رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بين شهر نوفمبر 1989 وشهر نوفمير 2021 أكثر من ثلاثة عقود من الزمن مرت على دك جدار برلين بمعاول وفؤوس وأيدي الشباب الألماني الذين جاءوا من كل فج عميق من الجانبين: برلين الغربية وبرلين الشرقية ليدمروا هذا الرمز المشين المهين المنتصب في وجوههم منذ يوم 13 أغسطس من سنة 1963 في عز الحرب الباردة وحين كانت ألمانيا مقسمة غصبا عن شعبها إلى نصف يرزح تحت نير الإمبراطورية السوفييتية ونصف منقاد إلى رغبات حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة. هذا القدر الذي فرضه العملاقان على شعب منهزم في الحرب العالمية الثانية اعتبره الألمان عقابا مسلطا حان أوان رفضه وتغييره وإعلان العصيان عليه. فتدرج انهيار الشيوعية ومعسكرها من إقرار زعيم الاتحاد السوفييتي وقتئذ ميخائيل غورباتشيف بأن الشيوعية أفلست وحان وقت ما سماه الشفافية (الغلاسنوست) ففتح أبواب ونوافذ القلعة الموصدة منذ أكتوبر 1917 ليتدفق عبرها نسيم عليل تنفسه المواطنون السوفيات وتحول الهواء إلى ريح عاتية لم تبق ولم تذر وبدأ ستار الحديد (كما سماه تشرشل) يرتفع تدريجيا ليكتشف العالم أن إمبراطورية الطبقة الكادحة (البروليتاريا) هي من الورق المقوى تتهاوى تحت قطع الأسمنت المصفح المتناثرة من جدار برلين رمزها الساطع المخزي ليلة يوم التاسع من نوفمبر 1989. هذا الانهيار المدوي للشيوعية ومعسكرها أطلق عليه الرئيس الأمريكي الأسبق للولايات المتحدة ريشارد نيكسن مصطلح (النصر بلا حرب)، حيث فازت الرأسمالية برديفها الحريات الأساسية على خصمها الماركسي ورديفه خنق المبادرات الحرة بالضربة القاضية دون حرب. لأن الحرب كانت ثقافية وإعلامية وسوسيولوجية ونفسية دون سلاح. فالعملاقان كانا في الواقع يتصارعان ولكن من خلال أزمات إقليمية بعيدة عنهما راح ضحيتها آلاف من أبرياء العالم الثالث المسكين. إنها ملحمة من أعظم ملاحم القرن العشرين! ويا لها من عبرة تاريخية من أروع عبر عصرنا الحديث! شعب يتحرك بلا أوامر من زعيم أو تعليمات من دولة ليتوحد ويتعانق مواطنوه بعد أن حطموا جدار الخوف والرهبة في عقولهم وقلوبهم وهو ما أتاح لهم أن يحطموا جدار الخرسانة المسلحة الفاصل بين نصفي برلين. إنها ثورة عارمة لشعب ألمانيا الذي ضرب المثل الأعلى منذ يوم التاسع من نوفمبر 1989 فتوحد بعد أن قرر العمالقة تقسيمه وتعملق بعد أن قرر الكبار تقزيمه وأثبت أنه شعب واحد حين احتضنت ألمانيا الغربية الغنية نصفها المفقود الألماني الشرقي المدجن. يعني أن 43 مليون ألماني غربي أدمجوا في صلبهم 43 مليون ألماني شرقي دون عقدة أو مشكلة أو سابق ترتيب. النتيجة اليوم هي رمزية أيضا لأن مستشارة الجمهورية الألمانية هي السيدة أنجيلا ميركل من أصل ألماني شرقي. أمة ألمانية واحدة ذات رسالة خالدة! عبارة مؤسس حزب البعث العربي "العتيد" ميشال عفلق تنطبق تماما على الأمة الألمانية لأنها قدمت المثل الأسمى في التضامن والوحدة في حين نعرف جميعا ما آلت إليه الأمة العربية الواحدة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لبيك عبد الناصر كما كان يتغنى الشاعر سليمان العيسى في الستينيات قبل ضياع النصف المتبقي من فلسطين في حرب الأيام الستة 1967. نعود إلى عنوان مقالي "أنا وجدار برلين" لأجيب عن سبب حشر نفسي وأنا الفقير إلى ربه تعالى كاتب هذه السطور! ما دخلي في انهيار جدار برلين؟ أقول لكم: في بداية السبعينيات من القرن الماضي كنت عضوا في أول هيئة مديرة لاتحاد الكتاب التونسيين مباشرة بعد تأسيسه أعمل كاتبا صحفيا في اليوميات والمجلات التونسية، وكنت أقرأ لكاتب روسي عملاق متمرد تمت ملاحقته وعرف السجون والمحتشدات وفضح الفظائع الستالينية وعاقبه (بريجنيف) بإسقاط الجنسية السوفييتية عنه وهو (ألكسندر سولجينتسين) الذي نفوه إلى الولايات المتحدة ونال جائزة نوبل للآداب عام 1970. كنت أقرأ للكاتب وأكتب عنه بالعربية وأدافع عن حرية رأيه في حدود إمكانياتي المتواضعة جدا. وترجمت في الصحف بعض فقرات من رواياته (أرخبيل الغولاغ) و(يوم من أيام إيفان دينيسوفيتش) و(قسم المصابين بالسرطان). وفي نفس هذه الفترة دعاني الكاتب المصري يوسف السباعي أنا والزميل الكاتب التونسي المعروف مصطفى الفارسي (رحمهما الله) للمشاركة في مؤتمر اتحاد الكتاب الأفرو- آسياويين الذي ينعقد سنة 1973 في مدينة (ألما أتا) عاصمة كازاخستان وكان الكاتب المصري الراحل هو الأمين العام لذلك الاتحاد. فقصدنا أنا والفارسي مقر القنصلية السوفييتية بتونس واستقبلنا الموظف السوفييتي بكل لطف لكنه منح التأشيرة للفارسي ورفض أن يمنحها لي. وبالطبع سافر الفارسي إلى (ألما أتا) وبقيت أنا في تونس، لكني أديت لموظف القنصلية زيارة ودية أستطلع سبب الرفض ولم يخف عني أن سمعتي لدى السفارة السوفييتية "زي الزفت" وبأنني شخص غير مرغوب فيه في دولة دكتاتورية الطبقة الكادحة. ولم أكن أتوقع في الحقيقة أنني أنا الصحفي الكحيان البسيط محدود التأثير يمكن أن تخشاني الإمبراطورية الحمراء! ولهذا السبب فإني اليوم منتصر عليها ولي حق في حجر بسيط من جدار برلين المنهار. هذا الحجر الذي أملكه بالفعل لأن صديقتي الألمانية رئيسة حزب التضامن السيدة (هلجا زياب لاروش) تفضلت سنة 1989 بإهدائي حجرا (قطعة خرسانة) من الجدار. هذا الجدار الذي عزف الموسيقار الروسي المعارض (روستروبوفيتش) على (الفيولونسيل) أمامه أروع ألحانه وهو يشاهد المعاول والفؤوس تهوي عليه لتحطيمه كما وعد هو وتوقع منذ الستينيات حين قال من منفاه: "سينهار الجدار وسأعزف على أنقاضه".
إنها ملحمة الحريات التي لا بد أن تنتصر وملحمة إرادة الشعوب التي لا تقهر لأنها إرادة الله. فليعتبر أولئك الذين لا يزالون يشيدون الجدران ويقمعون الأمم!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12204
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11010
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3696
| 22 أكتوبر 2026