رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحتل فكرة مركزية الحضارة الغربية موقع الصدارة خلال التاريخ الحديث والمعاصر، مسبغة على العالم رؤية أحادية غير قابلة للتغير والنقض على المستوى المنظور، وحتى مع التبدلات التي تطال تلك البنية المتماسكة أيدلوجية كانت أو فكرية أو اقتصادية أو سياسية، تبقى قواعد تلك المركزية ثابتة غير قابلة للتراجع، وفي هذا السياق يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه (الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان)، "أن الانسان الغربي عوضاً من أن يضع الجنس البشري في مركز الكون وضع الجنس الأبيض في هذا المركز، ووضع بقية البشر مع الطبيعة/المادة في الهامش، وبدلا من أن يكون الهدف من الوجود في الكون هو تحقيق مصلحة الإنسان، أصبح الهدف هو تحقيق مصلحة الإنسان الأبيض، وبدلا من الإيمان بأسبقية الإنسان على الطبيعة أصبحت المسألة هي أسبقية الإنسان الأبيض على الطبيعة وبقية البشر". ويمكن توصيف تلك الصورة بالقول بأنها ليست إفرازاً للتفوق الحضاري الأوروبي ومنجزاته وحسب، بل أنها مرتبطة بنظرة متعالية مستمدة من شرعية ماورائية وأفضلية عرقية.
تتمحور هذه النزعة الأوروبية في كثير من المجالات، انطلاقاً من الماضي وصولاً إلى الحاضر، وقد تركزت عبر التاريخ، في النشاط الاستعماري الأوروبي تحديداً، ففي الوقت الذي وطأت فيه قدما المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس أراضي القارة الأمريكية، في عام 1498، ظن حينها أنه بلغ شبه القارة الهندية مثبتاً نظرية كروية الأرض وإمكانية الالتفاف عليها عبر الإبحار غرباً، وعلى أن تلك النظرية صحيحة في مجملها، إلا أن جهل الأوروبيين آنذاك بوجود أراضٍ بعيدة في الغرب ونتيجة لسوء فهمهم للجغرافيا حينها، أطلق المستكشفون الأوروبيون على شعوب تلك الأراضي تسمية "الهنود الحمر"، ظناً منهم أنهم بلغوا أراضي شبه القارة الهندية!، والطريف في الموضوع أن التاريخ الذي يدونه المنتصر دائماً اعتبر كولومبوس هو المستكشف الأول للقارة الأمريكية متجاهلاً وجود شعوب فيها اكتشفتها واستعمرتها قبلهم بقرون، حتى جاء الأوروبي بغطرسته وأبادها ودمر تاريخها، وما تزال البقية الباقية من تلك الشعوب تعاني التهميش والازدراء في أراضيها إلى يومنا هذا.
بعد تلك الأحداث بسنوات، قرر المستكشف البرتغالي فرناندو ماجلان الالتفاف على الكرة الأرضية عبر الإبحار غرباً، عابراً المحيط الأطلسي وصولا الى المحيط الهادي، لاستكشاف طريق جديد يؤدي إلى آسيا عموماً وإلى جزر التوابل على وجه التحديد، وهي أرخبيل من الجزر تشكل جزءاً من إندونيسيا حالياً، وقد كانت تلك الجزر محكومة من قبل عدد من الملوك ينفرد كل منهم بملكه، وعلى الرغم من نجاح تلك الرحلة في الالتفاف على الكرة الأرضية والعودة إلى أوروبا من جهة الجنوب، إلا أن ماجلان لم يكن على متنها، حيث لقي حتفه في معركة "ماكتان" الشهيرة التي دارت في جزر الفلبين على يد القائد المسلم "لابو لابو"، والذي رفض الانضمام إلى حلف ماجلان واعتناق المسيحية كغيره من ملوك تلك الجزر، واستبسل في مقاومة الغزاة ورفض الاستعمار الأوروبي لبلاده حتى أردى ماجلان قتيلا و رفض تسليم جثته للغزاة المتقهقرين.
أما في عام 1497 فقد قرر المستكشف البرتغالي فاسكو دا غاما "الذي لم يكن سوى سفاح دموي"، اكتشاف طريق يؤدي إلى الهند دون المرور بطرق التجارة المعتادة التي تربط أوروبا بشبه القارة الهندية، والتي كانت تقع ضمن نطاق الأراضي التي يسيطر عليها العرب، وفي ذلك العام بدأ رحلته في محاولة للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح وتجنب الأراضي العربية، واكتشاف طريق جديد يوصله للهند وهو الطريق الذي كان معروفاً لدى البحارة العرب، وفي هذا السياق فقد ذكر المؤرخ "النُّهْرُوالي" أن البحّار العربي المعروف أحمد بن ماجد هو من ساعد دا غاما في اكتشاف هذا الطريق وهو الذي دل البرتغاليين عليه، إلا أن تلك الرواية التاريخية لم تجد ما يؤيدها ويسندها، وقد ثبت خطؤها تاريخيا، ولم يأتِ على ذكرها أي من المؤرخين البرتغاليين.
خلال رحلة فاسكو دا غاما، حطت به الرحال في أول محطة أفريقية على الطريق الجديد، وكانت تلك المحطة هي "الموزمبيق"، وعندما فشل دا غاما في التقرب لأهالي تلك المنطقة وأثار في نفوسهم الشك حول حسن نواياه، قام بقصفهم بالمدفعية انتقاماً منهم وهو يهم بالرحيل، مخلفا وراءه كماً من الدمار والقتل والتشريد، مطلقاً بذلك شرارة الخراب والتدمير والسلب والنهب التي مارسها البرتغاليون بعد ذلك لسنوات في أفريقيا والخليج العربي وكل المناطق التي وطؤوها، فبعد تلك الحادثة ولإدراك دا غاما أنه نجح في اكتشاف الطريق المؤدية إلى الهند أطلق مقولته الشهيرة "الآن طوقنا المسلمين، ولم يبقَ إلا أن نشد الخيط"، واستمرت بعد ذلك الحملات البرتغالية في نشر الذعر والرعب والتخريب على طول الساحل الأفريقي وصولا إلى الخليج العربي، فقد قام أثناء رحلته الإجرامية تلك بهدم ثلاثمائة مسجد بمجرد دخوله لمدن المسلمين في أفريقيا، كما قام في حادثة شهيرة بإغراق سفينة للحجاج في بحر عمان كان على متنها مائة شخص، كما قام في حادثة أخرى بحرق مجموعة من السفن المحملة بالبضائع من الهند، وأمام تلك الأحداث المأساوية من النهب والسلب على طول السواحل والتي سجل التاريخ كماً كبيراً منها، يمكننا تصور أن ما لم يسجله التاريخ من المآسي يفوق ما ذكر بكثير، وخلال رحلة أخرى قام دا غاما بإضرام النار في سفينة كانت عائدة من الحج تحمل على متنها 380 راكباً، وتركها لتشتعل في عرض البحر، ويذكر المؤرخون أن السفينة استغرقت أربعة أيام لتحترق بالكامل وتغرق بعد ذلك بمن فيها.
خلال فترة احتلال البرتغاليين لمنطقة الخليج العربي التي استمرت لما يزيد عن مائة عام، وجد البرتغاليون أنفسهم أمام رفض شعبي لوجودهم، نظراً لتاريخهم الدموي وإفسادهم للتجارة والملاحة في المنطقة، وقد وقعت مواجهات عديدة مع المحتل، إلا أن أروع الملاحم التي سطرها التاريخ، هي المقاومة الباسلة التي قادها البطل العربي مقرن بن زامل الجبري، آخر حكام الإمارة الجبرية، فقد رفض مقرن بن زامل دفع الجزية للمحتل، مما حدا بالأخير لإعلان الحرب عليه، وواجه مقرن بن زامل جيوش المحتل في ملحمة بطولية سطرها مؤرخو البرتغال أنفسهم، وتحدثوا عن شجاعته واستبساله في المقاومة، إلى أن استشهد في تلك المعركة في عام 1521، بعد أن دافع عن أرضه ورفض الانصياع لإرادة المحتل، وقد بلغت درجة الحقد على القائد مقرن بن زامل إلى قطع رأسه وحمله إلى البرتغال، وقد قام القائد البرتغالي أنطونيو كوريا بتخليد هذه الذكرى الدموية برسم رأس الأمير مقرن وهو ينزف على درع أسرته وهو الرسم الذي لايزال موجودا حتى يومنا هذا.
تعطينا تلك الومضات من التاريخ عدة دلالات، منها أن نهضة أوروبا وانفتاحها على العالم وتطورها التقني والصناعي، لم يكن أمرا إيجابيا بالنسبة لغيرهم على الدوام، فقد تجرعت مناطق عديدة وبعيدة الأمرين نتيجة الحملات الاستكشافية والتجارية الأوروبية، وتعرضت أراضي العالم الجديد بحسب تعريفها في ذلك الوقت لإبادة وتدمير وتشريد، كما صاحب تلك الحملات حروب وويلات وسفك للدماء واستعباد لكل الشعوب التي كانت تسكن الأراضي التي وطئتها قدم المستعمر، هذا فضلا عن حملات التبشير ونشر الدين المسيحي، وإقناع الشعوب المستضعفة وبالقوة أن الرب يحبهم ويريد خلاصهم. من جهة أخرى تكشف لنا تلك اللمحات عن النظرة المركزية التي يحملها الأوروبي في قرارة نفسه، متصورا أنه سيد العالم بلا منازع، مثبتاً ذلك بالقوة الجبرية كما يتبين من أحداث التاريخ محافظاً على تطبيق تلك الرؤية إلى يومنا هذا عبر القوة الناعمة والقوة الفعلية إذا تطلب الأمر، ومن ناحية أخرى تبين لنا تلك الومضات أننا في كثير من الأحيان، نقرأ التاريخ وفق نظرة مدونيه دون تمحيص، فكثير من المستكشفين والرحالة والأبطال القوميين بالنسبة لشعوبهم، ليسوا كذلك بالنسبة لنا فماهم في حقيقة الأمر سوى سفاحين ومحتلين ومجرمين أساؤوا للشعوب أيما إساءة، وللأسف نجد كتبنا تزخر بذكرهم وفق الرواية الغربية وتمجد إنجازاتهم، في الوقت الذي لا تأتي فيه على ذكر أبطالنا التاريخيين، ولا نجد لهم سوى نذرا يسيرا في الذاكرة التاريخية، ولم يدون تاريخنا بطولاتهم وإنجازاتهم، ونحن هنا لسنا بصدد استرجاع الآلام وإذكاء الأحقاد التاريخية، فالتاريخ يبقى تاريخاً، إلا أن الأجدر بنا إعادة الاعتبار لكثير من الشخصيات التاريخية العربية التي طُمست وطواها النسيان، وإجراء الأبحاث حول تلك الشخصيات وتضمينها المناهج الدراسية، وإعادة كتابة التاريخ بشكل موضوعي وصياغة الأحداث وإيضاح الحقائق وفق وجهة نظرنا وعدم الاكتفاء بما دونه المنتصر، فما يدونه المنتصر ليس صحيحاً دائماً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1650
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1125
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026