رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثقافة عقود الاستبداد الطويل في المنطقة العربية عملت على تشوية تفكير الناس إزاء فكرة "ما الحل" وتشويه اسقف توقعاتهم إزاء كل تغيير يعقب تهاوي اي نظام استبدادي. عقل النظام المُستبد وآليات التعليم المدني والديني فضلا عن إعلامه كان ولا زال يعمل على ترسيخ قواعد ايديولوجية شبه مقدسة في التفكير الجمعي للناس, ومن ضمن هذه القواعد إثنتان تقف عندهما هذه السطور: الاولى ان النظام الاستبدادي هو الحل الوحيد المطروح امام المجتمع, فهو حاضرهم, ومستقبلهم, وفيه خلاصهم وسعادتهم رغما عنهم, ولا مناص لهم عنه. والقاعدة الثانية هي الفكرة الابوية التي يكرس بها علاقات الناس مع النظام كأفراد عائلة متحابين يستمعون ويطيعون الاب الحنون, الذي وإن قسا بعض الأحيان فإنه يفعل ذلك لمصلحة الأبناء غير الناضجين. لم تقتصر هذه الافكار المؤسسة للثقافة المُستبدة وشقيقاتها وآلياتها على استخدام الانظمة السلطوية والأبوية مديدة العمر, بل كانت قيد الاشتغال ايضا وبنشاط ملفت في قلب الايديولوجيات الحزبية حيث أنتجت منظمات سلطوية لا تقل استبدادا عن الأنظمة التي تعارضها. القاسم المشترك الأعرض بين الأنظمة السلطوية والاحزاب المعارضة لها كان ثقافة الاستبداد. النظام السياسي كان يفوز دوما بالضربة القاضية بكونه المالك الحصري لاستخدام العنف والسلطة في المجتمع. عندما تختلف شروط اللعبة كما حدث في بعض المجتمعات مع الانتفاضات العربية وتختل تراتبية الاستبدادات وسيطرة أي منها على السلطة والقوة في المجتمع, ومع الانفلات التي تتيحه الانتخابات والمرحلة الأولى من الدمقرطة, يفيض التثاقف الاستبدادي العفن الذي لم يتعود الاعتراف بالآخر, ويرى في ذاته "الحل الخلاصي" الوحيد, وننتهي إلى "صدام الاستبدادات" في الشوارع والميادين كما نرى في مصر حاليا: استبداد الليبرالية الشائهة (التي هي خليط غير منسجم من القوى المدنية, والمباركية, والجيش), واستبداد القوى الدينية. المُرعب والمهول في المشهد, لكنه الناتج الطبيعي عن عقود الاستبداد وثقافته, يتمثل في البدائية السياسية واندفاع الغرائزية والحس الانتقامي والكيدي الذي يقود الطرفين, ناهيك عن عدم إمتلاك اي منهما "الحل" او الحد الادنى من الثقافة الديموقراطية التي لا تعترف بفكرة "الحل الخلاصي".
فوضى السياسة والفكر والدين في حقبة ما بعد الربيع العربي تشير إلى هول ما انتجته عقود الاستبداد على صعيد تدمير أية عناصر مؤسسة لثقافة الديموقراطية والتعدد, وخاصة في اشتغال القاعدتين اللتين تكملان بعضهما البعض: قاعدة لا حل إلا أنا, وقاعدة النظام بكونه أب المجتمع. القاعدتان هما النقيض المباشر لفكرة الديموقراطية التي تؤسس وبالتعريف قناعة مشتركة بين الخصوم السياسيين والايديولوجيين تنفي وجود "حل خلاصي". ليس هناك حل سحري يملكه أي طرف فوق هذه الأرض وفي أي مجتمع من مجتمعاتها يمكن من خلال تطبيقه إنهاء معضلات المجتمع من فقر واقتصاد وعدالة وحريات واستقلال تام وسيادة, وبحيث يرضى به الجميع. الثقافة الديموقراطية أكثر واقعية وابتعادا عن فكرة "الحل الخلاصي", ذاك أن ما تقول به وتريد ان ترسخه هو شيء مختلف جوهريا وهو ان كل ما يمكن للخصوم السياسيين والاعداء الأيديولوجيين ان يقوموا به هو حلول جزئية لإنهاء تلك المعضلات. يتفوق بعضها على البعض الآخر بالنقاط والنسب المئوية وليس بالضربة القاضية. والنظام الديموقراطي, الذي يقر بأنه لا يحمل في ذاته أي شكل من اشكال "الحل الخلاصي" وأنه كثير العيوب, يبقى الافضل نسبيا لحد الآن في كل النظم التي طبقها البشر, إذ يوفر في الحد الادنى ميدان الصراع والمنافسة بين المتصارعين ويضبطه وينظمه بالطرق السلمية.
من العيوب الأساسية للنظام الديموقراطي انه يوفر للخطاب الشعبوي فضاءً واسعا للإنتشار وجلب الانصار وتحقيق الفوز الانتخابي. وعندما يتم توظيف الدين في قلب الخطابات الشعبوية, كما في المجتمعات العربية, وعلى خلفية تراكمات تاريخية عديدة اعتاشت عليها التيارات الدينية, فإن النتيجة غير المفاجئة في المرحلة الاولى من الديموقراطية هي الانتصارات الانتخابية لهذه التيارات. الحل الوحيد لتقليم الخطابات الشعبوية هو كشفها امام الناخبين والناس سلميا وانتخابيا, وترقية الوعي العام وإزاحته تدريجيا من الإيمان ب "الحل الخلاصي" الذي تعد به التيارات الدينية, إلى الايمان ب "الحلول النسبية والنصفية". ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالصبر الوئيد (والمُستفز للأعصاب) على مراحل التحول الديموقراطي. خلال المرحلة الاولى من الديموقراطية تحدث إزاحات كبيرة ايضا في قلب التيارات الايديولوجية التي يدرك كثير من منسوبيها طوباية شعارات الحل الخلاصي (الاسلام هو الحل مثلا) وينتقلون الى تفكير اكثر واقعية, كما حدث مع بعض اجنحة التيار السلفي في مصر ايضا, وشرائح شبابية من الاخوان المسلمين انفسهم. لكن الثقافة المتوارثة عن عقود الاستبداد الطويل لا تتحمل الانتقال الوئيد والجزئي, ولا تتحمل رؤية الخصم السياسي في الافق وتريد ان تعزله وتقصيه تماما, لهذا ترتد إلى الغرائزية وتتفلت بسرعة من قيود النظام الديموقراطي الجديد عليها.
القاعدة, أو الخرافة, الثانية التي تؤسسها انظمة الاستبداد والسلطوية تقوم على فكرة القائد الاب, والنظام الابوي, الذي يرعى المجتمع بأسره بكون أفراده هم الابناء, وأن المجتمع مع إدارته الاستبدادية يناظر العائلة. والعائلة وبالتعريف, الساذج والخرافي أيضا, يجب ان تكون مُتحابة ومنسجمة مع بعضها البعض, وانه من حق الاب ان يؤدب "بعض" الابناء العصاة المنحرفين عن الطريق المستقيم للعائلة, حتى يضمن الانسجام والحب داخلها. تتمتع هذه الخرافة, رغم هشاشتها وتعارضها مع بداهة الحياة, بقوة هائلة, وتُستخدم دوما لضرب الفكرة الديموقراطية لأن هذه الاخيرة تسبب الشقاق والخلاف, وتنشأ في ظلها الأحزاب والحركات التي تقسم المجتمع "المُتحاب" وتضعفه. يُقارن سدنة المجتمع الابوي الاستبدادي الاستقرار و"الانسجام" الذي يوفره مع الفوضى والشقاق والحزبية التي تنتجها الديموقراطية, لتخويف الناس المُعتادين على عقود الاستبداد الطويل, ولإقناعهم بأن "غول الديموقراطية" سوف يأتي عليهم جميعا ويحطم المجتمع "المتماسك" إن تم السماح له بالدخول.
"مجتمع العائلة المُتحاب والمتماسك" لا أساس له تاريخيا, فالعائلة هي نطاق للكراهية كما هي نطاق للحب والانسجام. ولنا ان نتذكر أن جريمة القتل الاولى في تاريخ البشر حدثت داخل العائلة الأولى على الأرض, بين قابيل وهابيل. ولنا أن نتذكر أن إنتساب المسلمين واليهود إلى جد واحد وكونهم ابناء عمومة, لم يمنعهم من تأسيس عدواة وكراهية يعرفها الجميع. كما لكل منا أن يمرر في رأسه, حالات لا تعد ولا تحصى, من العداوات والصراعات في نطاق "العائلة" على المستويات الفردية والجماعية الاصغر. ما تقدمه الديموقراطية, وعلى الضد من نظرية "المجتمع الأبوي" الاستبدادية, هو الإقرار وبشجاعة بكل تلك الاختلافات والكراهيات "داخل العائلة" ومواجهتها تحت الشمس وفوق الارض ومن دون إدعاءات. تتصدى لمهمة تاريخية وعبقرية في حياة البشر واجتماعهم السياسي وهي تنظيم تلك الخلافات والصراعات بطريقة سلمية. بكلمة أخرى, الديموقراطية هي النظام السياسي الوحيد الذي ينظم الكراهية داخل المجتمع ويدجنها ويؤسس لها قنوات سلمية حتى تنفجر فيها. والبديل عن ذلك التنظيم والتدجين العملي واحد من أمرين: الأول هو تأبيد الاستبداد حيث يحتكر فريق ما في المجتمع (طائفة, أو عائلة, أو حزب أيديولوجي, أو طغمة عسكرية) الحكم والسياسة والموارد ويتجبر في بقية الفرقاء, ولا يشارك أحدا في السياسة ولا يسمح لأي "إنشقاق" في العائلة أو تمرد على "أبوها", بل يدفن كل ذلك تحت السطح مؤجلا الانفجار المحتوم. والثاني هو انفجار تلك الصراعات والكراهيات على شكل حروب أهلية دموية تستنزف الجميع, ولا تنتهي إلا بانتصار دموي تدميري لطرف على الأطراف الأخرى واخضاعها لـ "ابوته" ردحا طويلا من الزمن لحين بروز "أب" جديد أكثر دموية وتدميرا.
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
524
| 26 أكتوبر 2015
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1459
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
553
| 28 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12189
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10854
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026