رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في مقدمة الطبعة الثانية لـ «المشروع النهضوي العربي» الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في (أغسطس 2011) نقرأ النص الجريء والدعائي التالي: «... المادة هذه مرجعية بكل المقاييس لكل من يروم بناء سياسات في التنمية والأمن وتوزيع الثروة والبناء الديمقراطي... إلخ. ولعله (المشروع النهضوي) يكون بهذا الحسبان أرقى وثيقة في تاريخ الأدب السياسي العربي بعد «الميثاق» الذي صدر في مصر منذ قريب من نصف قرن، مع فارق يحسن بالمرء الانتباه إليه: أن «الميثاق» وضع من قبل سلطة وطنية وفي لحظة مد، فيما وضع «المشروع النهضوي» من موقع مستقل عن أي سلطة، وفي لحظة جزر مديدة». ومرجعية «المشروع النهضوي» وشموليته تتأتيان من تعريفه وبنيته، التي هي أكبر بكثير من أن تُحصر في أن تكون «برنامجاً سياسياً» وحسب، وهذه «مقدمة ابتدائية» يقتضي «التسليم بمنطوقها»، إذ إن "المشروع النهضوي العربي ليس برنامجاً سياسياً جاهزاً للتطبيق والإنفاذ، بحيث يأخذه من يأخذه على هذا المُقتضى ولهذا الغرض، كما أن الذين تداولوا في أمره وصاغوه، ما أرادوه أن يكون بهذا المعنى، ولا وضعوا هندسته لتتناسب وغرض التطبيق البرنامجي، ذلك أن المشروع النهضوي رؤية وتصور فكري - سياسي استراتيجي، والرؤية والتصور غير البرنامج. غير أنه في وسع أي سلطة أو حزب أو تحالف أحزاب حاكم أن ينهل من هذه الرؤية ويأخذ منها مادة برنامجه السياسي، أو أن يسترشد بها في سبيل تحقيق ذلك الهدف".
هذا الخطاب الأبوي المُدهش على الصعيد الفكري والسياسي يختلف كلياً في نبرته وادعاءاته عن مقدمة الطبعة الأولى الأكثر تواضعاً، والتي تصدرت الكتيب في طبعته الأولى في (فبراير) 2010. مقدمة الطبعة الثانية مكرسة لتربط «المشروع النهضوي» مع الثورات العربية، ولتطرح علاقة عضوية، إن لم نقل فوقية، معها. هذه المقدمة المُتعالية تُرقِّى إلى ما يمكن ببساطة اعتباره البرنامج الفكري والسياسي للقوميين العرب إلى مستوى «الرؤية الفكرية العربية» التي يعمل الجميع تحتها وينهلون منها ما يشاؤون، وهي بهذا تختلف جذرياً عن مقدمة الطبعة الأولى الأكثر تواضعاً، والتي تقول: «وها هو (مركز دراسات الوحدة العربية) يطرح «المشروع النهضوي» في صورته النهائية على الأمة، واثقاً من أنه سوف يكون دافعاً قوياً لنضالها من أجل تجسيد أهدافه الستة في الواقع العربي، وناظماً فعالاً لهذا النضال».
لو وقفت مقدمة الطبعة الثانية عند تلك الحدود التي رسمتها مقدمة الطبعة الأولى للمشروع، وأبقت «المشروع النهضوي» مطروحاً كمحاولة استنهاض للواقع العربي، لكان ذلك أجدر، ولأبقت الفكرة كلها في دائرة الرصانة. بيد أن تطاولها على كل ما عداها لتعتبر نصها «الأرقى» في الفكر العربي المعاصر، ومشروعها هو «المشروع» الذي يجب على العرب أن ينهلوا منه، فإنها تورط ذاتها ونصها طواعية في ادعاءات يصعب الدفاع عنها، وتموضع نفسها ومشروعها في مرمى نيران عليها أن تتحملها! فعندما لا يتردد خطاب ما، أياً كانت سمته السياسية أو لونه الفكري في التجرؤ على ادعاء امتلاك المرجعية والاستعلائية، طارحاً ذاته بكونه «الرؤية» التي ينهل منها الجميع، كل وفق ما يريد، فإنه يجمع الشمولية والأبوية في آن معاً. وامتلاك هكذا نزعة يستدعي ويستنفر بطبيعة الحال النقاش والنقد والتفكيك كأي فكرة أو أيديولوجية شمولية. ذلك أن الاستدعاء المبطن والمعلن لدى «المشروع النهضوي» بأنه هو «الحل» يصطف به تلقائياً إلى جانب الأدلجات الشمولية والخلاصية الأخرى التي تلحق وصف «الحل» بما تعتقده وتريد أن تفرضه على الآخرين.
الطبعة الثانية لـ «المشروع النهضوي» تتميز أيضاً بالإضافات اللافتة في المقدمة وفي العنوان، الذي تم وسمه بعنوان فرعي استطرادي حيث أصبح «المشروع النهضوي العربي: نداء المستقبل». وتعبير «نداء المستقبل» يعكس الرسالة الأساسية التي يريد نص «المشروع النهضوي العربي» في طبعة ما بعد الثورات العربية النطق بها، وهي أنه النص «المشروعي» الوحيد المُحكم الذي يمكنه ملء الفراغ الفكري والرؤيوي الذي تعاني منه الثورات العربية، وحيث نقرأ بوضوح الإعلان التالي: «المشروع النهضوي» قد يكون الرؤية الفكرية-السياسية المناسبة التي تحتاجها الثورة وقوى الثورة في هذه اللحظة السياسية الجديدة التي دشنتها جماهير الأمة المنتفضة. وقد لا تجد فيه الثورة كل ما تريد، لكنها –قطعاً- ستجد فيه أكثر ما تريد. وهي لا شك ستجد فيه الكثير، لأن القوى الاجتماعية التي نهضت بعملية التغيير ليست في جملة القوى الاعتيادية التي كانت تنهض بهذا الدور في ما مضى (الأحزاب والحركات السياسية) وتمتلك برنامجاً سياسياً وتصوراً للسلطة وإدارة الدولة، وإنما تملك طاقة هائلة للنقض والتقويض من دون أن تكون ممارستها الثورية مستندة – بالضرورة- إلى برنامج عمل يلحظ لحظة بناء السلطة الجديدة وموجبات ذلك البناء».
نلاحظ هنا أن نبرة الجزم والحسم في الفقرة السابقة، والتي تقطع بأن الثورة ستجد في «المشروع النهضوي العربي» أكثر ما تريد، قد قوضت البداية الرصينة التي تمسكت بالتواضع والاحتمالية عند القول إن المشروع النهضوي «قد» يكون الرؤية الفكرية-السياسية المناسبة لهذه الثورات. إضافة إلى ذلك، تتبنى الفقرة وفكرتها المقولة الرخوة السائدة في قراءات الثورات العربية الراهنة، التي تقول إن القوى التي حركت الثورات وأنجحتها قادرة على النقض والهدم (إسقاط الأنظمة) لكنها غير قادرة على البناء، لأنها لا تملك الرؤية والبرنامج. وهنا ولمواجهة ثغرة عدم القدرة على البناء التي تعاني منها الثورات وقواها، فإن «المشروع النهضوي» يتقدم لسدها.
ينساق استشراف الأبوية الفكرية والسياسية وادعاءاتها في نص مقدمة الطبعة الثانية إلى مدى أكثر جرأة في سياق قراءة انطلاق الثورات العربية ليقرر التالي: «والحق أن إشارات المشروع النهضوي –ومن دون اعتساف في تأويل النص- تتوافق إلى حد بعيد والحقائق التي أفرجت عنها عملية الثورة، فإلى أن التئام الإرادات حصل بين الإسلاميين والقوميين واليساريين والليبراليين في ساحات تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين والمغرب والأردن والجزائر وسورية أثناء الثورة، فسهل ميلاد عملية التغيير في بعضها، ودفع في بعضها الآخر إلى فرض خيار الإصلاح السياسي والدستوري...، فإن وقائع الثورة أقامت دليلاً جديداً على أن تلك السيولة في الاجتماع السياسي العربي أنجبت قوى جديدة تقف على رأسها فئة الشباب...». في هذه الفقرة هناك فعلاً «اعتساف في النص» رغم التحذير منه والوعي به، ذلك أن دينامية أي ثورة في التاريخ ضد نظام مستبد وفاسد تستجمع بالضرورة كل أطياف المعارضة السياسية له، وليس هناك حاجة إلى عبقرية من نوع خاص، لا من المشروع النهضوي أو من غيره، للوقوف على بروز «الالتئام» العفوي على مربع الثورة على النظام. لكن المهم هو ما بعد الثورة، حيث شواهد التاريخ تدلنا أيضاً على أن ذلك الالتئام سرعان ما يتذرى وتبدأ مرحلة جديدة تصطرع فيها قوى الثورة في ما بينها، وهي المرحلة الأعقد والأصعب والتي يتركنا فيها «المشروع النهضوي» حائراً مثلنا، رغم المقولات الفضفاضة عن «الكتلة التاريخية» التي لا يقول لنا كيف تتحقق ونحن نواجه تمزقاً إلى كتل طائفية وربما جغرافية أيضاً.
• من مقدمة كتاب بعنوان «نقد المشروع النهضوي العربي» يصدر قريبا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8742
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3525
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3120
| 30 أكتوبر 2026