رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يجب عدم نسيان مأساة الشعب الفلسطيني والمذابح الجماعية التي تحدث في قطاع غزة أليس الأولى برابطة العالم الإسلامي الصلاة على شهداء غزة والعراق وسورية ؟ دعاة الحفاظ على حقوق الإنسان لماذا لا تطبقون تلك المبادئ النبيلة في فلسطين ؟
➊
في نهاية الأسبوع المنصرم من يناير انعقد منتدى في مدينة القدس المحتلة تحت شعار "تذكّر المحرقة، محاربة العداء للسامية " ضم رؤساء، ونواب رؤساء دول، وبرلمانيين من خمسين دولة أوروبية، وأمريكا الشمالية وكندا، ومن أمريكا اللاتينية، وتلقى السيدات والسادة الحضور من قيادة الحكومة الصهيونية " هدية " عبارة عن مجموعة من الكتب الصادرة في الغرب عموماً وأمريكا الشمالية ومعظم تلك الكتب كٌتَّابها من اليهود أو من الصهيو ــ مسيحية كلها عن " إشكالية الهولوكوست ".
الملاحظ أن صندوق الهدايا؛ آنف الذكر، لم يتضمن كتابين صدرا باللغة العبرية وكانا رائدين في مدّ المراجعات النقدية لمعنى الهولوكوست في الذاكرة الإسرائيلية المعاصر: الأول هو " الموت والأمة: التاريخ، الذاكرة،السياسة " للمؤرخة الإسرائيلية زيراتال. والثاني هو " في ظل الهولوكوست: الصراع بين اليهود والصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لأستاذ اللسانيات في جامعة تل أبيب يوسيف غرودزنسكي. وتعود أهمية الكتابين أنها تتصل باعتبارات راهنة شهدها الحفل الذي جمع في القدس المحتلة (الحديدي، القدس العربي 23/ 1/2020.)
➋
الهولوكوست في قاموس اللغة تعني " المحرقة " وتعني الإبادة الجماعية، والمقصود بها قتل ما يقدر بستة ملايين يهودي أوروبي في الحرب العالمية الثانية أي منذ 75 عاماً مضت، وذلك حسب الروايات اليهودية.
ويستخدم ذات المصطلح ليضم مقتل خمسة ملايين غير اليهود جلهم من مجموعات عرقية "الغجر الروم " والمجموعات السياسية المعارضة، والمعاقين، وغير ذلك. لكن لا يذكر فيما يكتب عن تلك المأساة الإنسانية إلا عن اليهود فقط والتي أصبحت سياسة ابتزاز تمارسها إسرائيل على كثير من الدول الغربية وخاصة ألمانيا، وتستدر عطف الدول الأخرى.. إن الكاتب هنا يدين كل عمل يلحق ضرراً بالإنسان؛ فرداً كان أو جماعة، بصرف النظر عن عرقه أو دينه وبصرف النظر عن الفاعل.
إن " تذكّر المحرقة: ومحاربة العداء للسامية " يجب ألا تنسينا مأساة الشعب الفلسطيني التي يتعرض لها بشكل يومي والمذابح الجماعية التي تحدث في قطاع غزة من قبل الجيش الإسرائيلي، وطرد الفلسطينيين من أملاكهم وإحلال قطعان المستوطنين مكانهم. إن تذكّر "محرقة اليهود الأوربيين " من قبل جيوش ودول أوروبية يجب ألا تنسينا " محرقة الشعب السوري والإبادة الجماعية التي يتعرض لها بشكل يومي من قبل النظام الحاقد في دمشق والطيران الروسي، والأمريكي يجب أن نتذكر الإبادة الجماعية والدمار الشامل في حلب و حماة وحمص وإدلب وأماكن أخرى من سورية الحبيبة.
يجب أن نتذكر المذابح الجماعية والدمار الشامل الذي لحق بالعراق الشقيق؛ شعباً وأرضاً، وحضارة عام 2003م على ايدي جيوش من اوربا وحلفائهم الاخرون.يجب ان نتذكر الإبادة والترحيل الجماعي التي يتعرض لها المسلمون في جمهورية ميانمار(بورما) "الروهينجا" على أيدي جيش منظم وميليشيات انتقامية.
وقادة العالم الغربي بكل ثقافاته ورموزه يجتمعون في مدينة القدس المحتلة ليحتفلوا بذكرى الجريمة التي ارتكبها قادتهم في الماضي ضد يهود أوروبا. يجب أن يتذكروا أنه لم يكن للعرب يد في تلك المأساة الإنسانية ضد اليهود.
والسؤال الموجه لأولئك القادة الذين اجتمعوا في القدس: لماذا تكفِّرون عن جرائم قادتكم السابقين ضد اليهود على حساب الشعب الفلسطيني خاصة والشعب العربي عامة؟.
أنتم دعاة الحفاظ على حقوق الإنسان، ومحاربة الإرهاب فلماذا لا تطبقون تلك المبادئ النبيلة في فلسطين والعراق وسورية وليبيا والصومال أليست تدخلاتكم المسلحة ضد هذه الشعوب العربية تعتبر أعمالاً إرهابية ؟!
➌
الكاتب يتفهم المواقف الأوروبية من هذه المأساة الإنسانية " الهولوكوست " الإبادة الجماعية، المحرقة، لكني لا أستطيع أن أتفهم موقف بعض الدول العربية من هذه المأساة، فلا شأن لهم بها، ولم يشاركوا فيها وليس مطلوباً منهم تاريخياً المجاهرة بهذه المسألة. سبعون عاماً مضت ومسألة " الهولوكوست " لم تكن في ثقافتنا ولا مناهج تعليمنا.
سبعون عاماً مضت ونحن نكرر في مناهج تعليمنا أن " اليهود " إسرائيل اغتصبت فلسطين بمؤامرة أوروبية أمريكية وأنها زرعت في قلب العالم العربي والإسلامي لكي تكون عائقاً لوحدته واتصاله الجغرافي.
لا أريد أن أذكركم بقول الحق عز وجل في سورة المائدة آية 82 " فأنتم تعرفونها " كما يعلمنا القرآن الكريم في سورة البقرة الآية 120 "وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ "، فلماذا التدافع نحو مقابر اليهود ضحايا النازية الأوروبية لنقيم الصلاة على أرواحهم ونتباكى عليهم ؟.
وقف " إمام رابطة العالم الإسلامي " وخلفه رهط من المسلمين ليؤدوا الصلاة ركعتين على أرواح ضحايا النازية من اليهود. أليس الأولى بالصلاة على شهداء غزة والعراق وسورية الذين سقطوا بنيران أوروبية إسرائيلية، وشهداء مصر الذين قضوا دفاعاً عن فلسطين.
• آخر القول:يا قادتنا الميامين، لن ترضى عنكم إسرائيل مهما فعلتم، ولن ترضى عنكم أمريكا حتى تخروا لها ساجدين. إنها حلقة مفرغة. فعودوا إلى شعوبكم فهي الضامن لكم إن حققتم لهم العدالة والمساواة.
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة من عدم الاستقرار، إذ أنهكت شعوبه الحروب والاحتلالات والانقلابات والاضطرابات... اقرأ المزيد
249
| 09 فبراير 2026
التعليم غير النظامي.. أداة ناعمة لصناعة النفوذ
لم تعد القوة في عالم اليوم تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد أو امتلاك الموارد الطبيعية، العالم... اقرأ المزيد
201
| 09 فبراير 2026
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً بـ «التليفون»، مجرد وسيلة اتصال صِرفة كما كان في عهد... اقرأ المزيد
318
| 09 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
3411
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2139
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
984
| 04 فبراير 2026