رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"تتيح الصحافة الجيدة للمواطنين اتخاذ قرارات مستنيرة من أجل تنمية مجتمعاتهم. وتعمل على كشف الظلم والفساد واستغلال السلطة. ولأجل ذلك، يجب تمكين الصحافة من الازدهار في ظروف مواتية وأجواء آمنة تتيح للصحفيين العمل باستقلالية وبدون تدخل لا مسوغ له في عملهم".
يحتفي العالم في الثالث من مايو كل عام بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتقييم ما تحقق للصحافة من نجاحات وإنجازات وما واجهته من متاعب ومعوقات وقيود في العالم، وحماية وسائل الإعلام من الاغتصاب، وتكريم الصحفيين الذين فقدوا حريتهم أو حياتهم في ممارسة مهنتهم. فالكلام عن الديمقراطية والحكم الراشد من دون حرية الصحافة يعتبر كلاما خاويا وبدون معنى ومجرد شعارات جوفاء.
القانون على الورق شيء وتطبيقه في الواقع شيء آخر، والشيء نفسه بالنسبة لميثاق الشرف وأخلاقيات المهنة والعمل الصحفي. فالأخلاق هي قناعة شخصية وممارسة يومية نزيهة ونظيفة يؤمن بها الصحفي ويعمل بها ويدافع عن مبادئها. وإذا غابت القناعة والإيمان بالأخلاق فمواثيق الأخلاق لا تستطيع أن تغّير أشياء كثيرة في الميدان. فالقوانين والمواثيق لا قيمة لها إذا لم تطبق وإذا لم تجسد في أرض الواقع. فالإعلام القوي والملتزم والفعال يحتاج إلى الإطار التشريعي والقانوني والأخلاقي من جهة، ومن جهة أخرى يحتاج كذلك إلى بيئة ملائمة ومجتمع مدني قوي وفعال لممارسة حرية الصحافة وحرية الفكر والتعبير. فالإعلام هو مرآة المجتمع يعكس ما يحدث فيه وهذا يعني أن المجتمع بأسره من الفرد إلى الأسرة إلى قمة هرم السلطة مطالب بالإيمان الراسخ والاقتناع بحرية الصحافة، وبالرأي والرأي الآخر وبالنقد والنقد الذاتي. مجتمع يؤمن بتداول المعلومة وتوفير المعلومة من دون حجبها والمساومة بها. حرية الصحافة سلوك وفعل وتصرف قبل أي شيء آخر، وهي ممارسة في الميدان وتجسيد للقوانين والمواثيق. باختصار هي ثقافة وأسلوب حياة.
ممارسة حرية الصحافة تتطلب الفصل بين السلطات وتحتاج إلى مجتمع مدني فعال وقوي وهذا يعني قوى فاعلة في المجتمع تنتقد وتراقب وتمارس حقها في المعرفة والتعبير عن الرأي والرأي الآخر والاختلاف... إلخ.. المجتمع المدني هو القوة الحقيقية في المجتمع التي توفر الجو المناسب والمناخ الملائم للمؤسسات الإعلامية حتى تقوم بمهامها ودورها ووظائفها في المجتمع على أحسن ما يرام. وهذا يعني أن هناك كتابا ومحللين ونقادا وسياسيين وجمعيات واتحادات ونقابات من مختلف التيارات والأطياف كل بطريقته وحسب اختصاصه يساهم في الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي من شأنه بناء فضاء حر وديمقراطي، الكل يساهم فيه والكل يستخدم المؤسسات الإعلامية كقنوات لتبادل الأفكار والآراء ووجهات النظر. حتى تُجسد حرية الصحافة في أرض الواقع هي بحاجة إلى تشريعات وقوانين ومواثيق، لكن هذا لا يكفي فالأمر يتطلب ممارسة هذه الحرية من قبل الجميع. وعلى رأس القائمة السلطة نفسها، فالسلطة لا يجب أن تقنن لحرية الصحافة وتوفر المناخ التشريعي والقانوني لهذه الحرية، لكن نجدها هي الأولى التي تخترق مبدأ الحرية حيث إنها لا تتقبل النقد ولا توفر المعلومات كل المعلومات بل تقدم ما يحلو لها وتحجب ما يزعجها أو ينتقدها أو يكون ضدها. وأكثر من هذا نجدها تفرض سيطرتها على المؤسسات الإعلامية بطرق مختلفة لتتحكم في مخرجاتها وفي الخطاب الإعلامي، وفي هذه الحالة تبقى القوانين والتشريعات والمواثيق حبرا على ورق.
فالتغطية الدقيقة للأحداث والوقائع والقضايا تحتاج إلى توفر المعلومات وتداولها بكل حرية وبدون تكتم أو تعتيم وبشفافية عالية وللجميع وهذا ما يسمح للصحفيين بالقيام بعملهم بدقة متناهية ويساعدهم على تجنب الأخطاء والهفوات واللجوء إلى التضخيم والتخمين والإشاعات.
فمصادر الأخبار يجب أن تؤمن بحرية الصحافة وبحرية تداول المعلومات حتى يستطيع الصحفي القيام بعمله على أحسن وجه وتجسيد حرية الصحافة في أرض الواقع. وهنا يجب أن نطرح إشكالية محورية عندما نتكلم عن حرية الصحافة وهي علاقة الصحفي بمصادر الأخبار وهل هناك قوانين تجبر مصادر الأخبار – وزارات، دوائر حكومية، مؤسسات عامة خاصة - على توفير المعلومة وتقديمها للرأي العام وعدم حجبها أو إخفائها أو التلاعب بها لأن هذا التصرف يعتبر جريمة ومخالفة في حق القانون.
هل يعاقب القانون الجهة التي تخفي المعلومة أو تتلاعب بها؟ ففي الكثير من الأحيان توصد الأبواب في وجه الصحفي، وفي أحيان أخرى يهان ويشتم ويطرد من موقع الحادثة؛ وإذا كتب الصحفي بالإيجاب والمدح والتسبيح فيُشكر ويُكرم أما إذا انتقد وكشف العيوب والتجاوزات فيصبح العدو اللدود ويصبح المفتري ويصبح صاحب الإثارة والمشكلات والتجاوزات. ففي ظل هذه الذهنية وهذه العقلية وهذا المناخ غير الصحي وغير السوي فإن القوانين والمواثيق لا تشفع لصحافة حرة، قوية تلعب دورا فعالا وملتزما ومسؤولا في المجتمع.
حرية الصحافة في المجتمع ليست مسؤولية الصحفي وحده ولا المؤسسة الإعلامية وحدها، وإنما هي مسؤولية الجميع خاصة السلطة ومصادر الأخبار والمجتمع المدني. فإذا كانت السلطة تريد صحافة حرة لكن من دون نقد وبدون مراقبة وبدون كشف العيوب والسلبيات وبدون استقصاء التجاوزات والغوص في القضايا الحساسة في المجتمع؛ فهذا يعني أن الحرية هنا مفصلة وفق مصالح فئة على حساب المجتمع. وإذا كانت الجهات المختلفة في المجتمع ترحب بصحافة التمجيد والتهليل وذكر الإيجابيات وتعتبر كل ما ينتقدها أو يكشف عيوبها هراء وافتراء وخروجا عن القانون ففي هذه الحالة يبقى الكلام عن حرية الصحافة وعن قانون النشر والمطبوعات ومواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة مجرد شعارات جوفاء.
من جهة أخرى نلاحظ أن الفضاء العام بحاجة إلى كل القوى المختلفة والفاعلة في المجتمع للمشاركة فيه وإثرائه، وهذا يعني إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن آرائه وأفكاره ومعتقداته. فمنع كتاب معينين أو جهات محددة من الكتابة أو المساهمة في المؤسسات الإعلامية أو الفضاء العام يتناقض جملة وتفصيلا مع مبدأ حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير والفكر. فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، والاختلاف في الرأي هو في الحقيقة ثروة تساهم في عملية الوصول إلى الحقيقة عن طريق الحوار والنقاش وتوفير السوق الحرة للأفكار ومن ثم الرأي السليم. فالجميع يجب أن يؤمن في آخر المطاف ويتبنى حرية الصحافة قولا وفعلا، أي ليس على مستوى القوانين والمواثيق فحسب، وإنما في الممارسة كذلك، ابتداءً من الفرد إلى الأسرة إلى المؤسسة والسلطة. فإشكالية حرية الصحافة مطروحة في جميع دول العالم، والكل يتغنى بها لكن الممارسة تأتي في حالات كثيرة على عكس الأقوال والقوانين والمواثيق؛ حيث تغتصب حرية الصحافة من قبل السلطة ومن قبل المتلاعبين بالعقول ومن قبل أباطرة المال والسياسة الذين يعملون من أجل السيطرة على وسائل الإعلام للتحكم في عقول الجماهير، وفي الوقت نفسه يتغنون بقانون الإعلام وبمواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة وبحرية الصحافة.
من أكثر الأشياء ضررًا بالتنمية هو قتل الصحفيين ففي السنوات العشر الماضية قتل أكثر من 1100، ما يعني أنه من غير الممكن أن نتحدث عن الحكم الرشيد والديمقراطية والرأي والرأي الآخر في ظل التصفية الجسدية وإرهاب القائمين على الصحافة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3321
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1245
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1092
| 06 أكتوبر 2026