رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ملازمة الحرص على الالتزام بتنفيذ الوعود هو الوعد الذي لا يمكن بأن يُطلقه إلا من يُقدر حجم مسؤولية قطعها تلك الوعود، التي تُلزم صاحبها بها وبضرورة تنفيذها لحظة قطعها وذلك لأن تنفيذها ترجمة صريحة لكل ما هو عليه، والطبيعي بأن يبحث الإنسان عن الترجمة الصحيحة له، فلا يُعرف عنه إلا ما يستحق بأن يُعرف وكما يُحب بأن يُعرف، وهو ما يعني بأنه ومن الأسلم بأن يتوخى الحذر حين يُطلق من الوعود أي شيء قبل أن يفعل؛ كي يتجنب ترجمة ما هو عليه بشكل خاطئ لا يُعبر عنه أصلاً، ولكنه ما سيلتصق به؛ ليرافقه كل الوقت حتى يأتي بما سيُزيح عنه تلك الترجمة التي لم تُعبر عنه بالطريقة التي يرغب بها.
لقد بدأت حديثي هذا اليوم عن الوعود وقطعها حتى لا نقطع أنا وقلمي تذاكر رحلة بعيدة كل البعد عن حقيقة ما أريده لكم، وهو الخروج بالعبرة من قطع الوعود التي ذكرتها لكم سلفاً في غرة هذا المقال، والعودة لذاك الوعد الذي قطعناه بآخر لقاء جمع بيني وبينكم، حين دار الحديث عن نهاية محطة سابقة، وبداية محطة لاحقة ستكون لنا إن شاء الله لنا ذلك، وكان ضمن مقال بعنوان (تَكَلم محمد الحيدر وقال: تكلم)، والحق أنه المقال الذي خاض مراحل رحلة الخروج من الوضع الذي كنت أعيشه وبشكل خاص بـ (رحيل أبي رحمة الله عليه)، وما قد تجرعه غيري وبشكل عام، أي كل ما نواجهه حين نفقد عزيزاً علينا، تفقد معه حياتنا قطعة لا يُستهان بها؛ لنعيش لحظات صعبة تجعلنا بتلك الدائرة التي سندور فيها؛ لتدور من حولنا والحزن هو المُحرك الأساسي لكل ما نقوم به، ولا يجدر بنا سوى الخروج منها بسرعة هائلة تحمل على ظهرها أكبر قدر ممكن من الأرباح، وأقل ما يمكن من الخسائر التي نأمل بأن لا تخدش القلب الذي ينبض حباً للعطاء فلا ينضب ونحن معه. حقيقة فإن ما سينبض به هذا المقال هذه المرة هو ما قد جاء على لسان الحيدر الذي قدمت عنه نبذة مختصرة جداً المرة الماضية دون أن أخوض تفاصيله التي لن تستوعبها هذه المساحة، إذ أنه ومن السهل بأن نُعرف بشخص ما، ولكن من الصعب جداً بأن نكشف عن سجل إنجازاته العظيمة وبشكل يليق به، إذ أن عظم ما يأتي به أي عظيم من إنجازات لا تقوى عليه أنامل أي مبدع مهما كان إبداعه؛ لأن الإنجاز يتحدث عن نفسه بحروف محترفة تدرك تماماً ما تقوله للآخرين، وغير ذلك وإن بلغ من الخير مبلغه يظل ذاك القليل بحق ما هو أكثر.
محمد الحيدر كما عرفته منذ (مدة) سحبتني إليها ولم تنسحب من الذاكرة هو مدرب تحفيزي حائز على جوائز تقديرية في فن (الإلقاء)، الذي لا يُجيده إلا من يسعى إلى المبادرة بتقديم ما يستحق بأن يُقدم، وعادة هذا النوع من الأفراد يكسب غيره ويجذبهم إليه بما يتمتع به من حلاوة القدرة على التواصل، الذي نطمح بأن نخرج منه بالمزيد، ويسهل تحقيقه معه؛ لأنه ومن الأصل الأكثر شغفاً بزرع الحماس في النفوس، والدليل على ذلك أنه قد نظّم وشارك في العديد من الخطابات التحفيزية والدورات التدريبية لفن التواصل والإلقاء وغيرها من مهارات تطوير الذات في مختلف أنحاء العالم، وهو ما قد سخره للعمل كخبير تحفيزي للمشاركين بمواسم البرنامج التلفزيوني (نجوم العلوم)، وكمقدم للكثير من الورش والدورات التدريبية التي تنصب في هذا المجال، وتهدف إلى تقديم العون الذي ينمو حين ندرك ماهية صناعة الوعي، وكيفية تطوير ما نحن عليه؟ والحقيقة أن تلك الورش والدورات كثيرة جداً وبفضل من الله، منها وعلى سبيل المثال لا الحصر: كيف نعلم أطفالنا حب القراءة، خاطري أكون، المتحدث الصغير، اصنع مستقبلك للناشئين، الإبداع، سوِّق نفسك، لغة الجسد، خدمة العملاء، مهارات الترويج، مهارات المبيعات، بالإضافة إلى دورات خاصة بالأطفال في قطر وبريطانيا، وغيرها من الدورات التي تبث في النفس روح مزاولة الحياة وبكل حب، والحق أن ما قد ورد كتعريف عن الحيدر وكما ذكرت سلفاً لا يُكتب بسهولة، والحديث عن الإنجاز بشكل عام، وما قد قدمه الحيدر وبشكل خاص للإنسانية، وهو ما يدخل ضمن مسار المساهمات والمبادرات الراقية التي لا يرقى إليها إلا من يسعى إلى ترك بصمة حقيقية على جبين الأيام، والحق أن ما يصل إلينا منها هو ما يساعدنا على التعرف عليها وفي أي مكان تُقبل عليه. في المقال أيها الأحبة وعدتكم بتسليط الضوء على الحلول التي نادى بها الحيدر؛ لتعود الأمور إلى صوابها بعد أن أعلنت جنونها معي، والحق أنه كل ما قد بادر به بعد أن طالبني والوضع ذاته مع كل من يواجه صدمة ما في حياته، بضرورة المواجهة لا الهروب من الواقع، بكلمات مُحفزة تجذبنا وتحثنا على العودة إلى المستوى الذي سبق لنا وان بلغناه، بدلاً من البقاء حيث نحن يكبلنا الحزن ونحن نرحب به دون أن نكبله؛ لننتهي منه ونبدأ بخطوات جديدة نحو حياة سليمة تنتظرنا وبكل شغف؛ لنحقق فيها كل ما سيُعبر عنا وعن كل ما نطمح ونسعى إليه. إن الحلول التي قد جاء بها الحيدر كان منها: 1 — (التنويم الإيحائي) الذي سيسمح بتغيير البرمجة التي تكونت في العقل وبعد عدة جلسات؛ ليحثه على القيام بما يجدر به القيام به ولكنه يظل مكبلاً ويحتاج لمن يساعده على التحرر؛ لتحقيق ذلك. 2 — (الإرشاد الشخصي) الذي يقدم لنا متابعة جادة وحادة لكل ما يتوجب علينا القيام به، ويحفزنا على القيام به دون أن نتهاون به أبداً، وذلك ضمن علاقة كعلاقة المعلم بطالبه الذي يخاف على مصلحته ويقسو عليه بشديد المتابعة من باب تحفيزه على تطبيق وتحقيق مفهوم الإنجاز الحقيقي. 3 — الكتابة التي سيخرج بها صاحبها بكل ما بداخله؛ ليكتشف من خلالها المسار الذي يسلكه والنهاية التي يمكن بأن يصل إليها. 4 — ترك كل شيء للزمن؛ كي يتولى مهمة عودة الأمور إلى طبيعتها، وهو ما يجعلنا نمضي ونمضي إلى أن نصل حيث سيكتب الله لنا ما هو لنا أصلاً تحفظه رحمة الله بنا. بصراحة فإن معرفتي بتلك الحلول من قبل عرضها لم تجبرني عليها، ولكن ولربما وبفضل تسليط الحيدر كامل الضوء عليها قد جعلني أفكر بها من جديد، ولكن بتزويد رغبة خاصة مني؛ لتصبح قاعدة أساسية ستسمح لحل من تلك الحلول بالظهور وهي رغبتي بـ (التطوع الإعلامي) والحق أن هذا التوجه ومن جديد أكبر من أن تضمه هذه المساحة، وعليه فسيتجمد حديثنا حتى يكون اللقاء القادم إن شاء الله، وحتى حين فليوفق الله الجميع، وليرحمك الله يا أبي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026