رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
محقون التوانسة إذا ما استشعروا الزهو بعدما فازوا بالحسنيين، الثورة والديمقراطية، وللأسباب التي تعرفونها فنحن معذورون إذا بادلناهم شعورا بالغيرة والحسد.
(1)
الأهم في الانتخابات التشريعية التونسية التي جرت يوم الأحد 26/10 أن الديمقراطية انتصرت، وأن الشعب التونسي اختار ممثليه بحرية وشفافية، وأن النتائج لم تعرف إلا بعد انتهاء فرز الأصوات في منتصف ليلة الإثنين. وتلك كلها «أخبار» جديدة في العالم العربي، وفي الأجواء التي عصفت بالربيع الذي أنعشت رياحه آمال الأمة وأحلامها في عام 2011، وقد شاءت المقادير أن تنطلق تلك الأجواء من تونس، وألا يبقى لها أثر ظاهر بعد مضي نحو أربع سنوات إلا في تونس.
أدري أن البعض يفضل قراءة الحدث التونسي من زاوية أخرى، ذلك أن الرياح المخيمة التي تعبر عنها أغلب منابر الإعلام العربي لن ترى الخير في انتصار الديمقراطية وتواصل مسيرة الثورة في تونس وانتقال البلد من النظام الجمهوري المزيف إلى النظام الجمهوري الديمقراطي. وليس ذلك راجعا فقط لأن الديمقراطية في الأجواء الراهنة باتت كلمة تستقبل في فضائنا السياسي بالامتعاض والاستياء (البعض بات يرحب علنا بالفاشية ويدعو إليها والبعض يحتفي بذلك دون إعلان)، وإنما هناك سبب آخر أهم من وجهة نظرهم يتمثل في تراجع حظ حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية، بحيث باتت تحتل المرتبة الثانية بين الأحزاب الفائزة. إذ أصبحت تحتل 62 مقعدا في مجلس النواب الجديد (من بين 217 مقعدا) وكانت حصتها 89 مقعدا في انتخابات عام 2011 (المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور)، وفي الوقت الذي تراجعت فيه نسبة مؤيدي النهضة، فقد احتل المركز الأول هذه المرة حزب «نداء تونس» الليبرالي الذي يقوده الباجي قائد السبسي (88 سنة)، الذي كان أحد رموز حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. وهو ما يعني أن حركة النهضة لم يتراجع تأييدها فحسب، وإنما تم ذلك التراجع لصالح حزب ليبرالي يقوده أحد «فلول» النظام السابق (باعتبار أن الرئيسين بورقيبة وابن علي ينتسبان إلى نظام واحد).
ذلك كله صحيح لا ريب، ولكن الصحيح أيضا أن ذلك التبدل في المواقع تم بناء على الاختيار الحر للشعب التونسي، بمعنى أن الخريطة السياسية التي أسفرت عنها الانتخابات لم يرسمها أو يفرضها أحد، ولكن الشارع التونسي هو الذي قررها، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا. من هذه الزاوية فليس يهم كثيرا تراجع ترتيب حركة النهضة بما قد يعد هزيمة نسبية لها وهو أمر وارد في أي نظام تعددي. لأن الأهم هو انتصار الديمقراطية في نهاية المطاف.
(2)
المتابع لمنابر الإعلام العربي لا تفوته ملاحظة اهتمامها بالانتخابات التونسية لأربعة أسباب على الأقل، الأول أنها المرة الأولى التي تجري فيها انتخابات ديمقراطية وحرة بالبلاد. الثاني أن شرائح واسعة من المحللين اهتمت بمصير حركة النهضة خصوصا بعدما أصبحت هي الحزب الإسلامي الوحيد الذي يشارك بدور رئيسي في السلطة في العالم العربي الذي انقلبت دوله على ما سمي بالإسلام السياسي. الثالث أن نتائج الانتخابات سوف ترسم شكل النظام السياسي التونسي في المرحلة المقبلة، إذ ستحدد مصير الرئاسة والحكومة والبرلمان وربما سياسة الدولة ذاتها. الرابع أن حالة الاستقطاب المخيمة على العالم العربي ــ والذي كان الموقف من الربيع العربي والإسلام السياسي من أسبابها ــ لم تعد تحتمل حيادا، وإنما باتت تترقب الحاصل في تونس للتعرف على الجانب الذي سيصطف فيه النظام التونسي (هذا الترقب ذهب إلى أبعد في الحالة الليبية، بحيث وصل التجاذب بين التحالفات الإقليمية إلى حد تغذية الصدام المسلح بين الجماعات الليبية المختلفة).
في الإطلال على المشهد التونسي. فإننا نجد أن 1300 قائمة حزبية وائتلافية ومستقلة اختارت أن تتنافس على 217 مقعدا لمجلس النواب المقبل تتوزع على 33 دائرة انتخابية (6 منها للتونسيين المقيمين بالخارج). والمرشحون تنافسوا بدورهم على 5.3 مليون ناخب من أصل 10.8 مليون تونسي هم كل سكان البلاد.
لأول وهلة سنجد أن المرشحين توزعوا على معسكرين، أحدهما ما سمي بجبهة الثورة (14 يناير 2011) والثاني قدم نفسه باعتباره يمثل جبهة 7 نوفمبر، الذي هو تاريخ تولي الرئيس السابق زين العابدين بن علي للسلطة في عام 1987. والأولون كانوا يمثلون مختلف القوى والجماعات السياسية والنقابية التي تعرضت للاضطهاد بدرجات متفاوتة منذ الاستقلال عام 1956 وحتى سقوط ابن علي في عام 2011. وأركان وأنصار تلك المرحلة السابقة على الثورة يوصفون في الأدبيات التونسية بالدستوريين نسبة إلى الحزب الاشتراكي الدستوري الذي أسسه الحبيب بورقيبة، وبالتجمعيين نسبة إلى حزب التجمع الدستوري الذي أسسه ابن علي. ورغم أن الحزب الأول صار جزءا من التاريخ، كما أن الثاني تم حله بعد الثورة، إلا أن ذلك لم يمنع المنتسبين إليهما من المشاركة في الحياة السياسية من خلال أحزاب حملت مسميات جديدة.
على المستوى السياسي والفكري فإن التنافس ظل قائما بين ثلاثة معسكرات سياسية، أحدها ضم الأحزاب والشخصيات التي مارست السياسة قبل الثورة. وكان حزب «نداء تونس» في مقدمتها. ورغم أن أعضاءه كانوا من رموز المرحلة السابقة، فإن السبسي الذي أسسه انفتح بدرجة أو أخرى على بعض اليساريين والنقابيين المستقلين، وقدم حزبه بحسبانه كيانا وطنيا ليبراليا. الكتلة الثانية ضمت الأحزاب التي أعلنت عن انتمائها العربي الإسلامي وفي المقدمة منها حزب حركة النهضة الذي يقوده الشيخ راشد الغنوشي الذي دخل في تحالف مع أحزاب أخرى منها حزب المؤتمر برئاسة الرئيس الحالي المنصف المرزوقي الذي يعد علمانيا معتدلا. الكتلة الثالثة ضمت قوى اليسار الماركسي والقومي والبعثي، ومن بينها حزب الجبهة الشعبية الذي يرأسه حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمال الشيوعي، وحزب التكتل الذي يرأسه الدكتور مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي الحالي.
(3)
معركة التنافس على مقاعد أول مجلس نواب لتونس الديمقراطية لم تكن الأولى بين القوى السياسية بعد الثورة، لكنها كانت بمثابة جولة في الصراع الذي لم يتوقف بين مختلف القوى طوال السنوات الثلاث التي أعقبت الثورة. من ناحية لأن ذلك من طبيعة مرحلة الانتقال من النظام السلطوي المستبد إلى النظام الديمقراطي، ومن ناحية ثانية بسبب قوة منظمات المجتمع المدني التي لم ينجح نظام ابن علي في القضاء عليها، ومن ثم فإنها تنافست في إِثبات الحضور وأداء دورها بعد سقوط نظامه، إلا أن العنصر الأهم تمثل في أن حركة النهضة الإسلامية هي التي تولت القيادة السياسية في تلك المرحلة. على الأقل بحكم حصولها على الأغلبية في انتخابات المجلس التأسيسي. وهو ما خولها حق تولي رئاسة الحكومة، وهو المنصب الذي يفوق في أهميته دور رئيس الجمهورية طبقا للدستور الجديد. وقد أثارت صدارة حركة النهضة للمشهد السياسي حساسية أطراف عدة، خصوصا في دوائر اليسار والعلمانيين المتطرفين. الأمر الذي كان وراء توترات عدة في الشارع التونسي وفي المجلس التأسيسي. وقد أدت تلك التوترات إلى استقالة حكومتين رأسهما قياديان في حركة النهضة (حمادي الجبالي وعلي العريض)، وانتهى الأمر بانسحاب الحركة من الحكومة التي شكلها رئيس محايد من التكنوقراط، وكانت الحركة قد زهدت من البداية في منصب رئيس الجمهورية، ورشحت له حليفا لها من «الترويكا» هو الدكتور المنصف المرزوقي. ومن ثم فإنها اكتفت بالأغلبية التي توافرت لها في المجلس التأسيسي.
خلال السنوات الثلاث وقعت أحداث مثيرة عدة لا مجال للتعرض لها في السياق الذي نحن بصدده، لكننا ينبغي أن نسجل أربع ملاحظات على الكيفية التي تمت بها إدارة تلك المرحلة الانتقالية هي:
< أن النخبة السياسية برغم كل ما كان بينها من خلافات ومرارات لم تتخل عن الحوار فيما بينها طول الوقت، ولذلك نجحت في تجنيب الثورة مزالق ومآزق كثيرة، كان من أبرزها محاولة الانقلاب على النظام وإسقاط الحكومة في صيف عام 2013 من خلال الدعوة إلى الاعتصام وتشكيل ما سمي بجبهة الإنقاذ وإطلاق حملة شبيهة بحركة تمرد في مصر. وهي المحاولة التي استلهمت التغيير الذي حدث في مصر وحاولت أن تحتذيه.
< الملاحظة الثانية أن الصراع والتجاذب ظل سياسيا ومدنيا طول الوقت، بحيث ظلت القوات المسلحة ملتزمة الحياد وواقفة خارج المشهد.
< الثالثة أن حركة النهضة نجحت في تقديم نموذج جسد المصالحة مع الديمقراطية من جهة ومع الاعتدال العلماني من جهة ثانية.
< الرابعة أن حركة النهضة تعاملت مع مجريات الصراع بدرجة عالية من الوعي والمرونة، فهي ابتداء حافظت على مسافة بينها وبين التطرف السلفي، الذي أدانته من البداية ووصفه وزير الداخلية علي العريض (قبل توليه رئاسة الحكومة) بأنه تيار إرهابي ترفضه الحكومة وتنبذه.
من ناحية ثانية فإن قيادة الحركة أعلنت في أكثر من مرة التزامها بما أسمته ديمقراطية التوافق التي هي مطلب مهم لإنجاح الثورة في فترة الانتقال، وارتأى رئيسها راشد الغنوشي أن ديمقراطية الأغلبية لا تناسب تلك المرحلة ولذلك فإن الحركة حرصت على ذلك التوافق في كل خطوة أساسية، وقدمت في سبيل ذلك تنازلات كثيرة، كان منها استبعاد النص في الدستور الجديد على أن تكون الشريعة مصدر القوانين. ونقل عن الشيخ راشد الغنوشي آنذاك قوله إنه إذا كان النص على الشريعة يقسمنا واستبعادها يجمعنا، فنحن مع الإجماع وليس الفرقة.
لابد أن يذكر لحركة النهضة في إدارتها لتلك المرحلة أنها استلهمت في أدائها فقه المقاصد وقامت بتنزيله على الواقع السياسي، والمقاصد المعنية هنا هي الأهداف والمصالح العليا. وقد سمعت ذلك من أحد قياديي وفقهاء الحركة، الدكتور عبدالمجيد النجار، الذي قال لي إن الحركة اعتبرت أن المقاصد المرجوة في المرحلة الراهنة تتمثل في أمرين، أحدهما أن تستمر الثورة والثاني أن ينجح النموذج الديمقراطي في تونس. من ثَمَّ فإنها اعتبرت أن أي شيء آخر يمكن تأجيله أو التنازل عنه، ولكن لا ينبغي بأي حال أن يتم التأجيل أو التنازل في استحقاقات الثورة والديمقراطية.
(4)
بالنتائج التي أسفرت عنها الانتخابات فإن حركة النهضة دفعت ثمن إدارتها لأزمات تونس وتحملها لعبئها طوال ثلاث سنوات، وانتقلت من صدارة المشهد إلى صفه الثاني، الأمر الذي يبقيها شريكة في القرار السياسي وليست صانعة له. وهذا الوضع المستجد يستدعى عدة أسئلة حول موقف تونس من الاستقطاب العربي، خصوصا أن النتائج حسمت تقريبا منصب رئيس الجمهورية، الذي يتوقع أن يشغله السيد قائد السبسي، بدلا من الرئيس الحالي الدكتور المنصف المرزوقي. (للعلم السبسي دعا لزيارة أبوظبي قبل الانتخابات). من ناحية ثانية فليست معروفة طبيعة العلاقات المستقبلية بين الليبراليين وبين حركة النهضة، وهل ستتجه صوب الوفاق أم الشقاق؟ ثم إن هناك أسئلة أخرى حول الائتلاف الذي سيشكل الحكومة، وموقف حركة النهضة منه بعدما أصبحت تمثل القوة السياسية الثانية في البلاد.
ستتضح الأمور أكثر بعد الانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تتم في 23 نوفمبر المقبل، قبل دخول السيد السبسي عامه التاسع والثمانين من العمر (ولد 26 نوفمبر عام 1926)، وحينها تستدعى بقية الأسئلة. إلا أن أكثر ما يهمنا الآن أن الثورة في تونس بخير، وكذلك الديمقراطية، وهو ما نحسدهم عليه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3159
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026