رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

531

د. جاسم الجزاع

بطالة الشباب العربي في زمن اللامبالاة

28 مايو 2025 , 02:00ص

في شوارع المدن العربية الجميلة رغم كل شيء، وخصوصاً حين يختلط الغبار في طرقاتها بصوت الباعة، وحيث المقاهي تزدحم بأجساد فتية وأرواح يعلوها الانهاك، نجد جيوشاً من الشباب، عيونهم معلقة بأخبار التوظيف وإعلاناتها، المنشورة في مواقع الإنترنت والمسدلة على أبواب المؤسسات المغلقة، وبأحلامهم المتأخرة التي باتت تُهدد بالذبول قبل أن تُزهر وأعني بذلك.. شبح البطالة الذي يهدد مصالح الشباب العربي.

وبحسب دراسة حديثة أصدرها صندوق النقد العربي، نجد العالم العربي في معدلات عالية في بطالة الشباب التي بلغت 28 %، أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي، وهذا الرقم يخفي خلفه مآسي فردية وأزمات مجتمعية لا تظهر في نشرات الأخبار لكنها تعيش في تفاصيل الحياة اليومية للشباب العربي، في الشاب الذي يرفض الزواج لأنه بلا عمل، وفي الأم التي تخفي دمعتها حين يعود ابنها خالي اليدين، وفي الطاقات الشبابية العربية التي تُبدد في فراغ الانتظار.

واللافت في هذه المأساة أنها لا تطول الأقل حظاً من التعليم فحسب، بل تتعمق في أوساط المتعلمين أنفسهم وتُظهر الإحصاءات أن بعض الدول العربية تسجل نسباً تصل إلى 40 % من العاطلين من فئة خريجي الجامعات، كم هو أمر مؤلم أن يكون التعليم باباً لا يُفتح، وأن يتحول التحصيل إلى عبء مثقل.

وأما النساء، فقصتهن أكثر مرارة، فنجد حسب الدراسة أن 43.4 % من الشابات العربيات يعانين من البطالة، في مجتمع لا تجد المرأة في ظل فساد المروءة معيلاً لها إلا وظيفتها، ولا يمنحها المجتمع غالباً حرية المبادرة، فنحن أمام عطب مزدوج: نظام لا يوفّر وظائف، وثقافة لا تمنح بدائل، والنتيجة.. شباب غاضب، ونساء محبطات، ومجتمع يمشي على حافة الانفجار.

ولعل الأسباب تعود إلى النُظم السياسية التي لا تهدف إلى إغناء الشعوب ولا تؤمن بمبدأ العدالة في توزيع الثروات ولا بمبدأ تعيين الكفاءات، ولوجود فجوة سحيقة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وفيما القطاع الخاص لا يزال هشاً، يعاني من البيروقراطية الحكومية المقيدة له، ومن ضعف الحوافز، ومن بيئة أعمال غير مستقرة في عدد من الدول.

وليس للدول العربية مخرج ما لم تتغيّر نظرتها للشباب، فلا ينبغي التعامل معهم كأرقام بحاجة إلى «امتصاص»، بل كقوة تغيير هائلة يجب تمكينها، لا احتواؤها فقط، ولقد آن الأوان لأن تعترف الأنظمة بأن كرامة المواطن تبدأ من حقه في العمل، وأن السياسات التي لا تضع «الشاب العاطل» في قلب أجندتها، إنما تبني على الرمال، فالرسالة الواجبة للقادة، والمسؤولين، أرجوكم لا تختبروا صبر جيلٍ لم يورث من زمنه غير الانتظار، فكل شاب بلا وظيفة، هو مشروع احتجاج أو اغتراب أو تطرف، وكل وظيفة تُعطى بوساطة، تُسرق من صاحبها الحقيقي، وتُرسّخ في وعينا الجمعي أن العدل في بلادنا العربية حلم، لا حقيقة.

مساحة إعلانية