رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مبلغ علمنا أن إعصارا سياسيا ضرب حكم العسكر في الجزائر، لا عرفت دوافعه ولا فهمت مقاصده، الشيء الوحيد المؤكد أنه وضع الجزائر على أبواب حقبة جديدة يكتنفها الغموض.
(١)
جيلنا، منذ ستينيات القرن الماضي على الأقل، كان يتداول مقولة خلاصتها أن لكل دولة جيشا باستثناء الجزائر، لأن جيشها الوحيد الذي له دولة، ورغم أن أشياء كثيرة تغيرت في العالم العربي وفي الجزائر خلال نصف القرن الأخير، إلا أن قبضة الجيش في الجزائر ظلت من الثوابت التي لم تتغير. إذ ظل صاحب الكلمة الفصل في السياسة والاقتصاد والإدارة. وبات مستقرا ومتعارفا عليه أنه الذي يأتي برؤساء الجمهورية ويعزلهم وهو الذي يرجح كفة المرشح لرئاسة الحكومة ويحرك الأغلبية في البرلمان. وظل جنرالاته يحركون المشهد السياسي وهم في مناصبهم، والذين يحالون إلى التقاعد منهم سرعان ما ينتقلون إلى قطاع الأعمال فيصبحون ضمن كبار المستوردين والمقاولين وملاك الأراضي والعقارات.
أحد أهم هؤلاء الجنرالات كان «سي توفيق» الذي رأس جهاز المخابرات طوال الخمس والعشرين سنة الأخيرة، وهو رجل غامض بلغ من العمر ٧٦ عاما، وكان قد تدرب في بداياته على أيدى المخابرات السوفييتية، وظل طوال الوقت شبحا صامتا له قوته ورهبته، وله نفوذه الخطير، حتى وصف بأنه صانع الرؤساء، حيث عاصر اختيار ستة رؤساء للجمهورية و١٢ رئيسا للحكومة، ومع ذلك لم يتحدث إلى وسائل الإعلام ولم تظهر له صور، حتى اعتبر المسؤول الوحيد الذي لا يعرف الجزائريون شكله، حيث لم يكن مسموحا بتصويره في أي مناسبة، علما بأنه كان نادرا ما يظهر في المناسبات العامة.
ويتحدث البعض عن صورتين ظهرتا له أخيرا، واحدة له في شبابه والثانية مشكوك فيها كانت له وهو مرتد ثياب عسكرية. الأهم من ذلك أن سي توفيق، اسمه الحقيقي محمد لمين مدين وتوفيق اسمه الحركي حين التحق بجيش التحرير ــ جمع كل أجهزة المخابرات تحت رئاسته فيما سمي بدائرة الاستعلام والأمن، ويذكر أنه حين حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ انتصارها الكبير في انتخابات عام ١٩٩٣، فإن سي توفيق كان في مقدمة الجنرالات الذين انقلبوا على التجربة الديمقراطية، ولأنه رأس المخابرات في عام ١٩٩٠ فقد كان له إسهامه في إجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة. وهو ما أطلق شرارة العنف الضاري الذي أغرق الجزائر في بحر من الدماء طوال عقد من الزمن، لا يزال يوصف إلى الآن بأنه عشرية سوداء، إذ قتل خلالها نحو ٣٠٠ ألف جزائري وشهدت البلاد أثناءها العديد من المذابح والانتهاكات الوحشية التي شاركت فيها كل الأطراف.
في السنوات الأخيرة اشتهر جهاز المخابرات بتحقيقاته في قضايا الفساد خصوصا في شركة النفط العمومية، ووصل تغلغل جهاز المخابرات إلى كل مؤسسات الدولة والأحزاب، بحجة حماية البلاد من الإرهاب والفساد. حتى بدا وكأنه الحاكم الفعلي للجزائر وصاحب الكلمة الأخيرة فيما يخص الملفات الأساسية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
(٢)
يوم الأحد ١٣ سبتمبر الحالي كانت عناوين الصحف الصباحية الجزائرية كالتالي: الرئيس يطيح بصانع الرؤساء ــ الجنرال توفيق.. نهاية الأسطورة ــ نهاية حرب الاستنزاف بين المخابرات والرئاسة ــ الجزائر على أبواب تغيير جذري ــ هل بدأ مشروع تمدين السلطة في الجزائر (نقلها إلى المدنيين).. إلخ. أما العبارة التي كانت قاسما مشتركا في مختلف الأصداء فهي التي وصفت الحدث المدوي الذي فاجأ الجزائريين بأنه إعصار سياسي. ذلك أنه خلال ربع القرن الأخير وإزاء النفوذ الهائل والغموض الكبير الذي أحاط بالجنرال الشبح. استقر في يقين الطبقة السياسية أن سي توفيق هو الطرف الثابت في السياسة الجزائرية أما الآخرون بمن فيهم الرؤساء فهم عابرون.
لم تكن تلك هي المفاجأة الوحيدة، لأن ما أدهش الجزائريين أيضا أن القرار صدر عن رئيس مصاب بجلطة دماغية منذ أكثر من سنتين، أفقدته القدرة على التحكم في حواسه، كما أفقدته الوعي أغلب ساعات اليوم. وبسبب تلك الجلطة التي أصابته في شهر أبريل عام ٢٠١٣ فإنه ظل نحو ثلاثة أشهر تحت العلاج في فرنسا، وعاد مقعدا ويتكلم بصعوبة بالغة، حتى إنه لم يخاطب الجزائريين منذ أكثر من ثلاث سنوات، الأمر الذي بدا محيرا ومثيرا للشكوك والهواجس، ذلك أن الرئيس وهو في أضعف حالاته أصدر قراره بعزل الجنرال وهو في أوج قوته. وفي حين تصور كثيرون أن الرئيس (٧٨ سنة) قد لا يكمل ولايته الرابعة التي بدأها في عام ٢٠١٤ بسبب ظروفه الصحية (مدة الولاية خمس سنوات)، فإن الجميع فوجئوا بأن الرجل ماضٍ في ترتيب مستقبل الرئاسة، وأنه قرر أن يباشر العملية بنفسه بحيث لا يتركها لدولة الأمن والعسكر التي كان الجنرال توفيق على رأسها.
حين حدث ذلك تذكر البعض أن بوتفليقة قال لإحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية عشية انطلاق ولايته الأولى في عام ١٩٩٩«قولوا للجنرالات الجزائريين أن يوجهوا إلي أي اتهام لو كان بمقدورهم ذلك». تذكروا أيضا أنه قال أمام الصحفيين غداة انتخابه «لن أكون أبداً ثلاثة أرباع رئيس». وهو ما فهم منه أن الرجل كان عازما منذ اليوم الأول لانتخابه أن يكون السلطة الأولى في الجزائر، وأنه لن يخضع لسلطة دولة العسكر التي كانت صاحبة الكلمة الأولى آنذاك.
رغم أن الإعصار هدأ بصورة نسبية خلال الأسبوعين الماضيين، إلا أن سيل الأسئلة لا يزال يتدفق، بعضها يتحرى الخلفيات والبعض الآخر يقلب الاحتمالات ويستفهم عن المآلات. لكن القدر المتفق عليه أن الاعصار الذي انطلق لم يؤد فقط إلى التخلص من رأس دولة العسكر ورمزها، لكنه وجه ضربة في الصميم إلى مجمل مشروع تلك الدولة القابضة على السلطة منذ الاستقلال في ستينيات القرن الماضي.
(٣)
من القصص ذات الدلالة التي تستدعي الآن أن وزير الداخلية الفرنسي في عهد الرئيس ساركوزي ــ كلود يجا ــ كان قد زار الجزائر وطلب مقابلة الجنرال توفيق دون أن يمر بالرئاسة، وهو ما أغضب بوتفليقة فتدخل بالرفض كما رفض مقابلة الوزير الفرنسي. وبعد أشهر قليلة قام الجنرال بزيارة سرية للإليزيه حيث التقى ساركوزي، الذي تيقن أن الجنرال هو الرئيس الفعلي للجزائر.
في الخلفية أيضا أن بوتفليقة أخذ على الجنرال توفيق أنه لم يستخدم أدواته وأجهزته في وضع حد للشائعات والأقاويل التي راجت في الجزائر أثناء علاج الرئيس بفرنسا ودارت حول انسحابه من السلطة وعدم ترشحه لانتخابات عام ٢٠١٤. لذلك فإنه عاد من رحلته بمشاعر متغيرة إزاء رئيس جهاز المخابرات. وقيل في هذا الصدد إن ذلك التغير أسهم فيه شقيق الرئيس ونائبه غير الرسمي السعيد بوتفليقة الذي كان يدافع عن أخيه الأكبر ويشير إليه دائما بأنه «سيدي حبيبي». كما أسهم فيه رئيس أركان الجيش قايد صالح الذي كان يطمح في أن يختاره بوتفليقة خليفة له.
يذكرون أيضا أن الرئيس بوتفليقة الذي بدأ متمردا على حكم العسكر لجأ إلى تفكيك جهاز المخابرات ومن ثم إضعاف مملكة الجنرال توفيق. فصَّل في ذلك تقرير من الجزائر نشرته صحيفة الشرق الأوسط (في ٢٣/٩). أشار إلى أن أول وأخطر خطوة اتخذها الرئيس في هذا الصدد تمثلت في حرمان الجهاز من الشرطة القضائية التي كانت العصا التي استخدمها الجنرال توفيق في مباشرة تحقيقات قضايا الفساد التي تورط فيها مسؤولون بارزون في الدولة، وطالت تلك التحقيقات شركة «سونا طاك» للنفط والغاز، وافضت إلى اتهام وزير الطاقة بتلقي العمولات كما ذكر اسم السعيد شقيق الرئيس الأصغر في القضية، وهو ما أثار غضب الرئيس فنحى وزير العدل في أول تعديل حكومي، كما أبعد الضباط الذين قاموا بالتحقيق فيها. الخطوة التالية التي اتخذها الرئيس تمثلت في إلغاء وحدة الاتصال والبث التي كانت عين الجنرال توفيق على مؤسسات الإعلام، كما أنه جرد المخابرات من الإشراف على الأمن العسكري والرئاسي ومن التنصت على مكالمات الوزراء وكبار المسؤولين، وحل مجموعة التدخل الخاصة التي كانت القوة الضاربة للمخابرات أيام الصراع مع الإرهاب.. إلى غير ذلك من الخطوات التي أدت إلى تفكيك مملكة الجنرال توفيق وتجريده من عناصر القوة التي جمعها وإحالة عشرات الضباط الموالين له إلى التقاعد، وقد بلغ ذلك الإضعاف ذروته حين ألقي القبض في شهر أغسطس الماضى على أحد أهم مساعدي الجنرال توفيق، وهو رئيس قسم محاربة الإرهاب في المخابرات الجنرال عبدالقادر آيت المعروق باسم الجنرال حسان، الذي وجهت إليه تهم غامضة. وهو ما دفع المراقبين إلى توقع الخطوة التالية المتمثلة في إزاحة الجنرال توفيق والإجهاز على مملكته التي تقوضت أركانها.
(٤)
ما جرى كان «انقلابا أبيض»، في رأي الباحث الجزائري مدير مركز أبحاث العالم العربي في جنيف الدكتور حسني العبيدي. وهو يثير أكثر من سؤال حول مرحلة ما بعد بوتفليقة، الذي نجح في ترتيب كل الأوضاع المحيطة وضمان سيطرته على مختلف سلطات الدولة وإزالة كل العوائق من طريقه، وكانت المؤسسة العسكرية والأمنية أخطرها. أحد أهم تلك الأسئلة تتعلق بما إذا كان الرئيس سيقرر الاستمرار في الحكم متحديا المرض والشكوك حول قدرته على تسيير دفة الحكم، أم أنه سيختار من يخلفه ثم يدعو إلى انتخابات مبكرة ليضمن ترتيب وضع السلطة بعد رحيله. في هذا الصدد يرشح تقرير الشرق الأوسط ثلاثة أشخاص لخلافته، أحدهم رئيس الوزراء الحالي عبدالمالك السلال. الثاني وزير الدولة ومدير الديوان بالرئاسة أحمد أويجي، والثالث شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة.
ثمة سؤال آخر مثار هو: هل يمكن أن تكون فرنسا بعيدة عما جرى أو الذي سيجري. البعض يرى أن صيغة السؤال غير دقيقة، لأن الأصوب أن ينصب التساؤل على حجم الدور الفرنسي وليس عن مبدأ وجوده، لأن فرنسا لم تغب عن المشهد وهي موجودة طوال الوقت، وعلاقاتها متينة مع مؤسسة الرئاسة والجيش، إلا أن حجم الحضور ليس معلوما في الوقت الراهن نظرا لحساسية الموضوع.
السؤال الثالث المهم هو: هل يمهد تفكيك مؤسسة العسكر والأمن لانتقال الجزائر إلى مجتمع مدني وديمقراطي؟ المؤكد أن الصراع أو التجاذب بين الرئاسة والعسكر قد حسم. أما هل يؤدي ذلك إلى الانتقال إلى نظام ديمقراطي فمن الصعب التكهن بذلك الآن، لأن ثمة انسدادا سياسيا يحتاج إلى وقت طويل لعلاجه. إلا أنه من المهم ملاحظة أن التساؤل عن الانتقال الديمقراطي لم يكن واردا في ظل هيمنة مؤسسة العسكر والأمن، في حين أن التغيير الذي حدث أعطى الأمل في إمكانية تحقيق ذلك الأمل. وفي كل الأحوال فإن خطوات الرئيس بوتفليقة التالية ستوفر الإجابة على السؤال. علما بأن مرحلة حكم العسكر أحدثت تشوهات في الحياة السياسية الجزائرية يصعب البراء منها. وقد أشار تقرير الشرق الأوسط إلى أن تلك التشوهات لها بصماتها على كل شيء في البلاد بدءا من العقيدة الأمنية وانتهاء بطريقة إدارة شؤون الدولة، ومرورا باختيار الرجال وطبيعة الولاء، وهو ما يحتاج إلى سنوات ليست قصيرة لعلاجه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11499
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
4965
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026