رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحتل فكرة مركزية الحضارة الغربية موقع الصدارة خلال التاريخ الحديث والمعاصر، مسبغة على العالم رؤية أحادية غير قابلة للتغير والنقض على المستوى المنظور، وحتى مع التبدلات التي تطال تلك البنية المتماسكة أيدلوجية كانت أو فكرية أو اقتصادية أو سياسية، تبقى قواعد تلك المركزية ثابتة غير قابلة للتراجع، وفي هذا السياق يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه (الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان)، "أن الانسان الغربي عوضاً من أن يضع الجنس البشري في مركز الكون وضع الجنس الأبيض في هذا المركز، ووضع بقية البشر مع الطبيعة/المادة في الهامش، وبدلا من أن يكون الهدف من الوجود في الكون هو تحقيق مصلحة الإنسان، أصبح الهدف هو تحقيق مصلحة الإنسان الأبيض، وبدلا من الإيمان بأسبقية الإنسان على الطبيعة أصبحت المسألة هي أسبقية الإنسان الأبيض على الطبيعة وبقية البشر". ويمكن توصيف تلك الصورة بالقول بأنها ليست إفرازاً للتفوق الحضاري الأوروبي ومنجزاته وحسب، بل أنها مرتبطة بنظرة متعالية مستمدة من شرعية ماورائية وأفضلية عرقية.
تتمحور هذه النزعة الأوروبية في كثير من المجالات، انطلاقاً من الماضي وصولاً إلى الحاضر، وقد تركزت عبر التاريخ، في النشاط الاستعماري الأوروبي تحديداً، ففي الوقت الذي وطأت فيه قدما المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس أراضي القارة الأمريكية، في عام 1498، ظن حينها أنه بلغ شبه القارة الهندية مثبتاً نظرية كروية الأرض وإمكانية الالتفاف عليها عبر الإبحار غرباً، وعلى أن تلك النظرية صحيحة في مجملها، إلا أن جهل الأوروبيين آنذاك بوجود أراضٍ بعيدة في الغرب ونتيجة لسوء فهمهم للجغرافيا حينها، أطلق المستكشفون الأوروبيون على شعوب تلك الأراضي تسمية "الهنود الحمر"، ظناً منهم أنهم بلغوا أراضي شبه القارة الهندية!، والطريف في الموضوع أن التاريخ الذي يدونه المنتصر دائماً اعتبر كولومبوس هو المستكشف الأول للقارة الأمريكية متجاهلاً وجود شعوب فيها اكتشفتها واستعمرتها قبلهم بقرون، حتى جاء الأوروبي بغطرسته وأبادها ودمر تاريخها، وما تزال البقية الباقية من تلك الشعوب تعاني التهميش والازدراء في أراضيها إلى يومنا هذا.
بعد تلك الأحداث بسنوات، قرر المستكشف البرتغالي فرناندو ماجلان الالتفاف على الكرة الأرضية عبر الإبحار غرباً، عابراً المحيط الأطلسي وصولا الى المحيط الهادي، لاستكشاف طريق جديد يؤدي إلى آسيا عموماً وإلى جزر التوابل على وجه التحديد، وهي أرخبيل من الجزر تشكل جزءاً من إندونيسيا حالياً، وقد كانت تلك الجزر محكومة من قبل عدد من الملوك ينفرد كل منهم بملكه، وعلى الرغم من نجاح تلك الرحلة في الالتفاف على الكرة الأرضية والعودة إلى أوروبا من جهة الجنوب، إلا أن ماجلان لم يكن على متنها، حيث لقي حتفه في معركة "ماكتان" الشهيرة التي دارت في جزر الفلبين على يد القائد المسلم "لابو لابو"، والذي رفض الانضمام إلى حلف ماجلان واعتناق المسيحية كغيره من ملوك تلك الجزر، واستبسل في مقاومة الغزاة ورفض الاستعمار الأوروبي لبلاده حتى أردى ماجلان قتيلا و رفض تسليم جثته للغزاة المتقهقرين.
أما في عام 1497 فقد قرر المستكشف البرتغالي فاسكو دا غاما "الذي لم يكن سوى سفاح دموي"، اكتشاف طريق يؤدي إلى الهند دون المرور بطرق التجارة المعتادة التي تربط أوروبا بشبه القارة الهندية، والتي كانت تقع ضمن نطاق الأراضي التي يسيطر عليها العرب، وفي ذلك العام بدأ رحلته في محاولة للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح وتجنب الأراضي العربية، واكتشاف طريق جديد يوصله للهند وهو الطريق الذي كان معروفاً لدى البحارة العرب، وفي هذا السياق فقد ذكر المؤرخ "النُّهْرُوالي" أن البحّار العربي المعروف أحمد بن ماجد هو من ساعد دا غاما في اكتشاف هذا الطريق وهو الذي دل البرتغاليين عليه، إلا أن تلك الرواية التاريخية لم تجد ما يؤيدها ويسندها، وقد ثبت خطؤها تاريخيا، ولم يأتِ على ذكرها أي من المؤرخين البرتغاليين.
خلال رحلة فاسكو دا غاما، حطت به الرحال في أول محطة أفريقية على الطريق الجديد، وكانت تلك المحطة هي "الموزمبيق"، وعندما فشل دا غاما في التقرب لأهالي تلك المنطقة وأثار في نفوسهم الشك حول حسن نواياه، قام بقصفهم بالمدفعية انتقاماً منهم وهو يهم بالرحيل، مخلفا وراءه كماً من الدمار والقتل والتشريد، مطلقاً بذلك شرارة الخراب والتدمير والسلب والنهب التي مارسها البرتغاليون بعد ذلك لسنوات في أفريقيا والخليج العربي وكل المناطق التي وطؤوها، فبعد تلك الحادثة ولإدراك دا غاما أنه نجح في اكتشاف الطريق المؤدية إلى الهند أطلق مقولته الشهيرة "الآن طوقنا المسلمين، ولم يبقَ إلا أن نشد الخيط"، واستمرت بعد ذلك الحملات البرتغالية في نشر الذعر والرعب والتخريب على طول الساحل الأفريقي وصولا إلى الخليج العربي، فقد قام أثناء رحلته الإجرامية تلك بهدم ثلاثمائة مسجد بمجرد دخوله لمدن المسلمين في أفريقيا، كما قام في حادثة شهيرة بإغراق سفينة للحجاج في بحر عمان كان على متنها مائة شخص، كما قام في حادثة أخرى بحرق مجموعة من السفن المحملة بالبضائع من الهند، وأمام تلك الأحداث المأساوية من النهب والسلب على طول السواحل والتي سجل التاريخ كماً كبيراً منها، يمكننا تصور أن ما لم يسجله التاريخ من المآسي يفوق ما ذكر بكثير، وخلال رحلة أخرى قام دا غاما بإضرام النار في سفينة كانت عائدة من الحج تحمل على متنها 380 راكباً، وتركها لتشتعل في عرض البحر، ويذكر المؤرخون أن السفينة استغرقت أربعة أيام لتحترق بالكامل وتغرق بعد ذلك بمن فيها.
خلال فترة احتلال البرتغاليين لمنطقة الخليج العربي التي استمرت لما يزيد عن مائة عام، وجد البرتغاليون أنفسهم أمام رفض شعبي لوجودهم، نظراً لتاريخهم الدموي وإفسادهم للتجارة والملاحة في المنطقة، وقد وقعت مواجهات عديدة مع المحتل، إلا أن أروع الملاحم التي سطرها التاريخ، هي المقاومة الباسلة التي قادها البطل العربي مقرن بن زامل الجبري، آخر حكام الإمارة الجبرية، فقد رفض مقرن بن زامل دفع الجزية للمحتل، مما حدا بالأخير لإعلان الحرب عليه، وواجه مقرن بن زامل جيوش المحتل في ملحمة بطولية سطرها مؤرخو البرتغال أنفسهم، وتحدثوا عن شجاعته واستبساله في المقاومة، إلى أن استشهد في تلك المعركة في عام 1521، بعد أن دافع عن أرضه ورفض الانصياع لإرادة المحتل، وقد بلغت درجة الحقد على القائد مقرن بن زامل إلى قطع رأسه وحمله إلى البرتغال، وقد قام القائد البرتغالي أنطونيو كوريا بتخليد هذه الذكرى الدموية برسم رأس الأمير مقرن وهو ينزف على درع أسرته وهو الرسم الذي لايزال موجودا حتى يومنا هذا.
تعطينا تلك الومضات من التاريخ عدة دلالات، منها أن نهضة أوروبا وانفتاحها على العالم وتطورها التقني والصناعي، لم يكن أمرا إيجابيا بالنسبة لغيرهم على الدوام، فقد تجرعت مناطق عديدة وبعيدة الأمرين نتيجة الحملات الاستكشافية والتجارية الأوروبية، وتعرضت أراضي العالم الجديد بحسب تعريفها في ذلك الوقت لإبادة وتدمير وتشريد، كما صاحب تلك الحملات حروب وويلات وسفك للدماء واستعباد لكل الشعوب التي كانت تسكن الأراضي التي وطئتها قدم المستعمر، هذا فضلا عن حملات التبشير ونشر الدين المسيحي، وإقناع الشعوب المستضعفة وبالقوة أن الرب يحبهم ويريد خلاصهم. من جهة أخرى تكشف لنا تلك اللمحات عن النظرة المركزية التي يحملها الأوروبي في قرارة نفسه، متصورا أنه سيد العالم بلا منازع، مثبتاً ذلك بالقوة الجبرية كما يتبين من أحداث التاريخ محافظاً على تطبيق تلك الرؤية إلى يومنا هذا عبر القوة الناعمة والقوة الفعلية إذا تطلب الأمر، ومن ناحية أخرى تبين لنا تلك الومضات أننا في كثير من الأحيان، نقرأ التاريخ وفق نظرة مدونيه دون تمحيص، فكثير من المستكشفين والرحالة والأبطال القوميين بالنسبة لشعوبهم، ليسوا كذلك بالنسبة لنا فماهم في حقيقة الأمر سوى سفاحين ومحتلين ومجرمين أساؤوا للشعوب أيما إساءة، وللأسف نجد كتبنا تزخر بذكرهم وفق الرواية الغربية وتمجد إنجازاتهم، في الوقت الذي لا تأتي فيه على ذكر أبطالنا التاريخيين، ولا نجد لهم سوى نذرا يسيرا في الذاكرة التاريخية، ولم يدون تاريخنا بطولاتهم وإنجازاتهم، ونحن هنا لسنا بصدد استرجاع الآلام وإذكاء الأحقاد التاريخية، فالتاريخ يبقى تاريخاً، إلا أن الأجدر بنا إعادة الاعتبار لكثير من الشخصيات التاريخية العربية التي طُمست وطواها النسيان، وإجراء الأبحاث حول تلك الشخصيات وتضمينها المناهج الدراسية، وإعادة كتابة التاريخ بشكل موضوعي وصياغة الأحداث وإيضاح الحقائق وفق وجهة نظرنا وعدم الاكتفاء بما دونه المنتصر، فما يدونه المنتصر ليس صحيحاً دائماً.
علموهم أن فلسطين قضية لا تموت
أخبرتهم مساء يوم الجمعة الماضي أن يثقلوا من الملابس الشتوية قبل الذهاب للعب في الحديقة فقال لي أحدهم:... اقرأ المزيد
138
| 25 يناير 2026
الدبلوماسية الرقمية القطرية.. تكامل إستراتيجي يعزز الحضور العالمي
في ظل التحولات المتسارعة في منظومة العلاقات الدولية، لم تعد الدبلوماسية تقتصر على القنوات التقليدية، بل أصبحت المنصات... اقرأ المزيد
120
| 25 يناير 2026
هل نحن في عالمنا هذا ينتظر عالماً جديداً؟
نحن اليوم لا نعيش زمنًا عاديًا من تواريخ البشر، بل نقف عند عتبة مرحلة مفصلية تتشكل فيها ملامح... اقرأ المزيد
81
| 25 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
4470
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم الإعلان عنها في فترة سابقة، بدأت ملامحها في الظهور وذلك بصرف علاوة استمرارية الزواج للزوجين القطريين بعلاوة تُقدّر بـ 12000 ريال لكل من الزوجين والذي حددها القانون وحدد وقت صرفها في كل شهر يناير من كل عام، وسبق ذلك التعديل المباشر لاستحقاق الزوجة للعلاوة الاجتماعية بفئة متزوج وإلغاء حالة فئة أعزب للموظفة المتزوجة وذلك في بند القانون السابق. يناير 2026 يختلف عن يناير 2025 حيث إن القانون في مرحلة جديدة وملامح جديدة من حوافز وصرف المكافآت التي حددها القانون للموظفين وللوظائف الإشرافية التي تقع تحت مظلة قانون الموارد البشرية. حوافز كثيرة وقيم مستحقة يُتوقع أن تكون ذات أثر في المنافسة وبذل العطاء للوصول إليها، مع محافظة القانون على العلاوة السنوية والمحافظة على بدل الإجازة بمعدل راتب أساسي شهري للموظفين أصحاب تقييم جيد أو متوقع، والمعني به “جيد” أن الموظف أدى مهام وظيفته على أكمل وجه والتزم بكل القوانين وأخلاقيات العمل، ولم يزح القانون تلك الاستحقاقات السابقة بل حافظ عليها، وليضيف القانون حوافز مالية جديدة وذلك مع بدل الموظف المزيد من العطاء والتنافسية الايجابية ما بين الزملاء للوصول إلى التقييم الأعلى ومن ثم الوصول إلى المكافآت ومنها رؤية الأثر بزيادة مالية في تقييم “جيد جداً، امتياز وهما تعادلان تجاوز التوقعات، استثنائي” والتي حددها القانون في زيادة العلاوة الدورية لتكون في تلك السنة التقييمية 125% - 150% بدلاً من 100% للعلاوة المخصصة لدرجته المالية، بالإضافة لحصول الموظف على راتب أساسي شهري كمكافأة أو راتبين أساسيين كمكافأة بناءً على التقييم الحاصل عليه في تلك السنة، ولم يقف القانون هنا بل قام بوضع حوافز مالية للموظف القائم بالعمل الإشرافي وبقيم مالية مشجعة وضحها القانون ووفق درجة التقييم. لقد عمل القائمون على التقييم في بذل كل ما يمكنهم من وضع الخطوات والحوافز للموظفين وبإنشاء نظام تقييم يسعى قدر الإمكان في إنصاف جميع الموظفين، فإذاً لنجاح هذه العملية وجب على الجميع التعاون موظفاً ومسؤولاً في تطبيق الشروط التي حددها القانون للوصول إلى أهداف التقييم وهي في مقامها الأول هدف الارتقاء الوظيفي والتطوير والإبداع في العمل، ويليها الظفر بالمكافآت التي حددها القانون، ولكل مجتهد نصيب. أخيراً لكل مسؤول ولكل موظف عطاؤكم هو أساس لكل نجاح وبهذا النجاح يتحقق الهدف المنشود من كل عمل وبعبارة «لنجعل قطر هي الأفضل».
732
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
705
| 20 يناير 2026