رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الصعوبة بمكان الاعتقاد بأن الوضع العربي، بكل ملابساته وقضاياه، سيكون بعد (عاصفة الحزم) كما كان عليه من قبلها. بهذا المعنى، لن تُصبح العملية العسكرية، بدلالاتها السياسية الإقليمية والدولية، نقلةً استراتيجية فقط في المعادلات الخاصة بالمنطقة، بل وستبقى عنصراً جديداً رئيساً يجب أن يؤخذ، وسيؤخذ قطعاً، بجديةٍ بالغة في كل مايتعلق بتلك الحسابات من الآن فصاعداً.
فبقراءةٍ شمولية، ثمة رسائل عديدة في غاية الحساسية تكمن في العملية المذكورة، وهي تتجاوز بكثير الواقع العسكري الميداني ونتائجه، على أهميتها البالغة. من تلك الرسائل:
أولاً. وجود الإرادة الحازمة على اتخاذ أقوى القرارات، ذاتياً، حين تتطلب المصلحة العربية ذلك. إذ لم يبقَ الآن مجالٌ للانتظار والترقب لإمكانية و (وعود) تحقيق تلك المصلحة بناءً على ما (يتبقى) لها من (فكةٍ وصرف) في حسابات ودهاليز معادلات السياسية الدولية المتعلقة بالمنطقة وترتيباتها. وإنما باتَ مطلوباً وضعُ المصلحة العربية على الطاولة بكل قوة، ومن اللحظة الأولى إلى الأخيرة.
ثانياً. توافر رؤيةٍ ترفعُ أفق وفلسفة ومستوى الفكر السياسي في المنطقة العربية إلى مستوىً آخر يتناسب مع الأخطار التي تتهددها. بمعنى، أنه لم يعد هناك مجالٌ لمحاصرة النفس في ثنائيات موهومة توحي بحتمية واقع الاستقطاب والمحاور والصراعات مَنطقاً للسياسة، وكل ماينتج عنها من فوضى وخلخلة في الأمن القومي.
ثالثاً. وبناءً على ماسبق. القدرة على حشد أطراف عربية وإقليمية رئيسة على الأولويات الاستراتيجية، وإظهار إمكانية تجاوز أي خلافات في وجهات النظر حول قضايا أخرى. بحيث لم يعد بعد الآن ممكناً السكوت على الفوضى في ترتيب الأولويات. وبدلاً من ذلك، يمكن بالسياسة الخلاقة التعاملُ مع الأولويات جميعاً، وُفق جدولٍ دقيق، وبمعادلات محسوبة تَضمنُ توازناتها السعودية كقوةٍ إقليمية تبادر للقرار والفعل، مع إصرارها على مشاركة الجميع، في صناعة القرار وتنفيذه، بما يضمن المصلحة الجماعية. المؤشرات كثيرةٌ ومعبرة، وهي تتحدث عن نفسها، مثلاً، حين تُشجع العملية الرئيس التركي أردوغان على انتقادٍ علني غير مسبوق لأنشطة إيران في اليمن، منددا برغبة إيران في "الهيمنة" على المنطقة.
وحسب وكالة أنباء الأناضول، قال أردوغان: "نحن ندعم تدخل المملكة السعودية في اليمن"، وأضاف "أن إيران تبذل جهودا للهيمنة على المنطقة، كيف يمكن التسامح مع ذلك؟" داعياً إيران إلى "سحب كافة قواتها من اليمن وسوريا والعراق". مع التأكيد أخيراً بأن "على إيران أن تغير عقليتها، الممارسات الإيرانية في المنطقة تجاوزت حدود الصبر".
رابعاً. القدرة على تنزيل الرؤية السابقة بكل عناصرها في إطارٍ من التخطيط الاستراتيجي السياسي والعسكري والدبلوماسي والإعلامي. فرغم أن (عاصفة الحزم) بدأت فجأةً، كما هو يُفترضُ أن تكون، إلا أنه من الطبيعي أن التخطيط السياسي والعسكري والدبلوماسي والإعلامي لها بدأ منذ أسابيع. وهذه سِمةٌ أخرى لاتلغي، فقط، ماكان شائعاً من قدرة العرب على الكلام وعدم قدرتهم على الفعل، وإنما تعكس تلك القاعدة حين تُظهر كلاماً قليلاً دون شعارات ينتج عنه فعلٌ استراتيجيٌ كبيرٌ ومؤثر.
بهذه الرؤية السياسية المُحكمة، ومقتضياتها العملية، وَصلت الرسائل، وستصلُ بشكلٍ مطرد إلى أصحاب العلاقة.
أولاً، وقبل كل شيء، إلى إيران، التي يبدو أن غرور قوتها و(انتفاشَها) في المرحلة السابقة كان، في درجةٍ كبيرةٍ منه، عائداً إلى ضبابية الرؤية، وإلى اعتقادها باستحالة قدرة العرب، على الوصول إليها، بلهَ تنفيذها عملياً. من هنا، كانت استراتيجيتها الرئيسة تتمثل في اللعب على التناقضات والدخول من شقوق الخلخلة وتعميق الفوضى العربية واستغلالها.
وهكذا، بدت، هي وأدواتها، مصابةً بدرجةٍ من الذهول من اليوم الأول للحملة العسكرية. وانحسرت الحملات العنترية لها، والتي كانت تتحدث بروح امبراطورية، إلى ردود أفعال تنحصر بين طلبات التهدئة وبعض التهديدات التقليدية، وصولاً إلى مهاترات وشتائم أوكلت للصبي الحوثي في اليمن، تُعبر بكاريكاتورية عن جزعه أكثر من أي شيءٍ آخر.
ثم إن الرسالة وصلت إلى القوى الدولية ذات العلاقة، والتي يبدو أنها فهمت (الاختراقات) الإيرانية على أنها، من ناحية، دليل قوةٍ إقليمية حقيقية لإيران، ثم على أنها علامةٌ نهائية على خروج العرب من اللعبة، على أساس فقدانهم الكامل للقدرة على المبادرة. ويبدو هذا واضحاً في شيء من الارتباك المبكر لمواقف تلك القوى التي يبدو أنها أصيبت أيضاً بالمفاجأة بالموقف العملي الحاسم والحازم، قبل أن تتدارك الأمر وتستوعب تدريجياً طبيعة مايجري ودلالاته العملية والسياسية، وتتصرف بناءً على ذلك.
ذكَرنا منذ أسبوعين في هذه الصفحة أن الملايين يحلمون في العالم العربي بصلاح الدين، لكنهم حين يستيقظون لايأملون بأكثر ممن يتعامل مع عالمهم بشيء من الحكمة والشجاعة. من هنا، فإن تلك الملايين من العرب لن تمانع أن يقودها من هو جدير بالقيادة. يقودها للحفاظ على حدٍ أدنى من الكرامة والأرض و الهوية. وأكدنا أنه إذا كان البعض حتى الآن لايشعرون، أو لايريدون أن يشعروا، إلى أين يمضي الواقع العربي في ظل ثلاثية الانكشاف والاستفراد والسوابق، فإن في العرب من يعرف تماما نهاية هذا الطريق. وبعد الحديث عن وجود (نافذة فرصة) في مشهد الفوضى العربية انفتحت في الرياض، فقد أكدنا أن الغد العربي، استقراراً أو فوضى، لن يكون إلا صدىً لخيارات الحاضر.. وأن الخيار لن يبقى مطروحاً إلى الأبد، مع التركيز على أن "قراراً بشأنه يجب أن يتم اليوم، قبل فوات الأوان".
ثم جاءت (عاصفة الحزم). وربما يُعبر عن الوضع ماكتبه رئيس تحرير هذه الصحيفة منذ يومين حين قال: "منذ عقود والعرب تائهون، وأراضيهم تقضم منها قطعة قطعة، وعواصمهم تسقط بيد أعدائهم بين فترة وأخرى، حتى بات العدو في مأمن؛ حيث إن العرب ليس لديهم سوى الخطب الرنانة، فيما الفعل على الأرض هم بعيدون عنه، إلى أن جاءت "عاصفة الحزم"، التي نأمل أن تكون حزما وعزما وحسما، لتعيد للعرب هيبتهم ومكانتهم وحضورهم الفاعل في المشهد الدولي" .
يبدو فعلاً أن (عاصفة الحزم) تغير قواعد المعادلة الإقليمية. فكل الشواهد تؤشر إلى ذلك، وشرطُ نجاحها هو الاستمرار بنفس الروح ونفس الحسابات، ونفس العزيمة والإصرار.
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب... اقرأ المزيد
138
| 04 يونيو 2026
مهندسون صنعوا الجمال بصمت.. فأين حقهم الأدبي؟
عندما نقف أمام لوحة فنية تجذب انتباهنا في معرضٍ أو صالة عرض أو بهو فندق، نتأملها بعناية لما... اقرأ المزيد
75
| 04 يونيو 2026
حكاية سوء
حكاية السوء كل من في هذه الحكاية حملة سوء وبغض وحقد واستعلاء وكبر وعلانية في العداوة، حملوا راية... اقرأ المزيد
87
| 04 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5127
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2727
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2343
| 02 يونيو 2026