رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأساطير الرائجة في فضائنا عديدة، لكنني أرشح منها مصطلح «هدم الدولة» ليكون كلمة عام ٢٠١٦ في مصر.
(١)
يوم الإثنين ١٩ ديسمبر جرت مناقشة في مجلس النواب حول انتقاد الأستاذ إبراهيم عيسى في برنامجه التلفزيوني لأدائه. وخلال المناقشة قال الدكتور علي عبد العال رئيس المجلس إن الإعلام يحاول إضعاف مؤسسات النظام وهدم الدولة المصرية. لم أستغرب التعليق لأنني لاحظت أن مصطلح هدم الدولة تردد في تفسير الهجوم الإرهابي الذي استهدف الكنيسة البطرسية قبل أيام. كما أن بعض الإعلاميين ذوى الصلة بالمؤسسة الأمنية دأبوا على الدفاع عن مشروع قانون الجمعيات المريب الذي أقره البرلمان بدعوى أنه قانون «مفصلي» يقطع الطريق على محاولات «هدم الدولة». كذلك فأن المصطلح ذاته استخدم في إدانة واستهجان الفرقعة التي ترددت في الفضاء المصري داعية إلى مظاهرات ١١/١١، حيث اعتبرت آنذاك ضمن المساعي الخبيثة لهدم الدولة. ولست أنسى أن أحد الإعلاميين التلفزيونيين استضاف ذات مرة بعض المتحدثين في حلقة حول العنف، وقدم أحد المشاركين باعتباره العقيد فلان الفلاني الباحث في مخطط هدم الدولة المصرية.
معلوم أن الرئيس عبد الفتاح السيسي هو من أطلق المصطلح وردده أكثر من مرة في خطبه وأحاديثه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كان آخرها حديثه في لقائه مع الشباب في العاشر من شهر ديسمبر الحالي. وبمضي الوقت شاع استعماله بحيث أصبح يطلق على كل ما لا يعجب السلطة من قول (كما حدث مع برنامج إبراهيم عيسى) أو فعل (كما حدث في حالة تفجير الكنيسة).
حين انتبهت إلى تواتر استخدام المصطلح على الصعيدين السياسي والإعلامي قررت أن أجرى بحثا حوله على محرك «جوجل». وحين فعلتها أثارت دهشتي كثافة استخدامه وتنوع المجالات والمواقف التي يجري تنزيله عليها. وهو ما شجعني على ترشيحه ليكون كلمة عام ٢٠١٦ في مصر. ذلك أن التقليد الذي ابتدع الفكرة في المجتمعات الغربية يتخير كلمة العام من بين مفردات أو مصطلحات عدة تختزل ظاهرة أو تعبر عن حالة في المجتمع لها حظ من الشيوع، ودرجة مميزة من الحضور والتأثير، وهو ما حدث مع قاموس أوكسفورد في شهر نوفمبر الماضي حين تخيرت اللجنة المشرفة عليه عبارة «ما بعد الحقيقة» لتكون كلمة عام ٢٠١٦، وهي تعبر عن النزوع إلى تصديق الأضاليل والأكاذيب دون الحقائق الموضوعية. الأمر الذي تحلى في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حين تم انتخاب رئيس من خارج السياسة، برعت حملته في التضليل والترويج للأكاذيب. كما ظهر في حملات اليمين الأوروبي.
(٢)
أدرى أن كلمة العام في المجتمعات الغربية تتولاها لجنة من الخبراء والمتخصصين، لذلك اعتبرت أن ترشيحي لمقولة «هدم الدولة» لتكون كلمة العام في مصر هو مجازفة تعبر عن انطباع شخصي يمكن أن يكذبه البحث الموضوعي لكن خبرتي المتواضعة أقنعتني بأن أجواءنا لا توفر فرصة كافية للبحث الموضوعي. فمن تقاليدنا أن يكون كلام الرئيس هو خير الكلام ثم إنه لابد أن يكون شخصية العام. كما أن أفكاره هي حكمة العام ومشروعاته على رأس إنجازات العام. أما رحلاته إلى الخارج فهي فتوحات العام.. إلخ. هذه الخلفية شجعتني على المغامرة بالإقدام على عملية الترشيح. فإن أصبت فربما حققت مرادي في التنبيه، وإن أخطأت فربما سترني مصطلح النقاد الرياضيين الذين يبررون ضياع الأهداف في مباريات كرة القدم حين ينوهون إلى الاكتفاء بـ«شرف المحاولة».
لكي أتشجع فيما اعتزمته، فإنني لجأت إلى صحفي نابه تخصص في تكنولوجيا المعلومات وصار من خبرائها، هو زميلي السابق في مؤسسة الأهرام الأستاذ جمال غيطاس الذي أسس مجلة «لغة العصر». إذ طلبت منه أن يساعدني في تقييم وضع مصطلح «هدم الدولة»، وما إذا كان جديرا بأن يصبح كلمة العام أم لا. غاب جمال غيطاس يوما ثم زودني بما طلبت. اعتبرت أن ما فعله نوعا من السحر الذي يحفظ أسراره، إلا أنه أجابني حين سألته بأنه استخدم ما أسماه «البحث المتقدم لجوجل». ولجأ إلى تحليل المادة التي بثها ١٣١ موقعا للتواصل الاجتماعي في الفترة من أول يناير عام ٢٠١٦ وحتى مساء يوم ٢٢ ديسمبر. وحين تتبع ما ذكرته تلك المواقع بخصوص هدم الدولة أو ١١ مصطلحا آخر يدل عليه (مثل إسقاط الدولة أو إضعافها) فإنه توصل إلى النتائج التالية:
> في الفترة الزمنية التي سبقت الإشارة إليها استخدم المصطلح بمختلف مترادفاته في تلك المواقع ٥٩٣ مرة.
> ظل الاستخدام عاديا ولا يثير الانتباه طوال العام، لكنه أصبح كثيفا وملحوظا خلال الأشهر الأخيرة من العام (أكتوبر ونوفمبر وديسمبر)، فخلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام كان معدل ظهور المصطلح يتراوح بين ١٤ و٢٢ و٣٦ مرة، لكن المؤشر ارتفع كثيرا في الأشهر الثلاثة الأخيرة، حين ظهر «هدم الدولة»، ٦٨ مرة في شهر أكتوبر و١٠٤ مرات في شهر نوفمبر و١٧٩ مرة حتى مساء ٢٢ ديسمبر.
> معدل ظهور المصطلح في مواقع الصحف اليومية خلال الفترة ذاتها كان كالتالي: المصري اليوم ٨١ مرة ــ الوطن ٤٩ مرة ــ اليوم السابع ٤٩ مرة ــ البوابة ٣٤ مرة ــ الأهرام ٢٥ مرة.
(٣)
أنبه إلى أن تلك النتائج أولية وتقريبية، ومع ذلك نستطيع أن نستخلص منها إذا تأكدت عدة ملاحظات هي:
< إن مصطلح هدم الدولة أخذ مكانه في لغة الخطاب الإعلامي بحيث أصبح يستخدم في سياق التنديد والاتهام تارة أو التنبيه والتخويف تارة أخرى. وفي الحالتين فإنه يراد به تعبئة الرأي العام واستنفاره لكي يحتشد حول الدولة ويهب دفاعا عنها.
< إن كثافة استخدام المصطلح كانت محدودة في بدايات العام، ولكنها تضاعفت في الأشهر الأخيرة من العام. وهذا التفاوت في مؤشرات الاستخدام راجع إلى ارتفاع نبرة التململ والغضب في الأشهر الأخيرة لأسباب عديدة منها التوسع في انتهاكات حقوق الإنسان وتعدد حالات القتل خارج القانون إضافة إلى الحرب التي أعلنت على منظمات المجتمع المدني، وكذلك التململ والضيق الذي عبر عنه الرأي العام بسبب صدمة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير. أما العنصر الأكثر أهمية في إشاعة الغضب فقد تمثل في الغلاء الذي عانى منه الجميع وتعويم الجنيه الذي زاد الطين بلة. وتلك عوامل أضعفت كثيرا من موقف السلطة التي حملت بالمسؤولية عن كل ذلك. لذلك فإن القائمين على الأمر حاولوا امتصاص ذلك الغضب من خلال التلويح بأن خطر هدم الدولة يلوح في الأفق، الأمر الذي يستدعى التفافا حولها وليس انتقادها أو الغضب منها. آية ذلك أن البحث الذي أجرى بيَّن أن معدل النشر اليومي لمصطلح هدم الدولة ظل يتزايد طرديا مع تنامي مؤشرات الغلاء وتدهور قيمة الجنيه المصري عقب تعويمه، ففي حين أن المعدل في بداية العام وحتى منتصفه تراوح بين ٠.٥ و١.٢٪ فإنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة بدأ بـ٢.٣٪ مع رفع الدعم عن السلع في شهر أكتوبر، ثم ارتفع إلى ٣.٥٪ في شهر نوفمبر الذي تم فيه تعويم الجنيه ووصل في شهر ديسمبر إلى ٦٪ بعدما اقترب سعر الدولار من ٢٠ جنيها، بما يعنى أنه كلما استحكمت الأزمة، تعالت الأصوات المحذرة من خطر هدم الدولة.
< إضافة إلى رسائل التحذير من الخطر المفترض التي توجهنا أجهزة التوجيه المعنوي عبر قنوات التلفزيون فإن الصحف الخاصة تؤدي دورا موازيا في ذات الاتجاه. وهي في ذلك تتقدم على الصحف القومية التي تراجعت مصداقيتها لارتباطها المباشر بالسلطة، فضلا عن تراجع توزيعها، لذلك فإن التحذير من هدم الدولة كان أشد وضوحا في جريدة «المصري اليوم» وبعدها صحيفتا «الوطن» و«اليوم السابع» ثم البوابة تليها الترتيب جريدة «الأهرام»، وقد لاحظت أن صحيفة «الشروق» لم تذكر في تلك القائمة.
(٤)
المفارقة التي ينبغي أن تستوقفتا في الموضوع أننا نتعامل مع مصطلح لا أصل له في العلوم السياسية، وإنما هو بمثابة قنبلة صوتية ليس أكثر. أعنى أن له دويّه حقا، لكنه بلا مضمون حقيقي. ذلك أن الدولة في بديهيات العلوم السياسية لها مقومات ثلاثة هي الإقليم والشعب والنظام السياسي الذي يقوم عليه. وهدم الدولة إذا أخذ على محمل الجد لا يتحقق إلا باختفاء العوامل الثلاثة، وهو أمر مستحيل من الناحية العملية. وجيلنا عايش تغير خمسة أنظمة تتابعت على مصر ولم يقل أحد أن الدولة هدمت. أتحدث عن النظام الملكي ثم الجمهوري الذي بدأ بالمرحلة الناصرية ثم الساداتية والمباركية، وفي أعقاب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ شهدنا حكم الإخوان الذي جرى إسقاطه في ٣٠ يونيو ٢٠١٣. وخلال تلك الرحلة ألغى النظام الملكي وهزم الجيش في عام ٦٧ وقتل السادات وخلع مبارك وأقصى الإخوان عن السلطة، وظلت الدولة كما هي.
مشكلة المصطلح تكمن في أنه ثمرة تغليط خلط بين الدولة والنظام، في حين أن الأولى كل والنظام جزء. وذلك تغليط شائع في الدول غير الديمقراطية، حيث تختزل الدولة في النظام الذي يديرها، وأحيانا في شخص القائد الذي يحكمها. وهو اختزال غير بريء يعمد إلى تحصين النظام أو الزعيم ضد أي نقد. إذ يصبح النقد أو المعارضة في هذه الحالة جريمة ضد الدولة تستحق العقاب المشدد. وبسبب ذلك الخلط فإن دور أمن الدولة أصبح محصورا في أمن النظام والقائمين عليه.
بسبب ذلك الاختزال فإن مصطلح هدم الدولة صار تعبيرا مراوغا وفضفاضا يفتح الباب لملاحقة كل من لا يرضى عنه النظام ويصورهم بحسبانهم متآمرين على الدولة. كما أنه يوهم الرأي العام بأن الوطن كله في خطر، الأمر الذي يستنفر الناس ويدفعهم إلى الاصطفاف وراء الحكومة وتأييد قمع «المتآمرين».
ليس مصطلح هدم الدولة الأسطورة الوحيدة التي تلوح في الفضاء المصري، لأن لدينا أساطير عدة أطلقتها أجهزة التوجيه المعنوي في ظروف سابقة وكان لها دورها في تشكيل الإدراك وتشويهه. وحكاية الحرب الأهلية الموشكة في مصر، وحروب الجيل الرابع التي تتعرض لها البلاد وتآمر أجهزة مخابرات الدول الكبرى عليها، من نماذج تلك الأساطير.
سأكون مسرورا لو ثبت خطأ ما ذكرت، لكن أرجو ألا تحرمني من قبول «شرف المحاولة».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1113
| 18 أكتوبر 2026