رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع تطور الأحداث الأخيرة والهزائم التي يتلقاها النظام السوري القمعي الفاجر سياسياً وعلى الأرض، فإن اليوم التالي لبشار الأسد ولنظام الفساد والظلم والتسلط قد بات وشيكاً. وهذا الوضع الجديد يتطلب منا نحن العاملين في سبيل وطنٍ حرٍ وكريمٍ وخالٍ من الظلم، وطنٍ يعيش فيه كل السوريين أحراراً كراماً متساوين، أن نكون على أهبة الاستعداد للمساهمة في بناء هذا الوطن الجديد..
هذا الوضع الجديد سيتطلب منا البدء بحوارات واسعة فردية وجماعية حول معنى سقوط النظام والمرحلة الانتقالية التي ستلي سقوطه بانتظار قيام جمهوريةٍ سوريةٍ جديدة تبنى على أساس الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان. وينبغي التركيز على النقاط التالية.
من المفيد التذكير أن إسقاط النظام لا يعني إسقاط الدولة ومؤسساتها. ينبغي التفريق بين العائلة الحاكمة والنظام السياسي وأجهزة القمع والميليشيات الطائفية البغيضة وبين مؤسسات الدولة التعليمية والصحية والمالية والخدمية. وبينما ينبغي إزالة الأولى ينبغي المحافظة على الثانية بكل ما أوتينا من عزم وقوة..
هذا هو الوقت المناسب للتأكيد على أهمية مبدأ سيادة القانون. مباشرةً بعد سقوط النظام، سيتعين على الشعب السوري ونشطاء الثورة والحكومة الانتقالية تحقيق العدالة والبدء بإرساء مبدأ سيادة القانون، والتأكيد على القطيعة مع الممارسات القمعيّة للنظام السابق، ووضع حجر الأساس لمبادئ المساءلة والشفافية..
سيكون من الظلم والمعيب أن ينجو كبار المرتكبين بجرائمهم. ينبغي على الناشطين المدنيين التأكيد على إعلاء شأن المحاسبة. ومن هنا تأتي مسألة العدالة الانتقالية التي ستعمل على إعادة فرض المساءلة وتحقيق المصالحة، وتحميل كافة الجناة المسؤولية بغض النظر عن هوياتهم..
ينبغي التأكيد على المبدأ القائل: "ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى"، ورفض مبدأ الثأر وترك مسار العدالة الانتقالية يأخذ مجراه لإدانة كبار المرتكبين والسير في طريق بناء سوريا بلداً لكل السوريين. ويجب التأكيد على فكرة الدستور. إن المرحلة الانتقالية، لكي تكون شفافةً ومثمرة، ينبغي أن تستند إلى دستورٍ مؤقت ريثما يتم كتابة دستور جديد للبلاد..
ينبغي العمل القوي من أجل بناء الثقة بين القيادات السياسية للجماعات المعارضة وبين الجيش السوري الحر والمجموعات المسلحة المعتدلة، وإطلاق الجهود التي تهدف إلى تعزيز القيادة والانضباط بين المعارِضة المسلحة، وضمان التزام هذه الجماعات بمبادئ حقوق الإنسان، وانصياعها للقيادة المدنية..
نحن أمام بداية المرحلة الأصعب من الثورة السورية. وبينما يقوم السياسيون بواجبهم والعسكريون بواجبهم، فإنما على عاتقنا نحن الناشطين المدنيين عبء رفع مستوى الوعي والتحذير من الأخطاء ومحاولة منع حدوثها، أو إصلاحها في حال وقوعها بأقل الخسائر الممكنة. وليكن شعارنا: معاً لتحولٍ سياسيٍ واجتماعيٍ واقتصاديٍ ديمقراطي، يحافظ على كرامة السوريين ومساواتهم التامة، ويعلي من شأن سيادة القانون وبسعي لتحقيق العالة الانتقالية، ويصلح من شأن الأجهزة الأمنية ويضع دستوراً جديداً كريماً للبلاد، يستحقه السوريون بكافة أطيافهم.
الفقرات الواردة أعلاه جزءٌ من رسالةٍ للسوريين وجَّهَها لهم مؤخراً فريق (اليوم التالي) في سوريا. الفريق مؤلفٌ من خبراء وأكاديميين ومتخصصين سوريين في مختلف المجالات، وكان قد أنجز مشروعاً متكاملاً يضبط ملامح مرحلة ما بعد سقوط الأسد في ستة مسارات: الأسس الحقوقية، العدالة الانتقالية، إصلاح القطاع الأمني، الإصلاح الانتخابي وإنجاز التعديلات الدستورية، الإصلاح الدستوري، الهيكلة الاقتصادية والسياسات الاجتماعية.
هذه الرسالة، التي لم تصل إلى الكثير من السوريين للأسف، على أهميتها، تُذكرنا بأمرين في معرض الدعوة المتواصلة للعمل على تهيئة أسباب نجاح مؤتمر الرياض للمعارضة السورية: أن ثمة خبراء ومتخصصين سوريين متميزين يمكن لهم إنجاز الرؤية المطلوبة بشكلها المحترف والشمولي. والأهم من هذا، أن جزءاً مُقدراً من هذه الرؤية موجودٌ ابتداءً.
لاشك أن هناك حاجةً لأخذ المُعطيات الجديدة، التي حدثت خلال السنتين الماضيتين، بعين الاعتبار عند محاولة تطوير رؤيةٍ جديدة. لكن الذي يطلع على تفاصيل العمل، وهي موجودةٌ بتفاصيلها على موقع (اليوم التالي)، يُدرك أن الجهد لايجب أن يبدأ من نقطة الصفر، ولاحرجَ في التأكيد أن أكثر من نصف المهمة المطلوبة، على الأقل، تم إنجازهُ فعلاً.
ذكرنا سابقاً أن من شروط نجاح مؤتمر الرياض، بالمعنى العملي وليس النظري فقط، ارتفاعُ وتيرة الضغط العسكري على النظام، ومحاصرته تدريجياً في مختلف مناطق البلاد. وهذا ما يستمر بشكلٍ واضحٍ كان مثالهُ الأخير التقدمَ العسكري للمعارضة في الجنوب. فالسوريون يثبتون لأنفسهم، ولمن يهمه الأمر، مرةً تلو أخرى، أنهم قادرون، بالحد الأدنى من الدعم، على القيام بواجبهم الميداني. وهذه ميزةٌ تؤخذُ بعين الاعتبار في الحسابات الإستراتيجية. خاصةً عند مقارنتها بحالات أخرى ترتفع فيها كلفة الدعم السياسية والعسكرية، لكن التطور فيها يبقى بطيئاً مقارنةً بالحالة السورية.
لايقتصر الأمر على قدرة السوريين على التعامل ميدانياً مع النظام وهزيمته، وإنما تسري القاعدة نفسُها على التعامل مع تنظيم مايُسمى بـ (الدولة الإسلامية). فبشيءٍ من التحليل لمعاركه السابقة في سوريا والعراق، يصبح واضحاً أن (انتصاراته) المزعومة الكبيرة تحملُ في طياتها دوماً عناصر غير منطقية، من أهمها (الانسحابات) الغريبة التي تسبق تلك (الانتصارات). فيما عدا ذلك، ينجح التنظيم في هزيمة فصائل مشرذمة قليلة التجهيز والعدد هنا، ويتقدم بإشاعة الرعب بين المدنيين هناك.
أما حين يتعلق الأمر بالمواجهة مع قوةٍ مناسبة عددياً ومجهزة نارياً بحدٍ أدنى من التجهيزات فإن مصيرهُ الهزيمة على الدوام. وقد رأت الفصائل المقاتلة السورية مع التجربة، أكثرَ من غيرها، حقيقة كون التنظيم (فزاعةً) تنفخُ فيها قوىً إقليمية ودولية لأسباب مختلفة.
من هذا كله، يزداد إدراك القوى الإقليمية التي تقف مع الثورة السورية أن سوريا هي فعلاً المفصلُ الأساسي والأهم الذي يجب التركيز عليه في الصراع الإقليمي الإستراتيجي الراهن. لا لتكون البلاد مجرد ساحةٍ لذلك الصراع، وإنما لتكون سوريا الجديدة، ما بعد الأسد، لاعباً هاماً في تحديد نتائجه. والعملُ السياسي الواسع لتلك القوى مؤشرٌ على ذلك، وكان آخرُ مظاهره زيارة ولي ولي عهد السعودية محمد بن سلمان إلى روسيا بما رافقها من تصريحات واتفاقات..
قد يكون واقعُ المعرضة السياسية السورية في الظروف السابقة مفهوماً، لكن من غير اللائق أن تبقى بمثابة (العنصر الأضعف) مع التطورات التي أنتجت معادلةً جديدة، خاصةً وأنها تستطيع، هي تحديداً، تفعيل المعادلة بأسرها بشيءٍ من الجدية والعمل السياسي المحترف.
إلى أين وصلت العلاقات السورية– الإسرائيلية؟
اتسمت علاقات سوريا مع إسرائيل بطابع صراعي منذ تأسيس إسرائيل عام 1948. فقد خاض البلدان عدة حروب في... اقرأ المزيد
72
| 31 مايو 2026
أزمة هرمز.. نقطة تحول في معادلة الطاقة
يمثل إغلاق المضيق تحولاً هيكلياً في المشهد الجيواقتصادي العالمي؛ إذ يتجاوز كونه صدمة مؤقتة للسوق ليغدو محفزاً لإعادة... اقرأ المزيد
150
| 31 مايو 2026
الموظف "العومة"
الموظف الحكومي من أكثر الأشخاص الذي مهما فعل من جهد وبذل من طاقة فإنه في غالب الأحيان لا... اقرأ المزيد
99
| 31 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2457
| 31 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
2379
| 30 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1593
| 29 مايو 2026