رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدو أنفاس سكان العالم هذه الأيام متلاحقة وقلوبهم وجلة، ليس بسبب الحرب المستعرة في أوكرانيا فحسب فتلكم كارثة يجب وقفها، ولكن كذلك بسبب تعثر محاولات إحياء الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الموقع في 2015 بعد سلسلة مفاوضات شاقة استمرت 12 عاما، وقد اجهز عليه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 2018 بجرة قلم.
وبدأ الجدال حول إعادة إحيائه، كجدال بني إسرائيل حين أمروا أن يذبحوا بقرة، ولو أنهم جاءوا بأي بقرة من البقر فور أمرهم فذبحوها، لكانت إياها، ولكنهم شددوا على أنفسهم وبالغوا جدالا وتساؤلا في تبيان ماهية البقرة، فشدد الله عليهم، والجدال مثل الطرق الفرعية، لا تعرف أبدا إلى أين ستوصلك.
إن أهمية هذا الاتفاق لا تعني فقط طهران وواشنطن، وإنما تعني العالم أجمع، لخفض التوتر الدولي الذي بلغ أوجه مع تصاعد الحرب في أوكرانيا وتطاولها دون أي إشارات لأي جهود دبلوماسية تحل محل قعقعات السلاح. ورغم أن هذا الاتفاق الدولي كان قد شمل 7 دولا مؤثرةً، وهي إيران والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين، إلا أنها ظلت في خضم الجدال أقرب إلى مقاعد المتفرجين. ولعل الحديث عن إحياء الاتفاق بدا مستندا إلى نقطة مهمة، وهي أن عدم انسحاب إيران من الاتفاق في السابق مقابل انسحاب واشنطن، أبقى إمكانية إحيائه ثانية واردة، ولذلك بقى للاتفاق اعتبار ما رغم انسحاب واشنطن، أما إذا ما كانت إيران قد انسحبت وحدها فإن الاتفاق حتما كان سيكون في حكم المنتهي ولو تمسكت به الدول الست الأخرى بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.
ولو أن دولة بحجم الصين اتخذت نهجا إيجابيا ودعمت التوازن لحال ذلك دون طغيان عبث الجدال وتأثير دولة مثل إسرائيل على القرار الأمريكي، لكن الصين ظلت تستعصم بالمواقف الرمادية التي لا تتناسب مع قوتها العسكرية والاقتصادية وثقلها البشري، فحتى في شأن قضية بسيطة كمخاطبة الرئيس الأوكراني لجلسة مجلس الأمن الأسبوع الماضي اتخذت فيها بكين موقف الامتناع عن التصويت، فما بال الحال عندما تفعل ذات الشيء في قضايا تحدد مصائر هذا العالم المضطرب والموبوء بازدواجية المعايير؟.
والمقلق وصول حالة عدم الثقة بين الأطراف المتجادلة لمستوى مرتفع، فقد نتجت عن هذه الحالة محاولات للأطراف المعنية لإدراج قضايا لم تكن مضمنة في الاتفاق الأصل بل بعضها لا علاقة له بالقضية النووية أصلا، وفيما تقول إيران إنها ستقبل برقابة على برنامجها النووي في إطار ما جاء بالاتفاق النووي بدون زيادة أو نقصان، تقول واشنطن إنها تتفهم مخاوف إسرائيل، وأن أي مشكلة في الشرق الأوسط سيصعب حلها في ظل وجود إيران مسلحة نوويا، بيد أن واشنطن وحدها ومن جانب واحد تعتقد متغابية أن المنطقة ستبقى مستقرة وآمنة مع امتلاك إسرائيل لترسانة نووية لا يعلم مدى ضخامتها وغير خاضعة لولاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن الصعب إقناع طرف في المنطقة بعدم اقتناء السلاح النووي ما دامت إسرائيل تقتنيه بدون رقابة أو حتى عتب، ومن النقاط الشائكة في جدال إحياء الاتفاق النووي مستوى ومدى عمليات التفتيش التي من المفترض أن تقوم بها الأمم المتحدة عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في منشآت إيران النووية.
ولعل اهتمام إيران بإحياء هذا الاتفاق يشير إلى سعيها لإلغاء إجراءات الحظر عليها التي ألغاها الاتفاق في نسخته الأصلية وكانت قد وافقت على تجميد برنامجها النووي، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها ولعل العقوبات الأمريكية هي الأقسى والأوجع، ولذلك فإن ما يهم طهران هو بقاء واشنطن ملتزمة بالاتفاق وفي ذات الوقت ترفض إحياء الاتفاق إن لم يؤد إلى رفع الحظر عليها أو إبقائه تحت أي مسمى آخر.
وفيما يبدو أن إيران تتحدث بلسان واحد وهذا قد يكون مؤشرا على التزامها بالاتفاق، فإن الإدارة الأمريكية الديمقراطية تواجه مقاومة داخلية مما يشي باحتمال تنصل لاحق في حال فوز الجمهوريين بفترة رئاسية مستقبلا، وهذا ما حدث بالفعل في عهد الرئيس الجمهوري ترامب، وكان الاتفاق المراد إحياؤه قد تم في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما. واليوم يقول العضو الجمهوري في مجلس الشيوخ الأمريكي، تيد كروز، إن العودة للاتفاق النووي الإيراني ستكون لها آثار كارثية على الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وأمن الأمريكتين.
ليس هذا فحسب ولكن المعضلة الأكبر قدرة إسرائيل على إثارة النقع كلما اقترب الطرفان من توقيع أي اتفاق، ففي الأسبوع الماضي قام وزير الدفاع الإسرائيلي بزيارة أمنية سياسية إلى الولايات المتحدة القصد منها عرقلة الاتفاق والتخويف منه. ومن قبل لم يخف الكاتب والسناتور السابق بول فندلي شيئا عن تغلغل اللوبي الإسرائيلي في الدولة الأمريكية عبر كتابه الشهير "من يجرؤ على الكلام"، فقد حدد في ذلك الكتاب مواقع النفوذ الإسرائيلي في المؤسسات الأمريكية، محدداً النسب المئوية التي تشغل مؤسسات الرئاسة والبنتاغون بعناصر من اليمين المسيحي المتعاطفة مع إسرائيل، وذكر أن ما نسبته 30 % من هؤلاء الذين يشغلون وظائف مهمة في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). فضلا عن تغلغله في وسائل الإعلام وقنوات الاقتصاد وغيرها، فذلك اللوبي يشكل قوة ضغط هائلة على صناعة القرار، في أخطر مفاصل الدولة الأمريكية.
وترى إسرائيل أن الاتفاق يبقي على إيران محتفظة بمنشآتها النووية، وأنه يسمح لها بتطوير قدراتها النووية التي لم تتعرض للتفكيك، كما أن القيود على برنامجها النووي مؤقتة وإن أبرزها وينتهي بأجل محدد، فإسرائيل تهدف في الأساس إلى أن يلقى البرنامج النووي الإيراني نفس مصير البرنامجين العراقي والليبي، ولا تخفي إسرائيل قلقها من أن الاتفاق قد يضفى شرعية على مكانة إيران كدولة على حافة قدرات نووية ولن يعطيها ذلك مستقبلا مبررا لشن هجوم عسكري على إيران.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2250
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1524
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1137
| 11 أكتوبر 2026