رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدو الخرطوم اليوم وكأنها تجلس على فوهة بركان قوامه تسوية سياسية معلبة ومعيبة تقوم على مشروع خارجي غير وطني لا ينفصل عن مشروع الفوضى "الخلاقة" المعلوم، الذي بدت ثورات الربيع العربي إحدى أهم آلياته، علم الثوار العرب بذلك أم لم يعلموا. فالحالمون سموه ربيعا والمتربصون وراء الكواليس جعلوه صيفا قائظا يأتي على الأخضر واليابس. اليوم في السودان تُستيقظ الفتن النائمة ويصبّ الزيت على نارها؛ فمن الفتن القبلية والعنصرية في النيل الأزرق مرورا بجنوب كردفان وانتهاءً بدارفور. ولعل الرافعة الأكبر للفوضى في البلاد تلكم الكتل الجهوية والقبلية التي انتظمت في مليشيات شديدة التسليح، وتدخل المعترك السياسي عطفا على قوتها وعتادها.
العسكريون بشقيهم (الجيش القومي وقوات الدعم السريع) تنقصهم الدربة السياسية، وإن كان الجيش باعتباره مؤسسة قومية عريقة تعمل بشكل تلقائي على تجاوز هذه الاشكالية لكونها اشكالية ظرفية مرتبطة بالقادة الحاليين كأشخاص، إلا أن هذه الاشكالية بالنسبة لقوات الدعم السريع فتبدو اشكالية بنيوية ومتأصلة لأسباب متعلقة بنشأتها وبذهنية قائدها. فبالرغم من أن الرجل تحت سيطرته قوات ضاربة قوامها نحو 40 ألف مقاتل ومصادر دخل تدر أموالا طائلة لكنه لا يستطيع لعب دور سياسي احترافي، فهو كما ينظر له من الخارج مثل صاحب شركة أمنية كبرى كـ "بلاك ووتر" تقدم خدماتها الأمنية مقابل المال فمثلما قدم خدماته لنظام الرئيس عمر البشير مقابل تمكينه من مساحات واسعة تضم أغنى مناجم الذهب في البلاد، فقد قدم خدماته للاتحاد الأوروبي في مجال محاربة الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط وقبض ثمنها، وما زال يقدم الرجل خدماته في اليمن وسبق أن طلب منه تقديم خدمات في ليبيا لصالح الجنرال خليفة حفتر.
ولعل قوات الدعم السريع لا يعتبرها الكثيرون قوات نظامية ولا هي في الحقيقة قوات غير نظامية فقد تم ضمها للجيش السوداني شكليا لكنها احتفظت باستقلاليتها وبطبيعتها غير النظامية حيث بقيت على إشكالاتها التكوينية من حيث الانتماء الجهوي لأفرادها ومن حيث التزامها العسكري وفقا لما هو متعارف عليه في الجيوش النظامية حول العالم. وقبل اسابيع ثار جدول بسبب تصريحات لنظار القبيلة التي ينتمي إليها قائد الدعم السريع، يقول فيها (ولدنا خط أحمر) محذرا من التعرض له، والصحيح أن الوطن خط أحمر وليس الشخصيات لأنها فانية ويبقى الوطن.
ويعتقد بعض الأكاديميين أن الميليشيات تمثّل شكلًا خاصًا من أشكال العنف المنظم الذي يسعى إلى اكتساب الشرعية السياسية. ويقول البروفيسور بول ريكست أستاذ دراسات الأمن القومي في الكلية الحربية للجيش الأمريكي، أن الميليشيات تنظر إلى نفسها على أنها تحمي مجموعة سياسية أو عرقية أو قبلية أو دينية أو عائلية محددة من الأذى، بسبب الثغرات التي يعتقد أن الدولة غير قادرة أو غير راغبة في سدها. وتعمل الميليشيات، باعتبارها قوى لملء الفراغ، كأوصياء محليين يتدخلون لتوفير القوة السياسية أو السلامة العامة. وغير قوات الدعم السريع هناك عديد من المليشيات المسلحة تابعة لحركات التمرد السابقة في دارفور والنيل الأزرق، ليضاهي حال المليشيات في السودان حالها العراق وسوريا وليبيا واليمن.
من جانب آخر، وفي اطار الصراع المفتعل بين المدنيين والعسكريين الذي ظهر بعيد اسقاط نظام الرئيس البشير ضغط المدنيون لإزاحة اثنين من الجنرالات من ذوي الخبرة السياسية والأمنية وهما رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري السابق ومدير الأمن الأسبق، فانكشف ظهر العسكريين سياسيا وأمنيا مما ساعد في تهيئة بيئة ملائمة للفوضى الأمنية والسياسية. وفي حادثة فض الاعتصام في القيادة العامة للجيش تواطأ الطرفان مدنيون وعسكريون فيها بعد اتفاقهما على استحواذ السلطة دون غيرهم. ويحاول التحالف المدني ابتزاز العسكر باعتبارهم هم من نفذ والتنفيذ دليل قوي على تورطهم. بينما سال لعاب المدنيون ساعة الفض سيلا عرما وبقيت عيونهم جاحظة تلقاء كراسي السلطة وقد انتهى دور الشباب الذين تظاهروا واعتصموا فكان لابد من فضهم بأي طريقة وبأي وسيلة دون ان يقال لهم سعيكم مشكور فقد كان المهرولون إلى السلطة في عجلة من أمرهم لإكمال مراسم الزواج السلطوي مع العسكريين.
إن أحداث منطقة النيل الأزرق جنوبي شرق البلاد أكدت أن السودان يعيش السودان وضعا أمنيا وسياسيا مقلقا، فما إن ينتهي صراع قبلي فيه حتى ينشأ آخر في مكان ما من البلاد. وتعود جذور الصراع في إقليم النيل الأزرق إلى مئات السنين، لكن قبضة الدولة المركزية حالت دون انفلات الأوضاع.
اليوم يعمل العسكريون وبعض من احزاب تحالف الحرية والتغيير على تسوية تستند إلى مسودة دستور مقدمة من اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، ويصر البعض على أنها نسخة مترجمة لأصل أعدته سفارات أجنبية بعينها. في المقابل تعد قوى سياسية مستبعدة مناهضة هذه التسوية عبر الخروج في مسيرات احتجاجية وهي ذات الجموع التي خرجت من قبل وطالبت بطرد رئيس بعثة الأمم المتحدة فولكر بيتريس بسبب انحيازه لطرف بعينه وهو قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي. وتصف هذه القوى التسوية بأنها تسوية سياسية حكيت في الغرف المظلمة ومرتبطة بالاجندة الخارجية التي تريد اعادة صياغة الواقع السياسي وتجاهل القوى الحية ذات الوزن الشعبي والمعبرة عن الطيف السوداني الواسع. وتلوم هذه القوى قيادة الجيش الحالية لعدم ايفائها بالتزاماتها بعد قرارات 25 أكتوبر من العام الماضي والتي سميت بتصحيح المسار. حيث التزم قائد الجيش بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع وضرورة اشراك جميع القوى السياسية في اتفاق حول الفترة الانتقالية. ستطالب جموع تظاهرات اليوم السبت الجيش بعدم تسليم البلاد لوكلاء الخارج المستهدفين لقيم المجتمع وهويته. وتسعى هذه التظاهرات ترسل رسالة قد تعيد التوازن للمسرح السياسي وترسم الصورة الحقيقية لتوجهات الرأي العام الرافض للتدخل الأجنبي والعازم على على إسقاط أي تسوية ثنائية لا تعير الاجندة الوطنية الاهتمام اللازم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2241
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1482
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1134
| 11 أكتوبر 2026