رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
افتحوا يا قرائي الأعزاء أمامكم الآن خارطة جغرافية للعالم العربي في أكتوبر 2014 فستدركوا كما أدرك الخبراء و المحللون أن الدولة العربية بمفهومها الوطني و التي رسمت حدودها منذ معاهدة سايكس بيكو سنة 1916 إلى مرحلة تحرير الشعوب العربية من الاستخراب مرورا باستقلال لبنان عن سوريا الكبرى واستقلال السودان عن مصر هذه الدولة العربية هي اليوم في حالة احتضار و لعلها تموت في الأشهر أو السنوات القليلة القادمة فانظروا من حولكم قلب الشرق الأوسط التقليدي بجناحيه شام الأمويين و عراق العباسيين ثم اقلبوا النظر إلى اليمن مصدر كثير من قبائلنا الموزعة من الخليج إلى المحيط و بعد ذلك ارفعوا عيونكم إلى الإقليم المغاربي بليبيا التي كانت تربط جغرافيا و حضاريا بين مشرق الأمة و مغربها وستتأكدون من أن رمال أمتنا تتحرك و تذروها عواصف عاتية. في العراق (ماكو دولة) و لا أبالغ حين أقول أنه (ماكو دولة) منذ يوليو 1958 حين انقلب عبد الكريم قاسم بكتيبة من الجيش على الملك فيصل و أعدمه هو و أسرته و رئيس حكومته نوري السعيد رحمهم الله جميعا و نجا بجلده وزير الخارجية في عهد الملك محمد فاضل الجمالي و جاءنا إلى تونس في ضيافة بورقيبة و حمايته و طالما تحادثت معه و كان من الأصدقاء الخلص وهو من الموقعين على ميثاق منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 باسم مملكة العراق و أحيانا يقول لي : " أهملنا ربما مراقبة الجيش حين قيل لنا أن بعض الضباط يلعبون الورق في سهراتهم و يلتقون فلم نعر الأمر أهمية بينما هؤلاء كانوا يعدون انقلابا من صنف عبد الناصر لكن بشكل دموي". و منذ ذلك التاريخ دخل العراق أزمات سببها انعدام الدولة و ضياع ثقافة المؤسسات ليفتح حكامها أبواب تحزيب السياسة و في الحقيقة تخريب السياسة لأن التماسك القديم تحت راية ملك من أولاد الشريف حسين عوضته طواغيت متعاقبة ومتناسلة بعضها من بعض فاندثر مفهوم الحكم المركزي وهو الأفضل بعلاته ورشحت على السطح أشباح الطائفية و التطرف تملأ الفراغ و تنذر باستبداد "القائد الأوحد و الزعيم الملهم".
و ها نحن اليوم بإزاء عودة التدخلات الأجنبية من كل حدب و صوب تحمي مصالح شعوبها و تدرك بأن لا حول لنا و لا قوة بل لا سيطرة لنا على مصائرنا.
و لا تقل خريطة سوريا عن جارتها العراق خطرا و لا فوضى فنحن نشهد عاجزين كيف تخضع مدينة سورية من المفترض أن تكون تحت سيطرة الدولة السورية (كوماني) لتقاتل بلا هوادة بين الأكراد و جنود داعش بينما تربض حول المدينة دبابات و مدرعات الجيش التركي بلا تعليمات واضحة من حكومة أنقرة! لأن تركيا بعد انتخاب رجب طيب أردوغان أصبحت في حيص بيص حقيقي ومعقد فتركيا من ناحية هي عضو في حلف الناتو الذي تتزعمه أمريكا وهو يملي عليها تحركا يخدم مصالح دول الناتو و لا يخدم مصالح تركيا كقوة إقليمية و من ناحية ثانية تم انتخاب أردوغان على أساس برنامج سياسي و استراتيجي يقوي ارتباط تركيا بمحيطها المشرقي أي الإسلامي بل إن بعض الفصائل المتطرفة تنادي بالخلافة لأردوغان استحضارا لروح الخلافة العثمانية وهي بالطبع سياسة غير واقعية رغم شحنتها العاطفية والرحية فأردوغان اليوم مثل دباباته المعطلة على تخوم كوماني معطل و فاقد للمبادرة لأنه يعتبر كل تدخل عسكري سريع هو بمثابة هبة أوكسيجين تطيل عمر بشار الأسد و تمد لإي أنفاس نظامه! أما المؤكد فهو أن سوريا تعاني أيضا من موت الدولة الوطنية المركزية و تلتحق بنادي الشعوب الفاقدة للمؤسسات.
و افتحوا يا قرائي الكرام صفحة اليمن لتوقنوا من موت الدولة الوطنية بعد جهود عقود بذلها اليمنيون لبنائها و شد لحمتها و توحيد شطريها فإذا باليمن يفقد دولته التي هي عروته الوثقى بعد الله و إلا كيف نفسر هذا الانتشار السريع للحوثيين من مجرد ميليشيات شيعية في شمال البلاد إلى قوة احتلال ممنهج للعاصمة و لأهم المدن اليمنية تحت شعارات استعادة الدولة و حماية المواطنين و التبشير بعهد جديد! فالذي يدور على الساحة اليمنية شديد الرمزية على موت الدولة و تعويضها بالفصائل المسلحة ذات الانتماء القبلي أو الطائفي و قد تبخرت أحلام بل أوهام الجيل السابق الذي التف ذات يوم 26 سبتمبر 1962 حول المشير عبد الله السلال ليطيح بحكم الإمام البدر و بدأت حرب أهلية بين الجمهوريين و الملكيين انتهت إلى حالة من الانشطار الخفي و النوايا المبيتة و الانقلابات المتعاقبة و هذه حال اليمن اليوم بين جيرانها تعيش أزمة دولة و تتقاذفها أعاصير العنف.
و إذا قلبتم البصر نحو المعضلة الليبية في شمال إفريقيا فستجدون تأكيدا لنظريتي المتواضعة القائلة بموت الدولة الوطنية و قد اعتقدنا بسذاجة و قلة دراية بأن طي صفحة القذافي ستكون طالع سعد و تدشين عهد و ستبشر بإقامة دولة المؤسسات وحكم الدستور و القانون خاصة و أن الاعتبار بـ 43 سنة من حكم قائد الفاتح العظيم كانت تستدعي من الشعب الليبي استخلاص العبرة الأسطع وهي أن دولة الشخص إلى زوال و أنه لا بقاء إلا لدولة الناس جميعا و لكن الذي حصل هو تعويض حكم مجنون بلا حكم و تأبيد حالة الانفلات التي عمت البلاد زمن الثورة بالعجز عن جمع الأسلحة المكدسة و إجبار المواطنين على الامتثال للقانون فتفاقمت ظاهرة (البيك أب) الحامل لمدفع رشاش أو (أر بي جي) و استقلت كل قبيلة بإدارتها و نفطها و موانئها و مطاراتها و نحن في تونس قمنا بواجب استضافة إخوتنا الهاربين من جحيم العنف و تحملنا مصائب الأسلحة المهربة و تفاقم التهريب المسلح و تسرب الإرهاب من حدودنا و ارتكب حكامنا المؤقتون سامحهم الله (وعاقبهم الشعب في الانتخابات القادمة!) فسلموا البغدادي المحمودي رئيس الحكومة الليبية إلى عصابات مجهولة تدعي الشرعية و لم يجيروا من استجار بهم فاقتيد الرجل إلى ما سماه حكامنا المؤقتون "عدالة ليبيا الشقيقة" و أرجو من الله ألا يقتل الرجل على أيدي سجانيه و نحن لا نعرف سجانيه إلى اليوم فيكون دمه موزعا على رقاب الذين سلموه في غفلة من ضمائرهم و الله يعلم لماذا و كيف لأن تقاليد بلادنا منذ عهد الملوك هي أن نجير المستجير بنا حتى يبلغ مأمنه كما أمر الله خشية عقابه تعالى وهو أحكم الحاكمين. هنا أيضا في تونس رغم نجاحنا في اجتناب المهالك فإن الدولة الوطنية مهددة بأخطار عودة الاستبداد أو الانفلات الاجتماعي أو الخطر الليبي القريب منا يزعزع أمن التوانسة. لنكن جميعا موقنين بأن لا أمن و لا تقدم و لا مستقبل إذا ما انفرط عقد الدولة الحديثة العادلة و المتمسكة بالهوية و إلا سوف تحتضر الدولة و معها شعوبنا في انتظار هبة حضارية نفيق بها من سبات أهل الكهف!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8715
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2760
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1497
| 25 أكتوبر 2026