رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أشكر الزميل (في الثقافة والسفارة وليس في الوزارة) الصديق د. أبو تميم حمد عبد العزيز الكواري لأنه أنقذني من مشكلة عانيت منها هذه السنوات الأخيرة وهي مشكلة تتمثل في أن بعض طلابي القدامى أو الذين يتوسمون خيرا في حسن ذوقي الأدبي يطلبون مني أن أنصحهم بكتاب يطالعونه وينفعهم فأعود إلى ذاكرتي وأنصحهم بآخر ما قرأت من كتب فرنسية وأمريكية ويابانية وغيرها إلا أن بعضهم يحرجني بالقول بأنه يريد كتابا عربيا فيضعني في مأزق لأني (ولعلي كنت مقصرا) لم أعثر على كتاب في الفكر والسياسة والأدب لفت نظري في المكتبات بعنوانه أو بقامة مؤلفه واقتنعت (سامحني الله) بأن كل الكبار العرب الذين توفاهم الله لم يعوضهم أحد ممن جاء بعدهم. فهل هو تقصير مني وتعصب لجيل المبدعين؟ أم هو جهل بأقلام جديدة لم يسعفني الحظ للتعرف عليها؟ أم في الحقيقة تصحر ثقافي أصيبت به أمتنا من جملة ما أصيبت به من كوارث ؟ الله أعلم. حتى أهداني أحد الأصدقاء كتاب (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) الذي ينقل لنا سيرة ذاتية لرجل مستنير بأنوار إبداعات حضارية متنوعة كان ولا يزال ينتقل بينها متأملا أحيانا ومنبهرا أحيانا ولكن في كل الحالات مستخلصا منها العبرة والحكمة. اليوم بمقدوري أن أنصح الشباب بمطالعة هذا الكتاب الخليجي العربي القيم والسلس والممتع لأنه مكتوب بصدق وعفوية وتواضع لا يريد من ورائه صاحبه خدمة أيديولوجية بعينها ولا كسب أنصار في ساحة وغى فكرية ولا إقناع قرائه بوجهة نظر أو موقف. بل إن الكاتب المثقف بعد أن اختزن التجربة وعايش التحولات العربية والعالمية وأسهم فيها يتجول بالقراء كأنه دليل مرشد في فضاء الأفكار وصالات المتاحف وأسرار الإنجازات وخفايا الشوارع بين مدن عجيبة ومدهشة أحبها وسكنها مثل باريس ونيويورك والقاهرة أو يأخذنا إلى أمهات كتب حديثة (نعم للحداثة أمهاتها !) ليقول لنا إنه تعلم منها وأن أصحابها فتحوا أمامه أفاق ثقافة أو أطلعوه على حقائق متميزة أمثال كتاب حول الميديا الجديدة للتونسي الصادق الحمامي أو مؤلفات المفكر الفرنسي (ريجيس دوبريه).
إن الذي شدني أكثر لكتاب الصديق د. حمد هو هذا النوع النادر المحبب إلى نفسي من الاعتبار الفكري وفك الكاتب لطلاسم الرسائل الحضارية التي تنبعث من قصة قرآنية أو قطعة أثرية أو لوحة تشكيلية أو جملة أدبية أو بيت شعري أو لقطة واقعية من حياتنا اليومية قد يمر بها الناس العاديون دون التفات لكنها عند المثقف تتحول إلى ينبوع زلال من المعنى والحكمة والحيرة الخلاقة. فأحببت مثلا حديث الكاتب عن قصة نبي الله نوح عليه السلام وقد جعل أبو تميم تلك السفينة مجسما مصغرا للإنسانية بتنوع أعراقها وحرص منقذها النبي الملهم عليه السلام على أن تكون السفينة شاملة لكل المخلوقات في إشارة إلى تعلق الكاتب باحترام الاختلاف والسعي إلى الائتلاف ونحن جميعا نركب سفينة سيدنا نوح لننجو من غرق الحضارة وضلال التعصب وظلام العنف. وأنا أشهد للصديق د. حمد أنه من هذا المعدن الأصيل الذي يؤمن بأن الثقافة في جذورها وأعماق معانيها ما هي إلا قبول المختلف والعمل الدؤوب على دمج الخصوصية (الخليجية مثلا والعربية عموما والإسلامية بشكل أعم) في الحضارة الكونية الشاملة وهو ما قام به كسفير شاب مثل دولة قطر في دول أساسية كبرى وأشدها التصاقا بقضايا العرب كما مثل قطر في المحافل الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والمؤتمرات السياسية والثقافية والمناسبات الدبلوماسية في لحظات تحول حضاري دقيق وخطير. ثم كوزير حين رفع التحدي وأنجز مشروع (الثقافة وطنا والدوحة عاصمة) وباستمرار ككاتب (في وسائل الاتصال الاجتماعي) ولم يتخل أبو تميم وهو بعيد عن المناصب عن تلك الفضائل والمثل العليا التي تعطي معنى لحياة الناس. وأقدر فيه أيضا هذا الوفاء الخالص لتوجهات قيادة الدولة وخياراتها ورموزها فحين تقرأ كيف قام وزير الإعلام نفسه (وهو حمد عبد العزيز الكواري) بتنفيذ خيار حضرة صاحب السمو أمير البلاد في إلغاء وزارة الإعلام عندما لم يعد لها دور وقد عشت ذلك الحدث في الدوحة وهو حدث يخصص له الكاتب فصلا في كتابه إيمانا منه بأن الإعلام حر أو لا يكون وبأن ضمائر الإعلاميين وشعورهم بالمسؤولية يحصنهم ضد الزيغ والهدم والخطأ. يقول د.أبو تميم:"وهكذا كنت أول وزير يلغي وظيفته باقتراح منه" .
من خلال صفحات هذا الكتاب سوف تتمتع بأدب جميل ونافع مثل اللقاء المتخيل بين الكاتب والسلطان سليمان (بطل المسلسل المعروف) في أحد دهاليز قصر (توبكابي) في إسطنبول حين زار الكاتب ذلك المتحف الرائع وحاول فك الاشتباك بين حقيقة ذلك السلطان الصالح وبين خيال صاحب المسلسل الذي جعل من قائد فاتح مسلم مجرد زير حريم! ويحلل الكاتب بهذه المناسبة تلك العلاقة الجدلية القديمة بين التاريخ وبين الخيال كما تقرأ في الكتاب نظريات تأصيلية لقيمة الثقافة والفن في حياتنا. يقول الكاتب:"أليس الأدب مقاومة بالحلم والخيال لرداءة الواقع ومواجهة لبلى الزمن؟ أليس الأدب إعادة ابتكار للإنسان حين تدمره نوائب الدهر فيبعثه الخيال كطائر الفينيق؟"
ويعجبك في هذه السيرة تحليل عميق لأحد أركان عصرنا وهو ركن سيادة التكنولوجيا الاتصالية وتحول السلطات المركزية إلى ذرات مع تحول المواطن العادي إلى محرر ومبتكر وموزع أخبار وأحداث ورؤى وهو تحليل يستحق التوقف عنده لأنه صادر عن رجل تميز بتحمل أمانة وزارات الإعلام ثم الثقافة والتراث. ويجمع الكتاب جملة من التحليلات لمفاهيم الثقافة والدبلوماسية والمشاورات والمفاوضات والحضارة الرقمية التي دخلت مكتب الكاتب ومكتبته فجمع بين آلياتها المتطورة وبين جذورها الأصيلة مثل الخط العربي وكل تلك التأملات صاغها أبو تميم في لغة ليست نخبوية ولا أكاديمية بل لغة أدبية تبلغ شغاف القلوب لأنها صادرة عن قلب وإحساس ومعايشة ولأنها تعتمد المراجع القيمة أمثال مواثيق حقوق الإنسان وبحوث الجابري حول العقل العربي وغيره من المراجع التي ضمنها الكاتب في فهرس خاص يشمل مؤلفات ذات قيمة وتأثير كانت هي مناراته في تأليف سيرته التي بين أيدينا.
ولا يفوتني أن أشكر الكاتب ثانية بكل صدق ومودة لأنه أتاح لي فرصة استعادة الأمل في الفكر العربي ومنحني لحظات مما سماه أبو حيان التوحيدي (الإمتاع والمؤانسة) ورجائي عنده أن يواصل الكتابة ولا يكتفي بوسائل التواصل الاجتماعي فيستمر في العطاء الفكري المتدفق بأدوات النشر المتاحة من كتب وصحافة لأنها تبقى للأجيال القادمة ولا تمحوها الأيام كالفضاءات الرقمية.
ثوابت الدبلوماسية القطرية.. جهود متواصلة من أجل السلام
تصدرت رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الموقف القطري خلال أعمال... اقرأ المزيد
171
| 02 أكتوبر 2026
أمير البلاد المفدى يرسم رؤية قطر للمستقبل
في خطاب حمل رؤية قطر لأمن المنطقة ومستقبل النظام الدولي، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد... اقرأ المزيد
189
| 25 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
276
| 18 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10371
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3489
| 22 أكتوبر 2026