رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدأت الجهات المعنية بالدولة منذ عقدين تقريباً في سنّ قوانين وتشريعات لردع العابثين بالبيئة والمدمرين لها وذلك بفرض غرامات مالية كبيرة وحجز سيارات ومراكب ووقف تراخيص شركات وغيرها من الإجراءات الرادعة التي ساهمت وبشكل ملحوظ في الحفاظ على الحياة الفطرية وإعادة بيئتنا القطرية نسبيّاً إلى سابق عهدها.
هذه الإجراءات ساهمت أيضاً في نشر الوعي البيئي بين السكان حيث أصبحنا نرى مبادرات بيئية شخصية — فردية وجماعية — يتنافس فيها المواطن والمقيم للحفاظ على البيئة الهشّة من التدمير الأمر الذي انعكس إيجاباً على الفرد والمجتمع وأصبح تركيز الفرد الآن هو على كيفية المساهمة في الحفاظ عليها عن يقين في نفسه بأهميتها، سواء كان متنزِّهاً في البر أو "قانصا" أو صاحب حلال أو صائدا للأسماك في عمق البحر أو الساحل.
ومن أهم النتائج الإيجابية لهذه الإجراءات هي عودة رُوض قطر المعروفة كما كانت منذ عقود بعد أن أنهكها الرعي الجائر والاحتطاب العشوائي والتدمير عن طريق الدهس بالسيارات أو المعدات أو تجريف تربتها الطينية الخصبة وسرقتها، فقد عادت الآن غابات غنّاء تسرّ الناظر وتوفّر ملجأ آمناً للطيور والحيوانات البرية وكذلك متنزهاً طبيعياً لايُملّ.
وبالرغم من كل هذه القوانين والتشريعات إلا أننا نتفاجأ هذه الأيام بأعمال تخريب وتدمير مشرعن لبيئتنا البرية عن طريق شركات تم منحها امتيارا للعبث بإرثنا البيئي وتخريبه بل وسرقته على رؤوس الأشهاد ودون الاكتراث بعواقب هذا العبث وتأثيرة الكارثي.
دعاني أحد الأصدقاء منذ أيام إلى زيارته في رحلة برية جنوب قطر بعد أن اعتدلت الأجواء نسبياً وأكد على حضوري قبل مغيب الشمس لكي نستمتع بمنظر الغروب، وقد اختار صديقي منطقة "النقيان" المعروفة بكثبانها الرملية الذهبية الناعمة والنادرة التي تعد مقصداً ومتنزها طبيعياً لجميع أهل قطر وملاذاً هادئاً للعائلات والسياح أيضاً فهي تعد كنزا وإرثا بيئيا قوميا لأهل قطر وللأجيال القادمة نظراً لندرتها وقلة عددها كذلك.
وقد تعوّدت منذ نعومة أظفاري على الذهاب للنزهة و"الكشتة" في منطقة النقيان التي ربّانا آباؤنا وأجدادنا على المحافظة عليها ضد أي عبث لكونها بيئة هشة جداً وليست ملكاً لأحد دون آخر وعلينا جميعاً أن نتحمل مسؤولية صيانتها من العبث ورعايتها من التخريب، خاصة بأن الكثبان الرملية هذه تكوّنت عبر مئات أو آلاف السنين وتجريفها أو تخريبها يعني انتظار نفس المدة لتعود كما كانت عليه.
وصلت إلى منطقة "النقيان" عصراً وما ان سلكت الطريق القديم الذي يتجه غرباً إلى منطقة "الخرارة" حتى هالَني المنظر الذي لم أر مثله من قبل، عدد هائل وطابور طويل جداً من الشاحنات التي ترى أولها ولا يمكن أن ترى آخرها وهي تنتظر دورها لابتلاع أحد الكثبان الرملية الشهيرة هناك، وما صعقني أكثر هو أنه تم دك الأرض لمسافة عدة كيلومترات لكي يتسنى لهذه السلسلة الطويلة من الشاحنات الوصول إلى الكثبان الرملية من دون أدنى مراعاة لشروط الدك التي تشترطها وزارة البلدية والبيئة في مشهد مأساوي ومؤلم لم أكن أتوقع أن يحدث في ظل ما تم سنّه من قوانين ضد مخربي البيئة والعابثين بها.
لا أعلم ما المشاريع التي استدعت تجريف هذا الكم الهائل من الرمال ولكنني متأكد بأن هذا الدمار البيئي غير المحسوب العواقب — من تغيير لمعالم الأرض عن طريق تجريف الرمال ودك للتربة السطحية التي تحوي بذور النباتات الطبيعية وتقليبها وبعثرتها — بحاجة لعشرات إن لم تكن مئات من السنين لتنتهي آثارة، فمساحة قطر صغيرة والحياة الفطرية بدأت تنقرض ولم يبق منها إلا ما هو موجود في المحميات الطبيعية المحدودة جداً وإن استمر هذا التخريب الممنهج ستنتهي هذه الحياة الفطرية إلى الأبد خلال فترة بسيطة.
إن ما يحدث الآن من استنزاف لثرواتنا الطبيعية من تجريف للكثبان الرملية ومصانع للرمل تكشط التربة السطحية وتفنيها وكسارات حصى تحفر الأرض وتثير الغبار الضار والقاتل للنبات والحيوان وغيرها من الصناعات هو مناقض تماماً لتوجهات القيادة العليا التي دعت للتحول التدريجي من الاستهلاك — البحت للموارد بغرض تكثيف وتغزير الإنتاج إلى الاستهلاك المستدام أو ما يسمّى " الالتزام بنمط استهلاك وانتاج مستدام".
ما شاهدته منذ أيام يعد كارثة بكل المقاييس وإجراما حقيقيا بحق البيئة يجب أن يتوقف فوراً مهما كلّف الثمن، حتى لو اضطررنا إلى استيراد الرمال والحصى من الخارج فبيئتنا غالية وما سندفعه من أموال الآن للحفاظ عليها قد ندفع أضعافه لاحقاً من مقدّراتنا وصحة أجيالنا القادمة ونمط معيشتها، وإن لم نتدارك هذا الأمر ونعمل على تصحيح الأوضاع الحالية فلن نصل إلى ما نطمح إليه من تنمية مستدامة نوازن فيها بين الاستهلاك والإنتاج، وسنبقى مستهلكين للموارد مدمّرين للبيئة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2139
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1170
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026