رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ربما لا نقول شططا إن اعتبرنا المخدرات إرهابا صامتا يسري في أوساط المجتمعات واقتصادا أسود يهلك الحرث والضرع، وقد ارتفع سقف رعايتها إلى أهداف سياسية بحتة ولا يقل ذلك خطورة عن إعلان الحرب. وليس سرا رعاية دول عديدة لإنتاج المخدرات وتوجهيها إلى دول أخرى في إطار حرب لئيمة. ومن المدهش أن حجم تجارة المخدرات عالميا يبلغ نحو 500 مليار دولار، وهو ما يقارب تجارة السلاح العالمية إذ تصل لنحو 531 مليار دولار، وفق تقرير للمعهد الدولي لبحوث السلام في ستوكهولم عاصمة السويد.
ولا شك أن الحرب مكروهة ومخيفة ومميتة ومدمرة، بيد أن هناك حربا أخرى غير الحرب التي نعرفها، حرب أخطر بكثير، فهي حرب دمرت وما زالت تدمر وتحرق وتجرف، إنها حرب المخدرات، حيث تؤكد الإحصاءات أن حرب المخدرات تكلف البشرية فاقداً يفوق ما تفقده في الحروب المدمرة. هناك نحو 275 مليون متعاط للمخدرات حول العالم وفقا لإحصاءات عام 2021 ونحو نصف مليون حالة وفاة في العام 2019 فقط. إن نهاية كل مدمن للمخدرات تدمير نفسه، وزوال كرامته، والعزلة الاجتماعية، ودخول السجن أو المصحات النفسية، أو التشرد في الشوارع. ويمثل الإدمان رغبة قهرية للاستمرار في تعاطي المخدرات أو الحصول عليها بأي وسيلة وبأي ثمن، مع الميل إلى زيادة الجرعة؛ مما يسبب اعتمادًا نفسيًّا وجسميًّا وتأثيرًا ضارًا في الفرد والمجتمع. وبلغ من خطورة المخدرات أنها غدت مهددا جديا للجنس البشري بالانقراض نتيجة لارتفاع نسبة التعاطي بين بني البشر لا سيما الشباب الذين يمثلون 80 % من المتعاطين بل حتى فئة الأطفال.
وتكابد كثير من دول المنطقة خطر هذه الآفة التي تنتشر كانتشار النار في الهشيم؛ في الأردن تم التعامل خلال العام الماضي، مع 19 ألف قضية ضبط من خلالها 27 ألفا و245 شخصًا منهم 9591 متهمًا بترويجها وتجارتها وفقا لمديرية الأمن العام. وتمت الإشارة إلى أن الكميات التي تم ضبطها كميات غير مسبوقة في تاريخ الأردن. وتشير مصادر غربية إلى أن 80 % من الكبتاغون في العالم مصدره النظام الحاكم في سوريا. وفي السودان ومع تزايد الانتقادات لتراخي الدولة في محاصرة الانتشار الواسع للمخدرات، تبنّى رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان إطلاق حملة قومية للمكافحة لمدة عام، قبل أن يتهم جهات ومنظمات - لم يسمّها - بالترويح لهذه الآفات "بدعم بعض المجموعات تحت لافتة ترسيخ الديمقراطية". وتشير معلومات إلى أن الاحتجاجات المنتظمة التي تدعو لها لجان المقاومة ضد السلطة العسكرية الحاكمة، يتم فيها تعاطي وتوزيع المخدرات بكثافة، وأن غالب المتظاهرين يكونون تحت تأثيرها.
والمخدرات تعد واحدة من أخطر وأقذر الأسلحة التي تستخدم في الحروب سواء المشتعلة أو حتى الباردة. والمدهش أن سلاح المخدرات سرعان ما يشتعل بين صفوف جند الطرف المستخدم له لأن الكثير من الجيوش العالمية تستخدم هذه الأسلحة على جنودها حتى تستمر في المعارك لمدة أطول كونها تمنح الجندي الشعور بالشجاعة والثقة العالية بالنفس وتساعده على التقدم إلى داخل مناطق العدو الساخنة. واستخدام الجيوش للمخدرات القتالية قديم كما في الجيش الأمريكي والأحمر والألماني وحديثا في الجيش الأوكراني والروسي وجيش الاحتلال الإسرائيلي، فقد كتب صحفي إسرائيلي تقريرا قال فيه إن الجنود الإسرائيليين لديهم أسبابهم وتبريراتهم لتعاطي المخدرات حيث يشعرون بأنهم يفعلون أشياء خاطئة تجاه الفلسطينيين، أي مهاجمة البيوت، وبث الرعب في نفوس الأطفال، وقتل المحاصرين في غزة، بما فيهم الرعاة والصيادون. وحاولت الولايات المتحدة ابتكار وتطوير مخدرات قتالية على أساس مادة الميثا امفيتامين والتي استخدمها جنودها في الحرب العالمية الثانية للتغلب على الإجهاد ومحاربة النعاس في الحرب ضد الرايخ الثالث وحروب أخرى خاضتها الولايات المتحدة، لكن التجارب أظهرت أن هذا النوع يعمل على انعدام الخوف والإنسانية في نفوس متعاطيها ويقودهم لارتكاب الجرائم، وعلى المدى الطويل يخل بالصحة النفسية لمتعاطيها.
روايات كثيرة كُتبت عن الحرب اللبنانية كثير منها تناول جانب تعاطي المخدرات بين المقاتلين وذكر البعض كيف أن الإسرائيليين هم من يموّل المقاتلين جميعاً بالمخدرات إذا نقصت عن مجموعة مقاتلة حتى تستمر عجلة القتال دون توقّف. مؤخرا أصدر الروائي اللبناني ربيع جابر رواية "طيور الهوليدي إن"، تحدث فيها عن الحرب اللبنانية وعن المخدرات التي كان يتعاطاها المقاتلون فتياناً وفتيات في مناطق القتال بين الفئات المتناحرة في معارك بيروت وكيف كانت المخدرات جزءاً لا ينفك عن الحرب والقتال في حروب المليشيات.
في سيراليون الدولة الأفريقية، أصدر رجل كتابا بعنوان "الطريق الطويل: مذكرات صبي مُجند". يحكي فيه دخوله معترك القتال وهو صبي في الثانية عشرة من عمره، مجندا في الجيش السيراليوني ضد الثوار الذين كانوا يحاولون إسقاط نظام الحكم. كان ذلك الصبي وجيله من الأطفال الذين جندوا لا يعرفون ماذا تعني كلمة جندي أو مقاتل. يقول الكاتب ساردا قصته المؤلمة؛ إن العريف المسؤول عنهم أعطاهم سجائر مع الطعام ثم أحضر لهم حبوبا بيضاء قال لهم بأنهم سوف يستمتعون بهذه الحبوب البيضاء وسوف تُعطيهم طاقة تساعدهم على القتال. ويقول الكاتب: أخذنا من تلك الحبوب البيضاء وشعرنا بسعادة وأصبحنا نتناولها كل يوم وبشكلٍ غير محدود. فأصبح الأطفال الذين في سن الطفولة يُقاتلون بوحشية. ويصف الكاتب بعض المعارك التي خاضها هو ورفاقة الأطفال الذين في الثانية عشرة من أعمارهم، كيف كانوا يذبحون الأعداء بالخناجر وكيف يقتلون الأسرى أيضاً ذبحاً، ويقيم العريف المسؤول عنهم مسابقة لتحفيز أسرع طفل في جزّ عنق العدو، ويقول الكاتب كان هو الأسرع. ويمضي قائلا إنه أصبح يقتل دون شعورٍ بأي ذنب أو تأنيب ضمير، بل على العكس كان يتوق للمعارك وأهم ما في الأمر أن يكون هناك مخدراتٍ متوفّرة على مدار الساعة.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3123
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1194
| 28 سبتمبر 2026