رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت من ضمن كثير من المواطنين وبعض المقيمين الذين فكروا في احتمالات السفر لخارج البلاد أثناء مباريات كأس العالم 2022 التي أقيمت مباراتها النهائية في 18/12/22 مصاحبة لليوم الوطني للدولة والتي فازت بها الأرجنتين بتغلبها على فرنسا بالضربات الترجيحية.
هذا التوجه، نتج عن التوقعات، وما انتشر في المجتمع من حكايات، بأن البطولة ستشهد مدا جماهيريا منقطع النظير - من أغلب دول العالم - سيزحف على الدوحة مما يخلق زحاما لا قبيل له، ولم تر قطر مثله من قبل، سيمتد على مساحة الوطن كله وخصوصا في الدوحة والمدن الرئيسية الأخرى كالخور والوكرة، ولن يقتصر على الملاعب والمواقع المحيطة بها، بل سيتعداه لكل شبر وزاوية، وفي الفرجان والأحياء وقد يتسبب ذلك في فوضى أمنية قد ينتج عنها اعتداءات شخصية واقتحام للمساكن والمنازل.
لكن البطولة تميزت بأمن لم تشهده تقريبا البطولات التي سبقتها، وقد نظمت في دول عظمى متقدمة وحضارية، هذا التميز لم يقتصر فقط على الجانب الأمني فقط، بل تعداه ليشمل كل الجوانب الرياضية منها والمجتمعية وحتى السياسية.
ولقد أشاد الجمهور، الذي حضر من جميع أنحاء العالم، بالتنظيم الرائع وسلاسة التنقل وحضور أكثر من مباراة في اليوم الواحد، وقد امتلأت الملاعب بهم ليحضروا مباريات منتخباتهم أو تلك التي يشجعونها، ولقد لمس الجميع سلاسة الدخول والخروج من الملعب من غير أي مشاكل أو تصادم بين الجماهير.
لقد كان لمنع شرب الكحول في الملاعب أثره الحميد باحترام الجماهير له مما انعكس إيجابا على الأمن في الملاعب فانتشر السلام والوئام بين الجماهير داخل الملعب وخارجه، فلم تحدث أي مشاكل أو مشاكسات ومعارك كالتي حدثت في بطولات سابقة بين الجماهير بعضهم البعض أو مع مواطني البلد المضيف.
هنا في قطر امتزج الجميع في مجاميع بشرية بكل المناطق التي خصصت لهم أو في الأسواق، كسوق واقف، أو حديقة البدع وممشى لوسيل.
ويحضرني هنا تصريح مارك روبرتس من شرطة تشيشاير الذي صرح قائلا: "سلوك جماهير إنجلترا وويلز في قطر كان مثاليا. لم تكن هناك أي اعتقالات أو حوادث للإبلاغ عنها خلال وجود الجماهير في فترة وجود المنتخبين".
إن هذا الذي أنجز تم الإعداد له على مدى سنين وأخذت جهدا داخليا وتعاونا خارجيا مع مجموعة دول شقيقة وصديقة ومنظمات دولية، على رأسها الفيفا طبعا، ولوضع هذا الإعداد والتنسيق في هيكلية عمل مناسبة أنشئت "لجنة أمن البطولة" التي ترأسها بداية سعادة اللواء عبدالعزيز عبدالله الأنصاري الذي وضع الأسس الأولى لعملها، والذي ندعو له بالشفاء العاجل مما ألم به من مرض.
وقد تولى سعادة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رئاسة اللجنة وأشرف على عملها ووضع نظام عملها بالتعاون مع الفيفا وجميع الجهات الأمنية بالدولة والقوات المسلحة وكذلك بعض الدول الشقيقة والصديقة.
من الدلائل الأولى على أن البطولة رقم 22 من كأس العالم متجهة لتسجيل أفضل الأهداف وأجملها كان في استتباب الأمن العام في جميع أنحاء البلاد وبين الجماهير التي وفدت على البلاد، وتم كل ذلك في هدوء وبدون انتشار كثيف أو غير اعتيادي لرجال الأمن، لم تخرج الأوضاع عن المألوف الذي تعود عليه المجتمع. وحتى التنظيم المروري شهد انسيابية في التنقل على كل الطرق الداخلية والخارجية ولم يتعد التأخير، إن حصل، دقائق حتى مرور المواكب الرسمية، والالتزام بالقواعد المرورية والانضباط كان عاليا من الجميع.
ومع ما يمثله هذا كله من أهمية، إلا أنه تبقى قضايا أخرى استشعرها الجمهور وانعكست إيجابا في ذاكرته وسينقلها معه لوطنه، فقد تجلت له درجة الأمن والأمان التي عاشها وعايشها في قطر، هذه التجربة التي تحدث عنها ذلك المراسل البرازيلي وقال: "في قطر لم نتعرض لأي سرقة أو ضرب كما يحدث لنا في البلدان الأخرى. حيث تجد هناك من يحاول ضربك او سرقة أموالك. لقد وجدنا هنا الأمن والأمان".
وقد أكد سعادة العميد عبدالله بن خليفة المفتاح مدير إدارة العلاقات العامة بوزارة الداخلية، بأنه لم يكن هناك شيء يذكر خلال البطولة من جرائم أو سطو أو جرائم مقلقة للأمن. وأكد أن قطر مصنفة عالميا من أكثر الدول أمناً وفق مؤشر السلام العالمي وتعتبر الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكذلك مؤشر نامبيو لأكثر المدن أمناً.
وقد شاهدنا جميعا على وسائل التواصل الاجتماعي وبلغات مختلفة لبلاغات فقدان الأشياء وعودتها لأصحابها وثقها الجمهور والصحفيون. ولا ننسى شهادات بعض الصحفيات ونساء غربيات لشعورهن بالأمان في قطر وعدم التعرض للتحرش.
وفي تقرير لموقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بعنوان (قطر: لماذا تشعر النساء بالأمان في مونديال 2022؟) تقول مشجعة أمريكية وأخرى بريطانية حضرن لمشاهدة مباريات كأس العالم، أكدن فيها أنهن يفضلن الملاعب الخالية من الكحول ويشعرن بأمان أكثر فيها.
وأوضح التقرير أنه منذ البداية، تم وصف هذه البطولة "بأنها صديقة للأسرة، وهذا واضح في المباريات حيث يمكن رؤية الآباء والأمهات الذين لديهم أطفال من جميع الأعمار بأعلام في أيديهم، وقال كثيرون إن قلة المشروبات الكحولية في الملاعب ساهمت في خلق أجواء صديقة للأطفال".
نعم، ولا شك بأن منع شرب الكحوليات في الملاعب أدت لأن يستمتع الجمهور بفن لعب كرة القدم من غير تأثير سلبي خارجي على العقل والشعور الطبيعي للتشجيع والاستمتاع بفن كروي من غير تعصب وبالتالي انتفت تماما المشاحنات بين الجمهور. وقد يكون في هذا مدخل لمنع الكحول في كل البطولات وفي كل بقاع العالم ومنها بالطبع بطولات كأس العالم لكرة القدم.
وليس أبلغ من الأمن والأمان في قطر من توثيق إحدى الصحفيات ذلك بتصويرها لنفسها وهي تمشي في الدوحة حوالي الساعة الثانية فجراً دون إحساسها بالخوف أو توجس من أحد.
إن ما أنجز لدليل على العمل الاحترافي والمتقن والمنسق بين كل الجهات التي اشتركت في تنظيم وإدارة بطولة كأس العالم فيفا قطر 2022، وتبقى جهود اللجنة الأمنية إنجاز يرفع له القبعة على الاحترافية التي عاشها ولمسها المواطن وشعر بها هو وجمهور كأس العالم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8643
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4380
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1359
| 11 مارس 2026