رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في جلسة واحدة يفتح الناس قلوبهم لبعضهم البعض، قد تتعرف على أنواع من (الجور) يمارسها الخلق على الخلق مستندين لسطوة طرف على آخر، سمعتها وهي تدعو عليه ليلة العيد بعد أن أوجعها بكلامه، وقهرها بجوره، وهي التي ما بخلت عليه حتى بذهبها الذي باعته له لتفك ضائقته، في الجور كلام كثير فقد يجور الزوج على زوجته وأولاده بالحرمان من الضروري، والتقتير عليها وحسابها على (البيزة)، بينما ينفق على نفسه إنفاقاً بازخاً، ليستمتع قدر ما يستطيع مع أصحابه خارج البيت بسخاء مفرط، ويد مبسوطة عليه، مغلولة عليها!
قد يجور الشاهد فيداري شهادة الحق لينطق بالهوى فتختل مصائر القضايا! وقد يجور الأولاد بعقوق الآباء فلا رعاية، ولا عناية، ولا رحمة، ولا نفقة، ولا حتى سؤال! وقد يجور المسؤول فيهتم بالإغداق بالترقيات، والزيادات على موظف (مشلط لشغله) بدواعي الواسطة، أو القرابة، أو لخدمات خارجية يقدمها الموظف تحبباً وتقرباً بينما يغمط حق موظف يقوم بعمل عشرة – عادي – (مالوش ضهر)! قد يجور البائع فيطفف ميزانه ويأخذ أكثر من حقه! قد يجور الآباء في توزيع أنصبة تركاتهم التي يفضلون توزيعها في حياتهم ليظلموا بعض أبنائهم ظلماً بيناً! وقد يجور الشركاء فيبتلع بعضهم حق بعض مستندين إلى عزوتهم أو قوتهم!
كثير هو الظلم، كثير وياما كسر الدعاء رقبة ظلام استقووا على ضعف الناس بجبروتهم وسلطانهم، وقوتهم، اذكر الحكاية الشهيرة لعجوز كان لها بستان، أصبحت يوماً فوجدت أن (ابن الفرات) قد ضم بستانها إلى أرضه، ذهبت إليه تبكي وتولول وتشرح له – هذه مزرعتي، أنا عجوز حسيرة، كسيرة، لا عائل لي، ولا معاش لي إلا من هذا البستان.. لم يؤثر فيه رجاؤها ولا عويلها، لما وجدته مصمماً على ضم بستانها لزرعه غير آبه ببكائها قالت له سأدعو عليك، رد عليها مستهزئاً (لا تنسي أن يكون دعاؤك في الثلث الأخير من الليل) وظلت العجوز تستقبل القبلة وتدعو عليه شهراً بحرقة ما تعانيه من فقر وعوز بعد فقد ما كانت تعتاش منه، ثم كان القصاص العادل حيث شاع أمر الوالي وجوره، فأمر الخليفة بابن الفرات فقطع يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم قطع رأسه، وصودرت أملاكه!
قد يتصور سامع أو قارئ هذه الحكاية أنها من اللطائف، لكنها في الحقيقة تشير يقيناً إلى عظمة الدعاء وقدره وسهامه التي لا تخطئ صدر الجائر فتزلزله، أعرف بشراً يمكن أن يقبلوا من إساءات البشر الكثير الكثير إلا أن يدعو عليهم أحد، يرتعبون من الدعاء! ليتنا ومازال رحيق ثلاثين يوماً مضت حوالينا نتغير، وننأى عن الجور بكل أشكاله، وليت قلوبنا تنصت إلى صوت يقول:
لا تظلمن إذا ما كنت متقدراً
فالظلمُ عقاه إلى الندمِ
تنام عينُك والمظلومُ منتبهٌ
يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ
وبعد ما تقدم يا كل من تجرأ على حق الناس فظلم وجار (مش خايف)؟!
* * *
في رمضان تحدثوا كثيراً عن ليلة القدر التي يفرق فيها كل أمر حكيم، أي تقدر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام وفيها يكتب الأحياء، والأموات، السعداء والأشقياء، من كتب له عز أو كتبت عليه مذلة، وكذا الجدب أعاذنا الله منه. استوقفني كلام الرجل الطيب ليعتريني خوف، ويقبض على روحي وجل وأنا أتأمل حال الخلائق وقد بسطت بين يدي الرحمن لتكون القرارات المصيرية التي نحصرها نحن في دنيانا بالانتخابات، والامتحانات، ومناقشات الماجستير والدكتوراه، والمقابلات التي نحصل بعدها على وظيفة، فكرت ملياً في قرارات ليلة القدر المصيرية، هل انتبهنا لكلمة المصير هذه؟ هل تفهمنا أصلاً؟ هل نملك فراغاً بين آلاف من اهتماماتنا الفارغة لنفكر فيها؟ هل للمصير الذي قرر لنا مكان بين إشغالنا، وأولادنا، ومشاريعنا، وأحلامنا، وكل ما ندور في فلكه؟ قد تكون هذه الأسئلة بلا جواب (مشغولين بنشوف المسلسل) طيب هناك مسلسل آخر مجهول نحن أبطاله ونجومه وأحداثه بكل مآسيه أو أفراحه، هناك (مصيرنا) إما (نتلسوع) أو ننجو لا ثالث لهما!
خلاص صدر القرار الإلهي في ليلة القدر التي مضت بصالح أعمالنا أو طالحها، خلاص كتب السعداء، والأشقياء، الناجون والهالكون! (طب احنا فين؟) احنا مع مين؟ أسئلة صاروخية تدك رأسي والشيخ يشرح حال ليلة القدر ويبكي، تأملت من يدب منا على الأرض وفي رأسه وخزانته خطط، وانشغالات، وصفقات، وسفرات، وإنجازات متوقعة، وبناء دور وقصور، وقائمة مشاريع طويلة عريضة وقد كتب أنه مفارق وسينتقل من محطة الحياة إلى محطة السكون الأبدي (الموت)!
تأملت الناجين بعمل صالح ختم لهم به، والهالكين الذين غلبت عليهم شقوتهم بسوء طويتهم، تأملت السعداء الذين اكتشفوا مبكراً فخاخ الدنيا وكمائن فتنتها المنصوبة في كل درب فلم يقعوا في عشقها، تأملت الأشقياء الذين ضللتهم الدنيا بما لها، بمالها وبها رجعها، وأيام رخية تمنح كل المشتهى فارتموا تحت أقدامها خداماً يسألونها الرضا! تأملتنا ونحن نضحك حتى الإغماء وكفننا ينتظر من يشتريه ليسترنا بآخر ما نرتدي من خرق الدنيا قبل الكمون في البرزخ!
تأملتنا وقد أحاطتنا انشغالات الدنيا الباهتة فحرمتنا لحظة تأمل في كلمة كتبتها يد الرحمن في ليلة مضت اسمها (المصير) تأملت كل ما في بيوتنا من لهو، ولعب، وإلهاء، وشياطين إنس يجروننا بعيداً عن درب الأوبة والإنابة، تأملت كل ما يحرمنا من الانعطاف نحو لحظة صفاء قد يكون فيها إنابة القلب بالدعاء، تأملت العثرات، والحفر، والفخاخ، ولمة اللهو والغواية، تأملتنا وسألت أين نحن من كشوف النجاح والرسوب، ماذا كتب لنا؟ ماذا كتب علينا، تحفر الأسئلة عميقاً في الروح ويتعملق سؤال جديد ماذا نفعل؟ ربما يكون مناسباً أن أقول فلنبدأ وكأننا ولدنا اليوم، فلنبدأ بطهارة الوليد، فلنكف الجوارح عن الأذى، ولنرجو الرحمن الرحيم أن يهبنا قلباً سليماً مبصراً عسى أن نكون من الناجين.
طبقات فوق الهمس
• في أحد المساجد فتحت صدفة مصحف (تفسير الجلالين) لأذهل مما رأيت فقد امتلأت آخر صفحة بالمصحف برسومات، ووجوه، وأشجار، ودوائر، وشخابيط، أما داخل المصحف فالأمر أنكى حيث وجدت خطوطاً تحت بعض كلمات الآيات، وفوقها كتب معناها بقلم أزرق! منتهى الاستهتار من الكبار الذين لم يفرقوا بين المصحف وكتاب المحفوظات، ومنتهى الاستهانة من صغار لم يعلمهم آباؤهم أن ثمة فرقاً مذهلاً بين دفتر الرسم وشخابيطه، وبين المصحف وقدسيته، هنا أكرر التحية للأوقاف لمنعها الأطفال دخول المساجد الذين أقل (بلاويهم) الرسم على المصاحف.
• على إحدى القنوات الدينية، لم أجفل منه، لم يصبني الملل من الاستغراق في خشوع مصنوع، لم أغير المحطة تابعته التقطت أذني ما يقوله براحة واطمئنان، قال شعراً ونثراً.
• إذا القلوب خلت من ذكر خالقها.. فهي الصخور التي تحتل أبدانا.
• السعيد من ترك الدنيا قبل أن تتركه.
• لا ينفع الندم بعد العدم.
• إذا عذبتنا كثرة الذنوب فلندعو، اللهم تجاوز عن كل شيء، واعفو عن كل شيء، واغفر كل شيء، ولا تسألنا يوم الحساب عن شيء.
• ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من ينأى عن المعصية وقد عُرضت عليه.
بعد رمضان
• لم تفلح استغاثات الناس رغم سقفها العالي جداً أن تخفض من الأسعار في شهر ثبت أنه يحتاج إلى ضرب المرتب في ثلاثة أضعافه حتى تستطيع أي أسرة توفير مستلزماتها المعيشية في رمضان، وإذا كان هناك بشر يتمنون ألا ينتهي رمضان، فالتجار على رأسهم، الذين ثبت إخلاصهم السنوي لشفط ما في جيوب الناس، لا فائدة من أي مناشدة لضبط الأسعار، ورغم أنفنا يسطو التجار على ما يرونه مناسباً لتعظيم ارباحهم بغض النظر إن كان المستهلك ميسوراً أو معذوراً، مستوراً أو يتكفف الجمعيات بماء وجهه المحزون، أصبح المستهلك يحس بأن كل شيء أصبح تجارة، المستشفيات الخاصة تجارة، المدارس الخاصة تجارة، الحج تجارة، العمرة تجارة، العيد مناسبة للتربح وعلى رأس الأرباح طبعاً (رمضان) الذي هو خارج المنافسة بكل ما يسلب من جيوبنا وندفعه طائعين أو كارهين، والله المستعان.
• للإخوة في (حماية المستهلك) رمضان مضى، والعيد مضى لماذا أسعار الخضراوات مازالت مشتعلة؟ لم يبق في جيوب الناس شيء يا سادة!!
من يجده يتصل بنا!
* الشتاء يملك قدرة عجيبة على تجديد طعم الأحزان، وتجديد لسعة الألم، وحرقة الفقد! لي مع نهايات العام... اقرأ المزيد
1759
| 02 يناير 2017
هل نحفل حقا برؤوس الشباب المبدع
• كان يتحدث عن الشباب الهامد الخامد الذي ينام عن الابداع، قلت ياسيدي: الابداع ابن بيئته، أولا ارزع... اقرأ المزيد
1627
| 26 ديسمبر 2016
رسالة من قدم!!!
كم طائرة يا ترى تحركت من مطارات الدنيا وثكناتها لتطفئ حريق إسرائيل شفقة ورحمة بسارقي الأرض العربية؟ كم... اقرأ المزيد
3629
| 19 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43467
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7110
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5379
| 13 سبتمبر 2026