رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
في خضم الأحداث التي تعصف بالعالم العربي اليوم غابت القضية الفلسطينية عن واجهة الأخبار العالمية والعربية وبالكاد تقرأ أو تسمع أو تشاهد خبرا عن فلسطين وهي أم المسائل والأزمات العربية والدولية، إننا لم نعد نسمع عن فلسطين إلا أن وزير خارجية أمريكا التقى بالسيد محمود عباس، وكذلك نتنياهو والحديث يدور حول العودة أو التمديد لزمن المفاوضات بين أركان السلطة الفلسطينية من جهة والسلطات الإسرائيلية من جهة أخرى، لم نسمع إلا غارة إسرائيلية على شمال أو جنوب قطاع غزة، أو انتهاك المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية الشرطة الإسرائيلية وأخيرا سمعنا عن لقاء تصالحي في غزة بين قيادات حمساوية وفتحاوية وكانت ردة الفعل الأمريكي والإسرائيلي رفض ذلك الاتفاق إلا بشروطهم الاستسلامية من قبل حركة حماس.
لقد رحبت معظم الدول العربية إن لم يكن كلها بالاتفاق بين حماس وفتح الذي تم في غزة نهاية الأسبوع الماضي، لكن الترحيب العربي بذلك الاتفاق لا يكفي، أنه يقتضي أولا أن يلتزم الرئيس عباس بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل حتى يتحقق للشعب الفلسطيني حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس، ثانيا: أن تدعم القيادات العربية ذلك الصلح وأن تمارس ضغوطها السياسية والاقتصادية على الدول الغربية وأمريكا حتى تقبل تلك الدول بما توصلت إليه القيادات الفلسطينية. يجب على القيادات العربية بكل توجهاتها أن لا تترك الشعب الفلسطيني وحيدا يصارع القوى الصهيونية وحلفاءها، ولقد حان الوقت لرفع الحصار العربي عن قطاع غزة وإذا اعترضت إسرائيل وأمريكا على ما تم الاتفاق عليه فيجب عودة نظام المقاطعة الاقتصادية بكل درجاتها على الكيان الإسرائيلي. نعم العواصم العربية تمر بمرحلة صعبة فالحكومات العربية تواجه مطالب شعوبها نحو الإصلاح بكل معانية، وأهم نقاط الإصلاح تكون في استقلالية القضاء ونزاهته، والحق في مشاركة الشعب في صناعة القرار السياسي واختيار ممثليه أمام الحكومة (أي تشكيل برلمان منتخب) وحرية الرأي والمحافظة على المال العام وطرق إنفاقه إلى جانب أمور أخرى.
(2)
في أجواء انحسار المسألة الفلسطينية في وسائل الإعلام، وعشية إعلان المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام عقد " منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال " في اسطنبول شارك فيه العديد من المهتمين بالشأن الفلسطيني من العرب والأفارقة وأوروبيين وأمريكان وأتراك وروس وقدر لي المشاركة في أعمال ذلك المنتدى. في ذلك الملتقي دارت مناقشات جادة في الشأن الفلسطيني ودور الإعلام العربي الذي أجمع الكثير من المشاركين بانحسار دوره عن الشأن الفلسطيني وانشغاله بأوضاع دول الربيع العربي الذي اجتاح معظم الدول العربية. وفي نهاية أعمال المؤتمر شمل بيانه الختامي على العديد من التوصيات والمقترحات اذكر بعضا منها على سبيل المثال: أعلن المؤتمرون في بيانهم تقديرهم العالي للتضحيات التي يبذلها الصحفيون والإعلاميون في فلسطين معلنين تضامن الكل مع هؤلاء الصحفيين، وفي ذات الوقت يدينون الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق وسائل الإعلام الفلسطينية والإعلاميين العاملين على أرض فلسطين المحتلة كما أن المؤتمر يشدد على أهمية وضع الخطط والبرامج الإعلامية بأدواتها المختلفة في مواجهة حملات التشويه والتحريض التي تستهدف الشعب الفلسطيني. وراح البيان الختامي يناشد وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة والإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي بالاهتمام بالتغطية النوعية للحدث الفلسطيني ومواكبة تطوراته والتناول العميق للقضية الفلسطينية بشتى شؤنها وأبعادها.
(3)
إلى جانب أعمال المؤتمر جرت بين الكاتب وجمهرة من المشاركين حوارات تدور كلها حول مجلس التعاون الخليجي والخلافات البينية التي أدت إلى استدعاء سفراء ثلاث دول خليجية من قطر احتجاجا على السياسة الخارجية والإعلامية لدولة قطر، وراح الكل يتحدث عن التنازلات التي قدمتها القيادة السياسية القطرية للدول التي استدعت سفراءها من الدوحة ويتساءلون عن نتائج مؤتمر الرياض الذي انعقد في قاعدة جوية عسكرية وليس في مقر الأمانة العامة للمجلس أو مقر وزارة خارجية الدولة المضيفة.
كان رد الكاتب على بعض ما أثير من تساؤلات كما يلي:
أولا: فالرأي عندي أن استدعاء / سحب السفراء من الدوحة كان خطأ سياسيا كبيرا فالخلافات البينية مرت بمواقف أصعب مما يقال اليوم ولم يتم سحب السفراء، وفي تقديري فإن اجتماع القاعدة العسكرية لوزراء خارجية دول المجلس ما هو إلا محاولة لرد ماء الوجه. بدليل كما تقول أوثق المصادر أن اجتماع القاعدة العسكرية لم يناقش القضايا التي كانت محور خلاف وأن لكل دولة من دول المجلس أن تمارس حقها السيادي طالما لا تؤدي تلك الممارسات إلى الإخلال بسيادة الدول الأعضاء في المجلس. كان البعض يجادل بان قطر قد خضعت لكل الإملاءات من الدول الثلاث (السعودية، أبو ظبي، البحرين) وأن قطر أمرت بترحيل القرضاوي من الدوحة استجابة لتلك المطالب، وأنها رحلت كل المصريين المتهمين بأنهم من الإخوان المسلمين، وأغلقت مراكز الأبحاث المهمة في قطر استجابة لطلب تلك الدول وأنها غيرت الاتجاه التحريري لمحطة الجزيرة كي لا تتحدث عن الانقلاب في مصر ولا تناقش شؤون مصر على شاشة الجزيرة ولو كانوا المتحاورين مصريين. قلت لكل الذين تجمعوا حولي: لحد علمي لم يحدث ترحيل أحد من قطر طبقا لطلب أي دولة من الدول، والقرضاوي مواطن قطري منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي ولا يمكن لدولة تحترم نفسها وسيادتها أن ترحل مواطن من مواطنيها تحت أي ذريعة، أما خطبة الجمعة فالرجل كان يخطب وهو جالس على كرسي، والشيخ القرضاوي كبر سنه فلعله لا يستطيع الحديث بصوت عال ولفترة طويلة فلعله اعتذر عن أداء خطبة الجمعة لإمام غيره وغيابه هذا في تقديري لأسباب صحية ولا غير.
إني استطيع القول إن السياسية الخارجية والسياسة الإعلامية لدولة قطر لم تتغير ولن تتغير إلا عندما تقتضي مصالح الدولة القطرية ذلك التغيير،
(4)
تغير اتجاه بعض المشتركين في هذا الحوار وتوجهوا نحو الحوثيين في اليمن وقال محدثي أن قطر تدعم الحوثيين ضد النظام وهي تسلحهم وتزودهم بالمال والسلاح. كان ردي، قطر قدمت لحكومة الرئيس عبد ربه منصور أكثر من 300 مليون دولار مساعدة فكيف تساعد الحوثيين الشيعة الذين هم في مواجهة مع النظام في صنعاء؟ وأن الحوثيين يعادون حزب الإصلاح السني وقطر متهمة بأنها تؤيد حزب الإصلاح في اليمن فما هذا التناقض في الأقوال والتهم. تأكدوا جميعا بان دولة قطر تقف مع الشرعية في كل قطر عربي أنها مع من يرتضيه ألشعب ولا غير. وانفض اجتماعنا وما برح للحوار صلة.
آخر القول: الإشاعات وتزوير المعلومات تشبه الحرب المسلحة، وعلينا جميعا التصدي لحرب الإشاعات وتزوير المعلومات بكل الوسائل في كل دولنا العربية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2229
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1104
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
570
| 12 أكتوبر 2026