثير من تلك المعلومات لوزارات ومسؤولين. واضافت الصحيفة كشفت كارثة حريق فيلاجيو عن انفصال تلفزيون قطر عن نبض الشارع، وانتظار المسؤولين تعليمات عليا للقيام بواجبهم، ففي الوقت الذي كان التلفزيون يذيع برامج تتحدث عن ترشيد استهلاك الطاقة، والحد من التلوث وتجميل الشوارع، كان الناس يتابعون تفاصيل الحادث لحظة بلحظة عبر مقاطع الفيديو القصيرة التي التقطها هواة ووضعوها على موقع الـ " Youtube" الشهير، ويتبادلون المعلومات والصور للضحايا وعمليات الإنقاذ وشهادات شهود العيان من موقع الحادث على المواقع الالكترونية. ونوهت الصحيفة بان أبسط قواعد الشفافية تقضي بعدم فرض حالة التعتيم الإعلامي على مثل هذه الحوادث المأساوية، فالمشاهد التي لم يذعها تلفزيون قطر وجدت طريقها على تلفزيونات دول أخرى، والمعلومات التي لم يتم نفيها بعد 7 ساعات من إطلاقها، لا يمكن تغيير تأثيرها في نفوس من صدقوها. واختتمت الصحيفة بقولها لقد صمتنا عن أسباب حريق منطقة الأسواق الذي التهم عشرات المحلات وهدد أرواح مئات الأفراد وتسبب في خسائر بملايين الريالات قبل 3 سنوات، دون أن نعرف حتى الآن من المسؤول وكيف يمكن ضمان عدم تكرار الحادث وكذلك الأمر مع العديد من الحرائق التي اندلعت خلال السنوات الخمس الماضية في مطاعم ومنشآت عامة وخاصة، ومخازن للشركات، ومجمعات تجارية، والتي تعامل معها المسؤولون بكثير من الضبابية وقليل من المصداقية، وأغلقت ملفاتها دون الإعلان عن الإجراءات الكفيلة بالحد من تكرارها.
الدرس البليغ والحزين الذي توصلنا اليه اليوم ان من يقود بوصلة الاعلام وينشر المعلومات ويتابع الاحداث في المجتمع ليس الاعلام الرسمي بقنواته التلفزيون والاذاعة ووكالة الانباء القطرية ولا الخاص في الصحافة والمطبوعات، ولا حتى شبكة الجزيرة وملحقاتها بل مجموعة من الهواة وبعض المنتديات الالكترونية مواقع التواصل الاجتماعي مثل الـ Facebook، وTwitter والدردشة عن طريق الهواتف مثل ابل وبلاك بيري؟! في الختام لا نملك الا الترحم على الارواح البريئة... عظم الله اجركم جميعا مواطنين ومقيمين.
مسالخ ميانمار!
مأساة كبيرة يعيشها الروهينغا المسلمون كأقلية عددها حوالي مليون نسمة، فهم محرومون من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر... اقرأ المزيد
864
| 13 سبتمبر 2017
ضد الكراهية!
مؤشر صعد اليمين الأمريكي المتطرف وصل إلى أعلى مستوياته مع وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض بعد... اقرأ المزيد
675
| 30 أغسطس 2017
داء العنصرية!
ردود الفعل الواسعة على أعمال العنف في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، عكست مدى اتساع الانقسام الذي يعيشه... اقرأ المزيد
651
| 16 أغسطس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2265
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1527
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1146
| 11 أكتوبر 2026