رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعاني عدة دول في العالم من الفقر الذي يسببه الإنسان لغيره بسبب جشعه واستيلائه وامتلاكه لمقدرات الآخرين، وممارسة الفساد لتحقيق غرضه. فالأرض عموماً تعج بالخيرات والنعم والموارد التي أنعم بها الخالق على البشرية جمعاء، خاصة في منطقتنا الخليجية التي أنعم الله عليها بثروات تتمثل في موارد الطاقة كالنفط والغاز والمعادن بجانب الثروات المائية والبحار والمياه وغيرها من النعم الأخرى، بجانب توافر الصناديق السيادية والمؤسسات المماثلة. ومن هذا المنطلق يجب ألا يكون هناك فقر في المنطقة، وهذا يمكن تحقيقه فقط في وجود تخطيط اقتصادي ومالي واجتماعي سليم، بحيث يمكن أن يعيش الانسان في كرم ونعم وشبع دون أن يمد يده للآخرين للحصول على لقمة عيش.
فنحن لسنا في منطقة أو بقعة يمكننا العيش على مبلغ أقل من 2.15 دولارًا في اليوم وفق ما تشير إليه بعض الاحصاءات العالمية للدول الفقيرة، لأن ذلك نوع من الخيال، وبعيدًا كل البعد عن الواقع المعيشي والدخل الكبير لدول المنطقة، في الوقت الذي نرى فيه أن هناك ما لا يقل عن 700 مليون شخص حول العالم (وفقًا لبيانات البنك الدولي) يعيشون على هذا المبلغ البسيط، بل أقل منه، ويمثلون حوالي 8.5٪ من سكان العالم.
إن منطقتنا الخليجية معرضة للفقر إذا لم تُتخذ الاجراءت الكفيلة للحد من الفقر بين المواطنين. فتقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا» أشار مؤخراً الى وجود الفقر في عدد من الدول العربية الخليجية، حيث يعاني اليوم أكثر من 6% من سكان دول المجلس من الفقر، وبواقع 3.3 مليون مواطن خليجي، ضمن العدد الإجمالي المقدّر للسكان بنحو 54 مليون نسمة لعام 2023. وربما يرجع افتقار المواطن الخليجي نتيجة بحثه عن العمل لسنوات عديدة بعد تخرجه، كما هو الحال لدينا في عمان. فهناك ما لا يقل عن 6 ملايين خليجي باحث عن العمل في دول المجلس، بينما نجد أن هناك أكثر من 25 مليون عامل أجنبي يعملون في المنطقة وينافسون المواطنين في ذلك، بحيث تصل نسبة الوافدين في بعض الدول الخليجية إلى أكثر من 90%، وبالتالي تتضرر المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، الأمر الذي يجب إعادة النظر فيه.
بيانات تقرير «الإسكوا» الأخير تشير إلى أنه بالرغم من أن معدلات الفقر تراجعت بدول المجلس منذ عام 2010، إلا أنه من المهم وضع سياسات لإبعاد المنطقة عن الفقر.
وإذا تمعنا في الاسباب التي تؤدي إلى تفاقم مشكلة الفقر لدى الدول نجد أن المصادر الأدبية تعزو ذلك إلى عدم المساواة بين الناس، حيث تتمتع مجموعة ما بحقوق وموارد أقل من الآخرين، باعتبار أن هناك البعض لا يملكون ما يكفي لهم العيش الكريم. كما أن الصراعات تؤدي في الكثير من الأحيان إلى انتشار الفقر، والقضاء على الاقتصادات. وهناك نماذج للشعوب التي زادت فيها نسبة الفقر بسبب الحروب العبثية. كما أن الجوع وسوء التغذية يعتبران من الاسباب الرئيسية للفقر لافتقار الناس إلى القوة والطاقة اللازمتين للعمل، ودخولهم في المديونيات، فيما تؤدي ضعف أنظمة الرعاية الصحية إلى نشر الفقر بين الناس بسبب استنزاف ثروات الناس في عمليات العلاج، بينما نجد أن الأزمات الصحية العامة والأوبئة تساهم هي الأخرى في نشر الفقر والخسائر لدى الشعوب. وهناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى الفقر، الأمر الذي يتطلب وضع خطط وسياسات مناسبة لمواجهة هذه القضايا وتوفير الالتزامات الاجتماعية والصحية والتعليمية للقضاء على أسباب الفقر، مع توفير خطط لحالات الطوارئ التي تنجم بسبب تغير المناخ والذي يؤدي إلى انتشار الفقر أحيانا بسبب فقدان الناس لممتلكاتهم، حيث يقدّر البنك الدولي أن أزمة المناخ ستدفع أكثر من 130 مليون شخص إلى الفقر بحلول عام 2030. وهذا الأمر يتطلب وجود بنية أساسية قوية لدى الدول من حيث الطرق والجسور وخدمات الاتصالات وإيجاد أنظمة الدعم والرعاية الاجتماعية الجيدة، والقضاء على مشكلة البطالة والعمل بالمساواة، مع إنشاء جمعيات الادخار والقروض المجتمعية لابعاد الناس عن شبح الفقر.
إن تقرير لجنة الاسكوا لم يكتفِ بنقل تلك الأرقام المهمة فحسب، بل طالب دول المجلس بالحد من الفقر من خلال اتخاذ إجراءات وعمل إصلاحات مالية لزيادة تنويع قاعدة الإيرادات، وتحسين الاستهداف في خطط الحماية الاجتماعية، وإصلاح سياسات تخصيص الأراضي والمشتريات العامة، مع العمل على ضرورة الاستثمار في مهارات الخليجيين وإصلاح أنظمة التعليم والتدريب والتأهيل، والحماية الاجتماعية وأنظمة التقاعد في دول المجلس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4392
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4062
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1902
| 07 مايو 2026