رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأزمة في مصر أعمق مما نتصور، واختزالها في مجرد الصراع مع الإخوان يضللنا، لأنه يشغلنا بالعرض ويلهينا عن حقيقة المرض.
(1)
لنعترف ابتداء بأننا نتعامل مع أزمة لم نتفق على تشخيصها، والشيء الوحيد المتفق عليه هو أن الأزمة موجودة، وما عاد بوسع أحد أن ينكرها. وهذا الاعتراف يستدعي معطيات جديرة بالرصد، أزعم أنها تعوق مسعى التشخيص الصحيح الذي تنشده. من تلك المعطيات ما يلي:
• أن خلفيات الزلزال الذي حدث في 30 يونيو أصبحت مثيرة للتساؤل واللغط، الأمر الذي يثير ظلالا من الشك حول مقاصد ما جرى آنذاك. وشهادات أعضاء حركة تمرد التي سمعنا بها في أواخر شهر أبريل الماضي هي التي تستدعي تلك التساؤلات. وتلك الشهادات موجودة الآن على شبكة التواصل الاجتماعي، وقد حررها أعضاء سابقون في الحركة، وتحدثوا فيها عن أدوار لأطراف بعضها يمثل الأجهزة الأمنية، والبعض الآخر ينتمي إلى نظام مبارك. كما تحدثوا عن أدوار لبعض الشخصيات المخاصمة لنظام الدكتور مرسي، وعن قيام أشخاص من الأثرياء المصريين المقيمين في الخارج بتمويل أنشطة الحركة وتغطية نفقات اجتماعات تنسيقية عقدت في شرم الشيخ سبقت تظاهرة 30 يونيو. ليست أمامنا فرصة للتثبت من صحة تلك المعلومات، خصوصا أن ثمة واقعا جديدا تشكل في مصر الآن وانبنى على ما جرى في 30 يونيو. هذا صحيح لا ريب، إلا أن استعادة الأسئلة التي تثيرها تلك الشهادات لها أهميتها في عملية التشخيص الصحيح التي تدعو إليها. على الأقل من حيث إنها تدلنا على حقيقة الأطراف التي أسهمت في صنع الحدث وحقيقة الأهداف التي توختها والتقت عليها مع غيرها. وهو ما قد يوفر لنا الإجابة عن السؤال الكبير التالي: هل كان المستهدف هو إنهاء حكم الإخوان فقط، أم أن تلك كانت خطوة لإجهاض ثورة 25 يناير، ومن ثم توجيه ضربة قاصمة للربيع العربي كله؟
• النقص في المعلومات الخاصة بخلفيات ما جرى أفضى إلى تبسيط الصراع واختزاله في المواجهة مع الإخوان وما سمي بالإسلام السياسي، وهو ما نلاحظه الآن في لغة الخطاب السياسي والإعلامي، التي ما عادت تتحدث عن الديمقراطية أو مستقبل الوطن. كأن إزاحة الإخوان من المشهد ستؤدي تلقائيا إلى حل مشكلات البلد الأخرى، ولابد أن نلاحظ في هذا الصدد أن المطلب الأساسي لحركة تمرد ولخروج الجماهير في 30 يونيو دعا إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تحدد مصير الدكتور مرسي وحكم الإخوان، لكن ذلك المطلب تطور بسرعة بحيث انتهى بالدعوة إلى قلب المشهد السياسي رأسا على عقب، وتسليم السلطة إلى قيادة القوات المسلحة.
• إن التشخيص الصحيح للأزمة في مصر سيظل متعذرا طالما سمعنا رواية طرف واحد لما جرى. ولن نستطيع أن نصف التشخيص بالنزاهة أو الموضوعية ما لم يتح لنا أن نسمع رأي الطرف الآخر وروايته. ولأننا منذ عزل الرئيس مرسي في الثالث من يوليو لا نسمع إلا وجهة نظر ناقديه وخصومه، فإن ذلك سيظل حائلا دون التقييم السليم للسنة التي أقصاها في السلطة. ولا يشك أحد أو يجادل في أن أخطاء وقعت خلال تلك السنة، إلا أن المشكلة أنه ما عاد بمقدورنا أن نميز تلك الأخطاء عن غيرها، ليس فقط لكي تنصف الرجل، ولكن أيضا لكي نتعلم منها ونحاول تجنبها.
(2)
خلاصة ما سبق أن للأزمة المصرية جزءها الظاهر للعيان وشقها الغاطس الذي لا نعرف تفهمه في الوقت الراهن على الأقل، لكننا ندرك أنه موجود، وكان فاعلا في السابق ولا يزال فاعلا إلى الآن. من ثَمَّ فليس أمامنا سوى أن نحلل ما هو ظاهر أمامنا لكي نحدد دوره في الأزمة التي أدعيها. ذلك أنني أزعم أن أسَّ البلاء ومشكلة المشاكل في مصر يكمن في موت السياسة في البلد، الذي أحدث فراغا هائلا تعذر ملؤه منذ إسقاط نظام مبارك، الذي اعتمد على الأجهزة الأمنية في إدارة البلد وتثبيت حكمه طوال ثلاثين عاما.
موت السياسة الذي أعنيه يتمثل فيما يلي: تدجين الأحزاب وإخصاء القوى السياسية، بحيث تتحول إلى هياكل فارغة الممضون، حاضرة في الصورة وغائبة عن الفعل. وعملية الإخصاء والتقزيم لا تخضع لها الأحزاب السياسية فحسب، وإنما هي بمثابة لعنة تصيب بقية مؤسسات المجتمع والدولة، سواء كانت مجالس منتخبة أو نقابات مهنية وعمالية أو أي جهة أخرى تمثل المجتمع وتستدعي دوره. وهذه الإماتة التي تأخذ شكل الإلغاء تارة أو الإخضاع تارة أخرى، تعد تمهيدا طبيعيا وضروريا لتمكين الأجهزة الأمنية من القيام بدورها في إدارة المجتمع والتحكم فيه.
هذا الوضع ترتب عليه أن أصبح لدينا أشخاص مهتمون بالسياسة، وليست لدينا قوى سياسية حقيقية. كما توفر لدينا أناس مخلصون ربما يتحدثون عن الديمقراطية، لكنهم لم يمارسوها أو يختبروها، فلم يتمثلوا قيم الثقافة الديمقراطية. وكانت النتيجة أننا حفظنا اسم الديمقراطية لكننا جهلنا قيمها. وهتفنا لها في مظاهراتنا، لكننا كنا جاهزين للرسوب في أول اختباراتها. ويخطئ من يظن أن تلك النواقص أصابت فئة دون أخرى، لأن الأمانة تقتضي الاعتراف بأننا جميعا كنا ضحايا تلك الأجواء، وأن التشوهات التي أعنيها لم يسلم منها أحد من الذين شاركوا في اللعبة السياسية.
ذلك وضع لا تنفرد به مصر، ولكنه من سمات مرحلة ما بعد الديكتاتورية، الذي يخيم فيها الفراغ على الساحة السياسية جراء إصرار الحكم الاستبدادي على احتكار السلطة وسعيه الحثيث والدائم إلى حرق بدائله.
هذا الذي أقول به ليس اكتشافا، لأن كل متابع للشأن السياسي في مصر يعرفه جيدا، وإن كانت قلة منهم تجهر به، وفي الأسبوع الماضي وحده وقعت على مقالين عبرا عن نفس الفكرة، أحدهما كتبته الدكتورة منار الشوربجي تحت عنوان «ابحث عن الأحزاب»، وفيه انتقدت الأحزاب التي تنافست في إشهار اللافتات لكنها فشلت في الحضور على أرض الواقع (المصري اليوم ــ 23/10) ــ المقال الثاني ظهر بعد ذلك بثلاثة أيام وقد كتبه الأستاذ إبراهيم عيسى تحت عنوان «أحزاب الخواء والهراء»، (التحرير 26/10) وطرح فيه نفس الفكرة، ووصف فيه القيادات السياسية بأنهم مجرد ضيوف في القنوات الفضائية وخطباء فارغون في قاعات فارغة. وقال عن الأحزاب إنها مجموعات صالونات وضيوف تلفزيونيون. ووصف قياداتها بأنهم «نخبة منتفخة ومنفصلة عن الواقع الحقيقي ومنتمية إلى الواقع الافتراضي».
(3)
في الفراغ السياسي المخيم بدا أن قوى الإسلام السياسي هي صاحبة الحضور الأوفر حظا في الساحة السياسية وهو ما أثبتته خمسة انتخابات واستفتاءات متعاقبة جرت بعد 25 يناير انتهت بفوز مرشح الإخوان في الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي نقل الأزمة إلى طور آخر، في ظله ظهر بديل في الساحة له شعبيته النسبية، لكنه لا يحظى بالإجماع أو التوافق مع القوى السياسية.
لم يكن البديل جاهزا للحكم، ولا كانت «القوى» السياسية مستعدة للترحيب به أو التعاون معه، كما أن النخب المصرية تعاملت معه بدرجات متفاوتة من الحذر والتوجس. وسواء بسبب الأخطاء التي وقع فيها نظام الدكتور مرسي، أو عملية الحصار والإيقاع التي مارستها القوى السياسية «المدنية» التي ظهرت في الساحة، أو جراء التدابير التي رتبتها القوى الأخرى غير المنظورة والتي حرصت على أن تبقى في الجزء الغاطس من المشهد. فالشاهد أن القوى المدنية وجدت مشروعا يجمع بينها تمثل في التوافق على إسقاط حكم الإخوان. من ثَمَّ ظل الشاغل الأساسي لتلك المجموعات هو كيفية هدم البناء القائم. دون أن تتطرق إلى فكرة البديل التالي. الأمر الذي يعني أن الاتفاق كان منعقدا حول ما ترفضه تلك القوى، لكنها لم تتفق على ما يمكن أن تقبل به.
في التعامل مع الإخوان تحديدا بدا أن هناك اتجاهين، أحدهما معتدل يعترض على الأداء والأفكار والثاني ضم الغلاة الذين صبوا اعتراضهم على الوجود ذاته. الأولون اختلفوا مع الإخوان ودعوا إلى إسقاط نظامهم وإخراجهم من السلطة. والآخرون دعوا إلى إقصائهم بالكلية من المشهد وإخراجهم من السياسة من خلال الدعوة إلى استئصالهم واجتثاثهم من المجتمع، سيرا على درب من حاولوا اجتثاث حزب البعث من العراق بعد احتلاله وإسقاط نظامه. ورغم أن دروس التاريخ علمتنا أنه ليست هناك فكرة تستأصل بقرار سياسي أو إداري، إلا أنه من الواضح أن كفة الأخيرين هي التي رجحت حتى الآن على الأقل، الأمر الذي أدخل الأزمة في طور أكثر تعقيدا وأخطر. ذلك أن عملية الاجتثاث والاستئصال تعد جراحة كبرى لا سبيل إلى إجرائها إلا بالاستعانة بأدوات الدولة البوليسية مع ما تستصحبه من إجراءات شديدة الوطأة وباهظة التكلفة. الأمر الذي من شأنه إعادة مصر إلى أجواء عهد مبارك الذي لفظه المجتمع حتى أسقطه بثورة 25 يناير. وفي هذه الحالة فإن المتضرر الحقيقي لن يكون الإخوان أو الإسلام السياسي فحسب، لكنه أيضا سيكون قيم وأشواق ثورة يناير ذاتها.
(4)
في ظل الفراغ المخيم وإزاء عجز الأحزاب السياسية القاتمة عن الفعل السياسي فإنها رفعت ضمنا شعار: العسكر هم الحل. وهو شعار كان بمثابة إشهار لإفلاس تلك الأحزاب وإعلان عن عجزها عن كسب ثقة الناس وأصواتهم. وهو ما أشارت إليه الدكتورة منار الشوربجي في مقالها الذي سبقت الإشارة إليه، حين انتقدت تفويض الأحزاب للقوات المسلحة في إحداث التغيير الذي عجزت عن تحقيقه. وكان القيادي اليساري الأستاذ عبد الغفار شكر قد أشار إلى ذات المعنى في مقالة نشرتها له جريدة الأهرام، قال فيها إنه في ظل ضعف جماهيرية الأحزاب المدنية الراهن في مواجهة تيار الإسلام السياسي، فليس أمامها من سبيل للمشاركة في السلطة إلا بالاستعانة بالقوات المسلحة.
هذا وجه آخر للأزمة يعكس مدى استعصائها على الحل. ذلك أن الأحزاب المدنية أبدت استعدادا مدهشا للتخلي عن الديمقراطية ومدنية المجتمع مقابل إقصاء الإخوان. وليس المراد هنا إتاحة الفرصة لتلك الأحزاب لكي تمسك هي بزمام السلطة من خلال ائتلاف أو غيره، ولكن لكي ينفسح المجال لعسكرة المجتمع وترحيل حلمه في إقامة النظام الديمقراطي إلى أجل غير معلوم، ما العمل إذن؟ ليس أمامنا سوى أن نخوض التجربة وأن نمارس فنتعلم من الأخطاء ونستوعب الدرس ــ التي من أهمها أن بلدا بحجم مصر أكبر من أي فصيل أو جماعة، وأن همه وحلمه لن يحله إلى غايته إلا أبناؤه المخلصون، وهم موجودون في كل فئة وفصيل، وأولى الناس باستيعاب هذا الدرس هم عناصر الإسلام السياسي الذين يتعين عليهم أن يضربوا المثل في التفاعل مع الآخر واحتوائه، حتى أزعم أنهم إذا أعطوا إجازة خلوا فيها إلى أنفسهم وحاولوا الاستفادة من تجربتهم في السلطة، فإن ذلك سيعد خطوة مهمة يمكن أن يبنى عليها الكثير من إصلاح ما فسد وترميم ما انهدم، إذ ليس المطلوب إنقاذ الإسلام السياسي من مأزقه، لأن الأهم هو إنقاذ الوطن والوصول بسفينته إلى برّ الأمان.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4341
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3156
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1209
| 28 سبتمبر 2026