رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في وقت يحذر فيه العقلاء في المنطقة من مآلات الصراع الطائفي في المنطقة برمتها، تُصر إيران المعزولة والقوى السياسية العربية التي تدور في فلكها (بشار ونصرالله والحكومة العراقية) على التجييش الطائفي السلبي الذي من شأنه أن يضعف من فرص إنضاج المناخات المناسبة لحلول سلمية باتت مطلوبة لحقن مزيد من دماء الأبرياء.
فاستحضار كربلاء من خلال شعار طائفي "لبيك يا حسين" يبرهن للمرة الألف أن إيران توظف جزءا من الشيعة العرب لرسم خطوط صراع على أسس طائفية تسمح لإيران بتوسيع نفوذها وتأثيرها، فإيران تسعى من خلال ذلك إلى إبقاء دول المنطقة ضعيفة ومنهمكة في صراعات داخلية حتى تبدو القوة الأهم في الإقليم الأمر الذي يُمكنها من الحصول على ريع إستراتيجي (Strategic Rent) من خلال العمل مع القوى الغربية لإدارة الإقليم في حال أدارت الولايات المتحدة ظهرها بالكامل عن الإقليم. ولتحقيق كل ذلك تحاول إيران من خلال وكلائها في المنطقة تقديم رواية خارجة عن سياقها الطبيعي تقدم فيها داعش كوجه متطرف للسنة، في حين يعلم القاصي والداني أن أغلب ضحايا داعش هم من العرب السنة وأن إيران ونظام بشار يستفيدان من التطرف الداعشي لتأجيل استحقاق التخلص من النظام السوري الذي لا يمكن إعادة تأهيله أو تسويقه بعد أربعة أعوام من المجازر ضد الشعب السوري.
ولا تقف الرواية الطائفية التي تتبناها إيران وحلفائها عند حد التهويل من خطر "السنة" المتطرفين بل أن الإعلام التابع لهذه المقاربة والذي يعكس الموقف الحقيقي لهذه القوى الطائفية يرى بأن العدو رقم واحد هو أي جهة تقف أمام التوسع الإيراني إذ لا نكاد نسمع شيئا عن إسرائيل التي ما زالت تحتل مزارع شبعا، وكأن طهران وأعوانها استبدلوا الخطر الصهيوني بالخطر "السني".
وظهر ذلك جليا في خطاب حسن نصرالله الأخير والذي جاء بلغة استفزازية تعكس مدى التأزم الذي تمر به إيران وحلفاؤها في المنطقة. فخطاب نصرالله الذي صادف مناسبة مرور خمسة عشر عاما على انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان جاء متناقضا وموتورا.
فقد برر حسن نصرالله تدخل حزبه بالحرب الدائرة في سوريا واتهم الثورة السورية والدول الداعمة لها بأنه تضعف من محور المقاومة وتخدم بذلك إسرائيل في حين أن هذا المحور لم يعد يأبه بإسرائيل وقتل من العرب السنة تحديدا عشرات الأضعاف مما قتلته إسرائيل من العرب في كافة حروبها! ويرفع الحزب عنوان الحرب على داعش – في غزل واضح للولايات المتحدة – في حين أن مسرح القتال لقوات حزب الله لم يكن فيها داعش ولو لمرة واحدة، وهذا الأمر يثير كثيرا من الشكوك حول المستفيد الأول من وجود داعش أو حول هوية من عمل على تغذية وجود هذا التنظيم الإرهابي.
لم يعد هناك مجالا لإنكار أن حزب الله يعمل وفق ترتيب مسبق مع إيران وأنه يخوض حربا لا علاقة لها بإسرائيل وأنه في واقع الأمر ساهم وبقوة بتحويل الثورة السورية المشروعة للاستقلال والتخلص من الاستبداد إلى حرب طائفية بين الشيعة والسنة.
ويظهر ذلك بشكل جلي في موقف محور طهران من تسليح العشائر السنية في العراق، إذ يصر هذا المحور على أن تسليح سنة العراق إنما يفضي إلى تقسيم العراق، وتتجلى المفارقة بأبشع صورها عندما يتم تسليح ميليشيات شيعية ارتكبت كل صنوف الجرائم في مناطق السنة بحجة التخلص من داعش.
طبعا لا ينبغي أن يُفهم من هذه السطور أن المعركة ضد التدخل الإيراني يجب أن تأخذ شكلا طائفيا! بل على العكس من ذلك فالحل الوحيد الذي يضمن التعايش المجتمعي والسلمي في كل دولة يتطلب وحدة وطنية في هذه الدول العربية وهذا يستلزم أن تتبنى الدولة خطابا مختلفا بحيث تكون دولة لكل مواطنيها وليست لمكوّن على حساب الآخر.
فالسبب الرئيسي في نمو ظاهرة الطائفية والمذهبية هو فشل المصالحة السياسية بين مكونات المجتمع الواحد، فالمجتمعات العربية ليست أحادية التكوين، ففي كل دولة هناك تنوع اثني أو مذهبي، وهنا لسنا بحاجة إلى اختراع العجلة من جديد، فالديمقراطية الحقيقية والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الأقليات والمرأة هي من يخلق الإطار المناسب لدولة حديثة يتعايش فيها الناس بسلام.
ونظرة سريعة إلى ما يجري حولنا في العالم يساعد على فك لغز تعثر الدولة العربية، فالدول التي اختارت أنظمة ديمقراطية تمكنت من التعامل مع التنوع المجتمعي بل وأصبح هذا التنوع مصدر إثراء وقوة، في حين أن الدول الشمولية أو المستبدة التي تحولت إلى آلية لسيطرة هوية اثنية أو مذهبية على غيرها انهارت.
بالمحصلة، أعتقد أن استحضار كربلاء والتجييش الطائفي وكل هذه الممارسات الطائفية لن تجد نفعا، فالقضية أبعد من وجود طرف منتصر وآخر مهزوم، فحتى لو انتصر طرف على آخر فهذا لن يضع حدا للتوتر ولا يضمن عدم اندلاع العنف مرة أخرى في قادم الأيام، وعلينا التنويه هنا بأن الشيعة العرب الذين توظفهم إيران لن يربحوا شيئا في المستقبل إن لم يستنبطوا جيدا أن مستقبلهم لا يمكن ضمانه إلا بالتعايش مع الغالبية السنية، لهذا علينا أن نتذكر دائما أن أجندات إيران هي قومية بامتياز، وما التقارب مع بعض الشيعة العرب إلا لتوظيفهم لضرب الدول العربية وإضعافها ومنعها من ممارسة مسؤولياتها التاريخية في الإقليم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4629
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026