رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للمرة الثالثة، يتم التأكيد على مسؤولية نظام الأسد في استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً ضد المدنيين العُزّل في سوريا، وذلك بحسب التقرير الثالث لفريق التحقيق وتحديد الهوية IIT التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيمائية OPCW والمعني بالتحقيق في حوادث استخدام الأسلحة الكيمائية في سوريا، والذي صدر في لاهاي يوم الجمعة 27 آب (أغسطس) 2023. التقرير الذي استغرق العمل عليه عامين تقريبا، ركّز على الهجوم المرتكب في 7 نيسان/أبريل 2018 والذي استهدف مدينة دوما المحاصرة. فقد خلص التقرير إلى أن طائرة هليكوبتر واحدة على الأقل تابعة لجيش النظام والتي عملت تحت قيادة ما يُعرف باسم (قوات النمر) قامت بإسقاط اسطوانتين تحمل غاز الكلورين السام بتركيز عالٍ على مبنيين سكنيين في منتصف المدينة. مما تسبب في استشهاد 43 شخصاً تم توثيقهم بالأسماء، وإصابة عشرات آخرين.
وبهذا الصدد نعبر عن شكرنا وتقديرنا للبيان الصادر عن وزارة خارجية دولة قطر والذي عبر عن دعم دولة قطر للجهود الدولية لمحاسبة النظام الأسدي على استخدامه للأسلحة الكيماوية في دوما. ونحن على ثقة كاملة في ثبات الموقف السياسي والأخلاقي لدولة قطر وجهودها المستمرة تجاه القضية السورية. حيث جدد بيان وزارة الخارجية القطرية التأكيد مرة أخرى على المواقف الثابتة والمبدئية لدولة قطر في الوقوف إلى جانب أشقائهم في سوريا واتخاذ مواقف قاطعة ضد الجرائم المروعة والمجازر التي ارتكبها نظام الأسد بحق المدنيين الأبرياء. كما عبّر البيان عن القيم الأخلاقية لدولة قطر التي تقف إلى جانب العدالة ودعمها لجهود المساءلة الدولية.
كما ندعو أشقاءنا وأصدقاءنا إلى تبني مواقف مماثلة لدولة قطر، والعمل على توحيد الجهود لضمان المحاسبة والمساءلة، والعمل من أجل حل سياسي في سوريا وفقًا لبيان جنيف (1) وقرار مجلس الأمن رقم (2254). حيث إن السوريين عازمون على تحقيق مطالبهم المشروعة في الحرية والكرامة في سورية موحدة ومستقرة وآمنة.
*أدلة دامغة وشهود عيان
التقرير، والذي جاء في 139 صفحة، خلص إلى هذه النتائج بعد استيفاء التحقيق في كل الأدلة والنظر في شهادات الشهود وبالاستناد إلى المنهجيات المعتمدة لدى المنظمة. ونظراً لمحاولات التشكيك بهذه النتائج، فقد استرسل التقرير في سرد أدق التفاصيل حول آليات العمل والتوصل إلى الاستنتاجات. إذا ذكر التقرير أن آلية عمل الفريق IIT شملت التدقيق في المعلومات التي تم الحصول عليها من بعثة تقصي الحقائق FFM والدول الأطراف في الصراع، والاستماع إلى إفادة 66 من الشهود، وتحليل بيانات من 70 عيّنة. كما شملت أيضا تحليلاً لصور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو والصور الموثقة، كما أجرت نمذجة لمحاكاة سقوط الأسطوانات، فضلاً عن استشارة الخبراء والمتخصصين في الطب الجنائي. وقد قام الفريق، بحسب التقرير، بمراجعة 19,000 ملف تجاوزت مساحتها 1.86 تيرابايت من البيانات. ويتم الإشارة إلى هذه المنهجيات والجهود المستفيضة بما لا يدع مجالاً للشك أو الطعن في دقة مخرجات التقرير. ويمتلئ التقرير بإشارات واضحة إلى عدم تجاوب الجهات المعنية في نظام الأسد مع طلبات فريق التحقيق، وهي استراتيجية لطالما برع فيها هذا النظام، حيث يعمد إلى المراوغة والمماطلة، بهدف تعطيل المسارات القانونية.
ولا يفوتنا، في معرض الحديث عن هذه الآليات الدولية، أن نتقدم بالتقدير والاحترام للأبطال المجهولون من السوريين الذين عملوا وراء الكواليس لحفظ الأدلة ونقلها، إذ تعمدت قوات النظام بشكل متكرر طمس الأدلة وإخفاءها، إلا أن الفرق الطبيّة العاملة في الميدان تنبهت إلى ضرورة توثيق الجرائم وجمع الأدلة، وخاطروا بحياتهم لنقلها معهم خارج مناطق الهجوم لتصل إلى أيدي المحققين الدوليين. كما لا يمكن أن ننسى جهود الشهود الذي تعرضوا لضغوط شديدة لكي يعدلوا عن البوح بالحقيقة، إذا قام النظام مراراً وتكراراً بترهيبهم والضغط عليهم، مستخدماً في ذلك أساليب ابتزازهم بإلحاق الأذى بأحبتهم من أقاربهم الذين ما زالوا في متناول أيدي عناصر مخابرات الأسد. إن هذه الشجاعة المطلقة والجهود الفريدة، جاءت إيماناً من السوريين بضرورة تحقيق العدالة والانتصار لإرادة الحرية والكرامة.
ويمكن اعتبار هذا التقرير الصادر حديثا أنه خطوة صغيرة نحو تحقيق العدالة الدولية، إلا أن الطريق ما يزال طويلاً. إذ إن ولاية أو نطاق اختصاص فريق التحقيق وتحديد الهوية IIT محصور بتقصي الحقائق. فهو ليس هيئة ملاحقة قضائية أو كيان قضائي، كما أنه ليس مسؤولاً عن تحديد المسؤولية الجنائية للأفراد أو المنظمات أو الدول. ولذلك فإن الخطوات التالية، على الساحة الدولية، يجب أن تكون عبر تفعيل آليات المحاسبة الدولية، مثل محكمة العدل الدولية، في استخدام نتائج هذه التحقيقات، وتتبع سلاسل القيادة ضمن جيش النظام، والبدء بمحاكمات ضد من تجاوزوا كل الأعراف والقوانين الدولية، وبصورة تثير الاشمئزاز في النفس البشرية السوية. كما أن هذه النتائج يجب أن تعيد للأذهان، أن المجتمع الدولي يجب أن يحرص على مثول المسؤولين عن هذه الجرائم أمام القضاء، وتلقيهم الجزاء العادل، وفاء لأرواح الأبرياء التي أزهقوها، ولا تزال أيديهم تقطر دماً. كما لا يمكن القبول بأي مبررات تدعو إلى إقامة علاقات مع مثل هؤلاء، فهم وصمة عار في جبين البشرية، وجرح غائر في ضمير الإنسانية.
غير أن نتائج هذا التقرير لم تفاجئ أحداً، فقد أعاد التقرير التأكيد على حقائق يعلمها الجميع منذ البداية، وإنما وضعت ما هو معروف للجميع في إطاره الجنائي. وكان التقرير الثاني للفريق، والذي صدر في 12 نيسان (أبريل) 2021، توصل إلى أن طائرة خاضعة لسيطرة "قوات النمر" ألقت بإسطوانة واحدة تحتوى غازاً ساماً على الأقل وذلك في هجوم نظام الأسد على مدينة سراقب في 4 شباط (فبراير) 2018، مودية بحياة 12 شخصاً معروفين بالاسم. وبشكل مماثل، فإن التقرير الأول الذي أصدره الفريق في 8 نيسان (أبريل) 2020، حمّل قوات جيش النظام مسؤولية ثلاث ضربات كيمائية في مدينة اللطامنة في ريف حماة، والتي وقعت في شهر آذار (مارس) 2017. كما أن النتائج التي تمحور حولها التقرير لا تختلف جوهرياً عما توصلت إليه تقرير المخابرات الفرنسية والذي أتيح للعلن بتاريخ 14 نيسان (أبريل) عام 2018، أي بعد أسبوع فقط من الهجوم.
فلم يكن خافياً على أحد أن هذا النظام لم يتورع عن استخدام شتى صنوف الإجرام تجاه الشعب السوري، في محاولة مستميته لكسر شوكة الشعب، وخنق صوته الهاتف بالحرية. فقد حمل السوريون في ذاكرتهم وعلى امتداد العقد الماضي العديد من الصور المؤلمة، فما تكاد تنتهي مأساة حتى تبدأ أخرى. ولا تزال العديد من هذه المشاهد حاضرة في أذهان السوريين، وهم يشاهدون طائرات – دفعوا أثمانها من جيوبهم لكي تحميهم – وهي تُغير فوق رؤوس الآمنين وتفنن في أساليب الدمار والتخريب. ومن بين تلك الجرائم الوحشية، احتلت مجازر الأسلحة الكيمائية حيزاً خاصاً من اهتمام المجتمع الدولي. إذ يتذكر العالم بكل أسى صور الأطفال يختنقون بغازات سامة، وسط ذهول الأمهات، وعجز الكوادر الطبيّة من هول الفاجعة. وقد بدأ النظام هذه الهجمات في 21 آب/أغسطس 2013 على الغوطة، متحدياً بذلك الخط الأحمر الذي وضعه أوباما في حينه. ويمكننا القول بأن غياب المساءلة عن مجزرة الغوطة أعطى إشارة بأن الخط الأحمر تحوّل إلى ضوء أخضر. فمنذ العام 2011، تم تنفيذ أكثر من 336 هجوما بالأسلحة الكيمائية في سوريا، وفي هجمات الغوطة وحدها، ارتقي أكثر من 1,400 شهيد من المدنيين.
لقد أصبح نظام الأسد موسوما بكل الأوصاف التي تناسب المجرمين، حيث أصبح يدعى (نظام الكيماوي) أو (نظام الكبتاغون). فهو لم يكتف فقط بارتكاب الجرائم ضد أبناء سوريا، بل تعدى أذاه إلى كل شعوب المنطقة، حيث بات خبر القبض على كميات مهربة من المخدرات بأنواعها الخبيثة هو خبر متكرر على صفحات الأخبار. إن هذا النظام وعصابته بات مصدر إزعاج وقلق للمنطقة والأمن والسلمي الإقليميين، وعلى الجميع ألا يدخر جهدا في إيصالهم إلى منصات القضاء الدولية، وبذل كل ما هو ممكن لزيادة عزلته ونبذه من كل منصة وفضاء. ولا جدل بعد كل ما تقدم أن التطبيع مع هكذا نظام لهو خطأ جسيم ولا يمكن إلا أن يعود بالضرر والأذى للجميع. ويتساءل السوريون بدورهم: متى يتحرك المجتمع الدولي لمحاسبة المجرمين وتحقيق العدالة؟
المدرسة السورية منحة قطرية تعزز فرص التعليم
في ذكرى مرور عشر سنوات على افتتاح المدرسة السورية، أود أن أعرب عن عميق شكري وامتناني لدولة قطر... اقرأ المزيد
1575
| 01 أكتوبر 2023
12 عاماً على انطلاقة الثورة السورية
اثنا عشر عاماً مضتْ على ثورتنا المباركة منذ انطلاقتها منتصف آذار/مارس من العام 2011 اثنا عشر عاماً وشعبنا... اقرأ المزيد
1494
| 18 مارس 2023
الذكرى التاسعة لمجزرة الغوطة
في الساعات الأولى من يوم 21 آب/أغسطس 2013، استيقظ أهالي الغوطة الشرقية على أصوات تساقط الصواريخ التي أطلقت... اقرأ المزيد
1009
| 21 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8916
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4839
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026