رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القلق على المصير العربي في محله تماما، لكننا نخطئ كثيرا إذا حصرنا التحديات في النفوذ الإيراني ومخاطر الإرهاب، وتجاهلنا دور إسرائيل في مخطط التفتيت الذي تنفذه منذ نصف قرن.
(١)
هذا القلق أصبح يشكل قاسما مشتركا بين أغلب تعليقات وتحليلات الكتاب العرب في الآونة الأخيرة. من حديث عن الحدود التي يعاد رسمها بالدم، إلى تحذير من أن المستقبل في المنطقة يراد له أن يصنع على أيدي غير العرب، مرورا بمحاولة رصد الأسباب الكامنة وراء تعدد الهزائم العربية ودور الدولة والقبيلة في ذلك.
وليس ذلك مستغربا، لأن مختلف الشواهد تدل على أن ثمة خرائط جديدة ترسم للمنطقة في ضوء الانهيارات التي حدثت لبعض الأنظمة والتصدعات التي عانت منها أنظمة أخرى، والتوترات التي أطلت برأسها في فضاءات أنظمة ثالثة. وحين تم الاتفاق بين واشنطن ومعها الدول الكبرى وبين طهران، فإن الجميع أدركوا أن أوان الدخول في حقبة جديدة قد حل، وأن الحديث عن المستقبل ومخاوفه لم يعد ثرثرة مثقفين أو توجسات سياسيين، ولكنه صار ضرورة ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد، لأن قطار التغيير انطلق وبات من العسير وقف اندفاعه.
استوقفتني في هذا الصدد مقالة لوزير خارجية مصر الأسبق السفير نبيل فهمي نشرتها جريدة الأهرام في ٢٢/٧ تحت عنوان «الشرق الأوسط الجديد والاتفاق النووي الإيراني والعرب»، إذ استهلها بالإشارة إلى اتصال أجراه معه في عام ٢٠٠٤ (حين كان سفيرا لمصر في واشنطن) مستشار الأمن القومي الأمريكي، واقترح عليه أن تشارك مصر في اجتماع قمة حول إنشاء شرق أوسط جديد يشمل الدول العربية ويمتد حتى باكستان وأفغانستان (وهو ما اعتذر عنه آنذاك) وفي ربيع عام ٢٠١٥ حدثه مسؤول إيراني مقرب من أصحاب القرار عن أنهم في طهران لهم نظرة أخرى للشرق الأوسط الجديد مختلفة عما يرونه في مصر، فليس صحيحا في رأيهم أن المنطقة جوهرها عربي، لأن مرجعية المواطن العادي لم تعد القومية العربية، فضلا عن أن العالم العربي منقسم على نفسه والثقل السياسي والأمني والاقتصادي فيه ليس بين أيدٍ عربية. وحين وضع الأمران جنبا إلى جنب خلص إلى أن التفكيرين الأمريكي والإيراني ينطلقان من رؤية لمستقبل المنطقة بأيدٍ غير عربية. ثم تساءل عما إذا كانت تلك مؤامرة كبرى أم أنه مجرد توافق مصالح بين أيدٍ غير عربية؟ ــ وهو يجيب عن السؤال، فإنه طرح أفكارا عدة، محورها كيف يستعيد العالم العربي زمام المبادرة، كي يصبح فاعلا وليس مفعولا به.
(٢)
ملاحظتي الأساسية على مقالة السفير نبيل فهمي أنها وقفت عند استعراض الموقفين الأمريكي والإيراني، لكنها لم تشر إلى التفكير الإسرائيلي الأخطر في الموضوع، ذلك أن الأمريكيين والإيرانيين إذا كانوا قد طرحوا أفكارا عن بُعد وكانت لهم تطلعات تتعلق بنفوذ كل منهما، فإن مشروع الإسرائيليين الموجودين في قلب المنطقة تم اختبار أفكاره، ونفذ بعضها على أرض الواقع، والبعض الآخر جارٍ تنفيذه في صمت وبعيدا عن الأعين.
من وجهة النظر الإسرائيلية، فالمنطقة العربية لا تشكل وحدة ثقافية وحضارية واحدة، كما يعتقد العرب.
وإنما هي خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوي والديني والإثني، وقد اعتادت إسرائيل تصوير المنطقة على أنها فسيفساء تضم بين ظهرانيها شبكة معقدة من أشكال التعدد، ما بين عرب وفرس وأتراك وأرمن وإسرائيليين وأكراد وبهائيين ودروز ويهود وبروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس وعلويين وصابئة وشيعة وسنة وموارنة وشركس وآشوريين... إلخ.
بالتالي فإن المنطقة ما هي إلا مجموعة من الأقليات التي لا يوجد تاريخ يجمعها. ومن ثم يصبح التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل أقلية على حدة، والغاية من ذلك التحليل تتمثل في تحقيق هدفين، الأول رفض مفهوم القومية العربية ومقاومة فكرة الوحدة العربية. ذلك أن التصور الإسرائيلي يعتبر أن القومية العربية فكرة يحيط بها الغموض، إن لم تكن غير ذات موضوع على الإطلاق.
وقد برز في هذا المجال اتجاهان، أحدهما يتحدث عن «خرافة» الوحدة العربية. وأصحاب هذا الرأي يتحدثون عن أمة واحدة، لكنهم يتصرفون كدول متنافرة. ورغم أن ما يجمع بين هذه البلاد هو اللغة والدين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم أمة واحدة ــ فثمة شعوب تتحدث اللغة الإنجليزية أو الإسبانية دون أن يجعل ذلك منها أمة واحدة. الاتجاه الثاني يعترف بوجود القومية العربية بمعنى وجود مجموعة روابط ثقافية وعاطفية وتاريخية بين العرب، لكن أصحاب ذلك الاتجاه يفصلون بين الاعتراف بتلك الروابط وبين السعي لتحقيق الوحدة العربية التي يعتبرون أنها مستحيلة.
الهدف الثاني من الترويج لفكرة تعدد الأقليات والهويات في العالم العربي هو تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي. ذلك أن المنطقة وفق ذلك التصور تضم خليطا من القوميات والشعوب واللغات. وتصور قيام وحدة بينها هو ضرب من الوهم والخيال، والنتيجة المنطقية المترتبة على ذلك تعني أن تكون لكل قومية في المنطقة كيانها الخاص، وبذلك تكتسب إسرائيل شرعيتها باعتبارها إحدى الدول القومية التي تعيش على أرضها.
هذا التوجه في التفكير الإسرائيلي دفعها إلى تبني إستراتيجية تشجيع مناطق الأقليات في المنطقة، وطرحها بين حين وآخر لفكرة إقامة دويلات درزية أو مارونية على حدود إسرائيل لتكون بمثابة مناطق أمن تكسب إسرائيل الاطمئنان وتشكل حاجزا ماديا ومعنويا يفصل بينها وبين الدول العربية.
وهو ما من شأنه أن يشجع الأقليات الأخرى على أن تسير على ذلك الدرب، ويحفز الأكراد في العراق والأفريكان في جنوب السودان وموريتانيا على الاستقلال.
كتابات أبا أبيان السياسي الصهيوني ووزير خارجية إسرائيل التي نشرت تحت عنوان «صوت إسرائيل» تعد أفضل تعبير عن الفكرة، ذلك أنه اعترض على الافتراض القائل بأن الشرق الأوسط يمثل وحدة ثقافية، وأن على إسرائيل أن تتكامل مع تلك الوحدة.
وذكر أن العرب عاشوا دائما في فرقة عن بعضهم، وأن فترات الوحدة القسرية كانت تتم بقوة السلاح، من ثَمَّ فإن التجزئة السياسية لم يحدثها الاستعمار. وأن الروابط الثقافية والذات التي جمعت البلاد العربية لا يمكن أن تضع الأساس للوحدة السياسية والتنظيمية.
الفقرات السابقة كلها ليست لي، ولكنها اقتباس مطول منقول حرفيا عن كتاب صادر في تل أبيب عام ٢٠٠٣ عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا. وكتاب العميد المتقاعد موشي فرجي، وعنوانه هو «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان».
(٣)
هذه الأفكار تم اختبارها في ثلاث تجارب فيما هو معلن حتى الآن على الأقل، هي:
* أقامت إسرائيل علاقات وثيقة مع قيادات الموارنة في لبنان، مستثمرة في ذلك علاقات التوتر التاريخية بينهم وبين المسلمين السنة، وثمة دراسات متعددة أرخت لتلك العلاقة الإسرائيلية واللبنانية. منها دراسات الأستاذ صقر أبو فخر عن الدور الذي قام به الإكليروس الماروني في التواصل مع الإسرائيليين، وكتاب كريستين شولز عن الدبلوماسية الإسرائيلية السرية في لبنان. وفي كتاب الآن مينارج عن أسرار حرب لبنان نص رسالة بعث بها إلى مناحيم بيجين رئيس وزراء إسرائيل كميل شمعون رئيس حزب الوطنيين الأحرار شكا فيها من أن الفرنسيين حين أقاموا لبنان الكبير ضموا إلى الموارنة الأراضي المأهولة بالمسلمين، «وكان هؤلاء سببا في جميع العلل والشرور». ودعا إلى تجنب الإسرائيليين بأراضٍ مأهولة بالمسلمين حتى لا يعانون مما عانت منه لبنان.
الشاهد أن تواصل الإسرائيليين مع بعض شرائح الموارنة دفع الأخيرين إلى إقامة دولة لبنان الحر وحكومتها في عام ١٩٧٩. وشكل هؤلاء ما سمي بجيش لبنان الجنوبي، الذي قاده سعد حداد ومن بعده انوطن لحد. وكان للأحزاب المارونية الثلاثة التي شكلت الجبهة اللبنانية دورها في الترحيب بالاجتياح الإسرائيلي في لبنان عام ١٩٨٢، إلا أن مشروع دولة الموارنة فشل وانهار بعد انسحاب الإسرائيليين من لبنان.
* التجربة الإسرائيلية الثانية كانت مع المتمردين في جنوب السودان وقد فصل كتاب العميد موشيه فرجي في تتبع تلك العلاقة التي بدأ الإسرائيليون في نسجها في عام ١٩٥٨، واستهدفت دعم التمرد الجنوبي وإضعاف السودان للضغط على مصر واختزان القارة الإفريقية، وشمل ذلك الدعم كل المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية، حيث وفرت إسرائيل الخبرات والسلاح والأموال وكل ما احتاجته حركة التمرد لكل متحدي حكومة الخرطوم وتثبت أقدامها على الأرض، الأمر الذي انتهى بانفصال الجنوب وإعلان استقلاله في عام ٢٠١١.
* التجربة الثالثة مع الأكراد في شمال العراق. ذلك أن زعماء الأكراد في نضالهم ضد نظام صدام حسين وضد شاه إيران قبل الثورة، كانوا يتلمسون الدعم من أي مصدر، الأمر الذي سارعت إسرائيل إلى تلبيته، فقدموا لأكراد العراق الكثير من المساعدات التي لم تعلن تفاصيلها، لكنها انتهت بأن أصبح لإسرائيل حضور استخباراتي قوي في شمال العراق. وهذا الموقع له أهميته الإستراتيجية المهمة، لأنه أتاح للإسرائيليين إمكانية الاقتراب مما يحدث في العراق وسوريا وإيران وتركيا. ولم يعد سرا أن كردستان قطعت شوطا بعيدا في سعيها للاستقلال، الذي أصبح الآن مطلبا معلنا من جانب المثقفين والسياسيين والأكراد. وبالتالي فلم يعد السؤال المطروح الآن هو هل يعلنون استقلالهم أم لا، ولكنه متى يتم ذلك.
(٤)
نبالغ كثيرا إذا قلنا إن إسرائيل فعلت من جانبها كل ذلك، لأن الأصح والأصوب أنها أسهمت في صنعة مستفيدة من ظروف داخلية مواتية في كل قُطْر. وهو ما يدعونا إلى القول بأن عملية تفتيت العالم العربي والإفادة من تنوع كياناته وتعدد الأقليات فيه تنطلق من إستراتيجية إسرائيلية واضحة المعالم منذ خمسينيات القرن الماضي. وللأسف فإن الدور الإسرائيلي في الخرائط الجديدة التي ترسم للمنطقة لم يأخذ حقه من الانتباه والدراسة. ذلك أننا نرى تركيزا شديدا على طموحات الإيرانيين ومخططات جماعة داعش الإرهابية، كما نلمس تجاهلا وسكوتا على مساعي الإسرائيليين الذين أصبحوا يعتبرون أنفسهم جزءا من معسكر الحرب ضد الإرهاب (قدموا إلى الأردن ١٦ طائرة هليكوبتر لهذا الغرض)، في حين يمارسون في فلسطين كل ما يمكن تخيله من مظاهر الإرهاب والقمع.
لست أدعو إلى تجاهل الدور الإيراني ولا الكف عن مقاومة الإرهابيين، لكنني أتنمى الانتباه إلى ثلاثة أمور. الأول توفير رؤية عربية واضحة للتحديات التي توجه الأمة من حيث أولوياتها وطبيعتها. الثاني أن تظل على وعي كاف بالمخططات الإسرائيلية التي تلح ما برحت تسعى إلى تفكيك العالم العربي وتفتيته. أما الأمر الثالث والأهم فهو أن مخططات التفتيت التي ترسم تراهن على الشروخ والتشققات الحاصلة في كل قُطْر عربي، ولذلك فإن الوعي بتلك المخططات ينبغي أن يستصحب اهتماما بحصانات الداخل، ذلك أن مخططات التفتيت لا يتحقق لها النجاح إلا في حال هشاشة المجتمعات وقابليتها للتفتيت.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1033
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
678
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2586
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
2088
| 20 أكتوبر 2026