رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الله ناصر عباده ولو كره الكارهون، وأن هذا الدين «يبلغ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
التدبيرات الإلهية لأمور وقعت أو ما زالت تقع أمامنا، يقلب الله بها الموازين المادية والقوانين الوضعية في حياة الناس، كثيرة ومتنوعة في التاريخ البشري، وليس شرطاً أن يستوعبها منطقنا البشري القاصر، وإن كان لا يمنع من اعتبارها فرصة للتأمل والتدبر، وما قصص معركة بدر، وموسى مع فرعون، ويوسف وإخوته، وقطز مع المغول، إلا غيضاً من فيض.
ما القصة؟
بالطبع لا حدث يعلو على أحداث غزة، ولا يمكنك الحديث عن قضية إلا وجدت نفسك تربطها بغزة بصورة وأخرى. فالأمر لم يعد عادياً يمكنك المرور عليه مرور الكرام كما السنوات السابقة. التضحيات الكثيرة المبذولة في تلك البقعة الضيقة، والمشاهد غير المتوقعة، تدفع بمن في قلبه مثقال ذرة من حس وشعور بالمسؤولية وقبل ذلك إيمان بالله، إلى التوقف برهة أمام ما يجري في غزة. الأمر صار يستحق كثير تأمل ودراسة، ولا أشك لحظة في أن أعداء هذه الأمة قد انهمكوا قبلنا سريعاً في دراسة ما يجري منذ طوفان الأقصى. هذه المرة ليست ككل المرات السابقة كما أسلفنا، حين كانت تأتي القوات الصهيونية وتقصف غزة أياماً، وتهدم بيوتاً وتقتل بشراً، لتتعالى بعد ذلك أصوات هنا وهناك بالتنديد والاستنكار، ثم تهدأ الأمور فتقف عمليات إطلاق النار، ويعود الناس إلى حياتهم..
هذا السيناريو هو الذي توقعه كثيرون منذ بدايات أكتوبر الفائت، وذهب البعض إلى أن أسبوعين إلى شهر، هي مدة متوقعة ولن تزيد الحرب أو إن صح التعبير، العدوان الصهيوني على غزة أكثر من شهر.. لكن يمضي أكتوبر ليحل محله نوفمبر ثم ديسمبر، وهكذا المشهد حي مستمر ونحن على أبواب شهر مارس أو السادس للمواجهة، والتي تعتبر أطول مواجهة عسكرية بين محتلين مجرمين وأصحاب حق مؤمنين.
إن هذه المدة غير المتوقعة لهذه المواجهة العسكرية، وهذا الصمود المبهر لحركة المقاومة الإسلامية في غزة، وسقوط آلاف القتلى والجرحى والمعاقين من الطرف المحتل المجرم، وتغير دراماتيكي للمزاج العالمي تجاه الدولة الصهيونية المحتلة لأول مرة منذ سرقة فلسطين في أربعينيات القرن الفائت، واستمرار حركة التظاهر ضد المحتلين حول العالم، بل وزيادة معدلات البحث عن جذور المشكلة، وانكشاف أمر الصهاينة المجرمين لملايين البشر، لا سيما الشباب منهم، كلها مؤشرات ودلائل على أمر لا يجب أن يمر مرور الكرام علينا نحن المسلمين، بل هذا ما يجب التفكر فيه ملياً..
غزة.. حسابات سماوية
لن أخشى أو أتردد في القول بأن ما يحدث إلى يوم الناس هذا في غزة، ليس تدبيراً بشرياً، وليست من حسابات البشر، وإن بدا لنا أنها من صنعهم، لكن في رأيي الشخصي، الأمر تعمق أكثر. نعم، الأحداث بدأ بها البشر، لكن وفق تدبير إلهي، أو حسابات سماوية خارج نطاق البشر، ولن تظهر بالطبع أمرها لمن يفسرون الأمور بشكل مادي بحت، لكن من يتأمل مجريات الأحداث، سيجد أنها قد خرجت عن نطاقات حسابات البشر المادية، بل لا يمكن أن يخرج المتأمل المؤمن لهذه الأحداث بنتيجة غير هذا.. أي أن للسماء كلمتها فيما يجري.. فماذا يعني هذا؟
أمثلة من الأحداث المفصلية في التاريخ البشري وقعت بتدبير إلهي، وإن ظن الناس لسنوات طوال أنها من صنع البشر، ولا علاقة للسماء بها. خذ مثال ذلك ما كان في مصر أيام الفراعنة، وظلمهم لبني إسرائيل سنوات طوال، حتى جاء وقت تغيير هذا الظلم وزواله، ليبدأ التدبير الإلهي لخلاص بني إسرائيل من العذاب الذي كانوا عليه، لتكون قصة موسى والنهر وتربية آل فرعون له منذ الصغر، وبقية أحداث تنتهي عند البحر، حين شعر بنو إسرائيل أن نهايتهم قد دنت. فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم، فيحدث انشطار البحر وتصفية فرعون وجنوده في لحظات، ليتغير وجه التاريخ، ويأتي من يحكم مصر غير الفراعنة.
مثال آخر نعزز به القصة الأولى، لنتأمل التدبير الإلهي المحكم الذي أدى نهاية الأمر إلى معركة بدر الكبرى، ليفرق الله بها بين الحق والباطل، بين فئة مؤمنة مستضعفة لاقت صنوفاً من العذاب، وخسرت المال والأرض والكثير من الأرواح، وفئة ظالمة متجبرة، لم تكتف بظلمها في مكة، بل أرادت تصديره للخارج، والوصول إلى حيث الفئة المؤمنة في المدينة المنورة، من أجل مسحها من الوجود، فكان الترتيب أو التدبير الإلهي لمعركة لم يخرج لها المسلمون أساساً، لكن الله أرادها معركة حقيقية، كي يخرج صناديد قريش وأكابر مجرميها، ليحدث ما حدث وتهتز بعدها القبيلة المهابة في الجزيرة، تمهيداً لتغير واقع سيبدأ من يوم انتصار المسلمين على الكافرين في بدر.
طوفان الأقصى تغيير للواقع
هكذا الآن نشعر بأن الأمور تسير في غزة. طوفان الأقصى وما ترتب أو ما زال يترتب عليه، ليس سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتحول سياسي دولي لم يكن في حسبان أو مخططات العدو، ولا من يسانده من الغرب أو الشرق. بدأ جل العالم يشعر بضرورة وضع حد لهذا الظلم الصهيوني المدعوم غربياً، ولابد أن ينتهي أو يتم كبح جماحه لكيلا يتواصل ويتمدد وينتشر، حتى إذا ما تم كبحه ووقفه عند الحد الذي بلغه، يبدأ هذا الظلم بالانحسار شيئاً فشيئا حتى يعود صاغراً من حيث أتى. منطقياً وبحساباتنا البشرية، لا يمكن تفسير ما يحدث من صمود وقدرة المقاومة الإسلامية في غزة على البقاء فاعلاً مؤثراً، ميدانياً وسياسياً إلى يوم الناس هذا، على رغم قوة العدو والفارق الهائل بين الطرفين في العدد والعتاد، والدعم الغربي اللامحدود وخاصة في الأشهر الأولى، إلا التسليم والإيمان بأن هناك أمراً ما يثبت هذه القلة، بل ويدفعها لمقارعة العدو وإلحاق الأذى به.
لابد أن أمراً ما في الطريق لأن يحدث ويقع. لن تكون كل هذه التضحيات بلا مشهد قادم يسر المؤمنين، ويكون حسرة على الكافرين ومن معهم من منافقين ومخذلين ومرجفين. إنك حين ترى تحرك قوى رسمية وشعبية، على شكل دول ومؤسسات ومنظمات وجماهير من خارج الملة والإقليم تناصر الحق الفلسطيني، على رغم أن ما يجري قد جرى عشرات المرات، لابد وأن تتساءل عن السر في هذا، ولماذا لم يهدأ العالم؟
الجواب بكل اختصار، أن تدبيراً إلهياً للأحداث هو من يدير هذه الحراكات والحشود ولا يريد لها أن تقف، وفي الوقت نفسه يدبر أمور المقاومين، ويخلخل صفوف الأعداء والمساندين له، ليقضي الله أمراً كان مفعولا، ولا يعلم جنود ربك إلا هو. هكذا ننظر للأحداث، وهكذا نريد كل مؤمن بالله ورسوله أن ينظر إليها، ويثق بأن الله لن يخذل عباده المؤمنين المرابطين المجاهدين في غزة، ولن يجعل للكافرين عليهم سبيلا بعد الآن. وثقتنا في الله كبيرة في أن الكثير الكثير من الأمور ستتغير بعد توقف الأحداث، بل لابد أن تتغير، لأن « الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته « كما في الحديث الصحيح، وهذا هو ما ننتظره عما قريب بإذن الله.
سيقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3072
| 24 سبتمبر 2026