رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحلقة الثالثة: التأمين الإسلامي التكافلي
لقد تناولنا في الحلقات السابقة موضوعين مهمين في العملية التأمينية حيث ناقشنا تاريخ التأمين وهيكلته في السوق القطري، ومفهوم إعادة التأمين، واستمرارا لجهودنا في إنارة الرأي العام والمهتمين بصناعة التامين وإزالة لأي لبس أو سوء فهم قد يحصل نتيجة لقلة الخبرة في هذا القطاع الحيوي نواصل هذه الحلقات، حيث نتناول اليوم موضوعا مهما وحيويا وهو التأمين الإسلامي التكافلي، حيث إن صناعة التأمين بشكل عام تعد إحدى الدعامات الأساسية في الاقتصاد القومي لأي مجتمع إنساني وبشكل خاص التأمين الإسلامي التكافلي، لكون غالبية المجتمعات الإسلامية رغم الحاجة الملحة لوجود تغطيات تأمينية ضرورية لتوفير الحماية الاقتصادية لمختلف المشروعات والممتلكات إضافة إلى المسؤوليات الناجمة عن ذلك النشاط تصطدم مع الفطرة الإسلامية التي تتفادى كل ما هو مخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، من هنا كانت محاولات علماء الدين وفقهاء الشريعة الإسلامية لإيجاد البديل الإسلامي المقبول شرعاً والمتوافق مع الأسس العلمية لصناعة التأمين ولذلك توالت الفتاوى الشرعية من المجامع الفقهية بحرمة التأمين التجاري ومشروعية التأمين التعاوني التكافلي الذي سمي التأمين الإسلامي وأهما القرار الصادر عن المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الأولى عام 1398هـ المؤكد لقرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة في الرياض في 04/04/1397هـ وقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 9 بمشروعية التأمين التعاوني التبادلي والاجتماعي القائم على التعاون والتبرع وليس على أساس المعاوضة والغرر ونص على (أن العقد الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون) إذ إن عقد المعاوضة كما أوضح فضيلة الأستاذ الدكتور العلامة /علي محي الدين القرة داغي في كتاب "التأمين الإسلامي" يقوم على أن المستأمن يدفع أقساط التأمين في مقابل مبلغ التأمين وإن نية التبرع معدومة لأن المؤمن ملزم بدفع مبلغ التأمين من خلال العقد عند تحقق الخطر المؤمن له فالمعاوضة عقد ملزم للطرفين بحيث لا يحق لأحدهما الانفكاك عما التزم به بينما الغرر فهو عقد احتمالي حيث لا يعلم المتعاقدان مقدار الكسب أو الخسارة وإن التزامات كلا الطرفين أو أحدهما تتوقف في وجودها أو في مقدارها على حادثة محتملة من حيث هي أو من حيث زمنها فأصل الغرر هو الذي لا يدري هل يحصل أم لا كالطير في الهواء. ولذلك كان الأصل في فتوى جواز التأمين الإسلامي التعاوني هو أنه قائم على التبرع والتعاون لدرئ الأخطار.
ما هو التأمين الإسلامي التكافلي؟
التأمين الإسلامي هو اتفاق مجموعة من المشتركين (حملة الوثائق) على تحمل آثار الأخطار الناجمة عن الحوادث وذلك من خلال التبرع بأقساط لتعويض من يقع عليه الضرر منهم طبقاً لنظام معين قد يسمى التكافل أو التأمين التكافلي الإسلامي.
فلسفة وآلية التأمين الإسلامي التكافلي:
في كتابه (التأمين الإسلامي) أوضح فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور/ علي محي الدين القرة داغي في شرح معنى التكييف الفقهي للتأمين الإسلامي أنه يقوم على أساس الالتزام بالتبرع لمصلحة وحماية مجموع المشاركين في محفظة التأمين (صندوق التأمين) التي تديرها الشركة على أساس الوكالة وتقوم باستثمار أقساط التأمين (الاشتراكات) على أساس المضاربة أو الوكالة بالاستثمار مع استحقاق المشتركين ما قد يحصل من الفائض والتزامهم بتحمل ما قد يقع من عجز بمقتضى النظم واللوائح المعتمدة ووفقاً لفضيلته فإنه يتم الفصل في حسابات الشركة بين حسابات المؤمن لهم أو المشاركين في التغطيات التأمينية التكافلية والتي تتضمن إجمالي أقساط التأمين (الاشتراكات) وعوائدها إضافة إلى الاحتياطيات التراكمية والفنية الخاصة بعمليات صندوق التأمين التكافلي وحسابات المؤسسين (الشركة) والتي تتضمن رأس المال المسدد وعوائده وأجر الوكالة المحدد مقابل إدارة صندوق التأمين (الشركة) إضافة إلى العوائد المحققة من المضاربة في إجمالي الاشتراكات نيابة عن حملة الوثائق أو المشاركين في التغطيات التأمينية التكافلية.
الفروق الجوهرية بين التأمين التعاوني الإسلامي التكافلي والتأمين التجاري التقليدي: -
ولقد أوجز فضيلته في كتاباته المتعددة وشرحه عن التأمين الإسلامي التكافلي وضروراته - جزاه الله عنا جميعاً خير الجزاء- الفروق الجوهريه الملموسة بين التأمين الإسلامي التكافلي والتأمين التجاري التقليدي كما يلي:
التأمين التعاوني الإسلامي التكافلي التأمين التجاري
1 التأمين الإسلامي يقوم على التعاون وعلى مبادئ الشريعة، وليس فيه ربا وغيره من المحظورات الشرعية، ولذلك فهو حلال حسب قرارات المجامع الفقهية. التأمين التجاري لا يخلو من الربا. والغرر والجهالة والمقامرة. ولذلك قال الفقهاء بحرمته.
2 يقوم التأمين الإسلامي على أساس الفصل بين أموال المساهمين (الشركة) وأموال المؤمن لهم، حيث يودع كل واحد منهما في حساب خاص بهم، حيث تصرف مصاريف التأمين وحوادثه. التأمين التجاري يقوم على عدم الفصل، وأن الأموال التي يدفعها المؤمن لهم هي ثمن التأمين، وبالتالي فهي للشركة (المساهمين).
3 من حيث الشكل فالتأمين الإسلامي يكون المؤمن والمؤمن له بمثابة جهة واحدة، لأن الأموال منهم. وتصرف لصالحهم (فمنهم وإليهم). في التأمين التجاري الشركة المؤمنة هي جهة مستقلة عن المؤمن لهم.
4 من حيث الهدف. فالهدف في التأمين التعاوني الإسلامي هو التعاون وليس الربح. الهدف في التأمين التجاري هو الاسترباح.
5 وضعت في التأمين الإسلامي آلية لالتزام الشركة بأحكام الشريعة الإسلامية من خلال هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لها. لا يوجد الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في شركات التأمين التجاري.
6 أصل قيمة القسط المدفوع يعود إلى المؤمن لهم مع استقطاع حصتهم من التعويضات والمصاريف وإعادة التأمين. وهو ما يسمى بالفائض الذي يعود إليهم. لا يعود أصل أو جزء من قيمة القسط المدفوع بأي حال من الأحوال للمؤمن لهم.
7 عوائد استثمارات أصول الأقساط لأصحابها المستأمنين بعد استقطاع حصة الشركة كمضارب. عوائد استثمارات أصول الأقساط لصالح الشركة التجارية فقط دون غيرها بإضافة استثمارها بطرق قد تكون ربوية.
8 تهدف الشركة في المقام الأول إلى زيادة تعاون أفراد المجتمع. ولا تستهدف الاسترباح من حيث المبدأ، تهدف الشركة إلى تحقيق أعلى ربحية ممكنة لأصحابها.
9 أرباح الشركة ناتجة عن استثماراتها لأموالها الذاتية وحصتها كمضارب في عوائد الاستثمارات لصالح المؤمن لهم،أرباح الشركة ناتجة عن عملياتها سواء من أموالها الذاتية أو الأقساط المتبقية ومن فوائدها الربوية.
الفائض التأميني الموزع على حملة الوثائق:
يعد المعيار الحقيقي للتطبيق الفعلي والمثالي للتأمين الإسلامي التكافلي هو توزيع الفائض التأميني المحقق فعلياً من عمليات التأمين الإسلامي التكافلي والذي يعد هو صافي العمليات العائدة لحملة الوثائق بعد استقطاع جميع المصروفات والتعويضات إضافة إلى الاحتياطيات الفنية والقانونية المختلفة المقترنة بصناعة التأمين حفاظاً على حقوق حملة الوثائق من عملياتهم التأمينية وفي التجربة العملية نجد أن الشركة الإسلامية القطرية للتأمين والتي أسست في العام 1995 كأول شركة تأمين إسلامية تكافلية بدولة قطر والثانية خليجياً تعد هي الأولى وقد تكون الوحيدة في العالم التي حافظت على معدل توزيع سنوي للفائض التأميني على حملة الوثائق ولمدة الأربع السنوات الأخيرة وهو 20%من صافي العمليات الفنية العائدة لحملة الوثائق وتعمل دائماً وتحت الإشراف المباشر من هيئة الرقابة الشرعية والتي يترأسها فضيلة العلامة الأستاذ/ علي محي الدين القرة داغي لتصويب المسار دائماً والوصول إلى تحقيق المثالية في التطبيق العملي لمعنى التأمين الإسلامي التكافلي.
لقد حاولت من خلال هذه السلسلة من المقالات تقديم إيجاز شامل كمقدمة لفهم صناعة التأمين من جميع جوانبها المهمة بشكل عام وأعتقد أنه من الصعب جدا فهم هذه الصناعة الدقيقة والهامة في اقتصادنا القومي دون التطرق إلى المحاور التي قمنا بتغطيتها، وفي الحلقة القادمة سندخل في المناطق الشائكة في هذه الصناعة والتي تتشابك وتؤثر على حياتنا اليومية وهي بداية تأمين السيارات والمركبات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
4602
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1512
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1266
| 11 مارس 2026