رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في جلسة واحدة يفتح الناس قلوبهم لبعضهم البعض، قد تتعرف على أنواع من (الجور) يمارسها الخلق على الخلق مستندين لسطوة طرف على آخر، سمعتها وهي تدعو عليه ليلة العيد بعد أن أوجعها بكلامه، وقهرها بجوره، وهي التي ما بخلت عليه حتى بذهبها الذي باعته له لتفك ضائقته، في الجور كلام كثير فقد يجور الزوج على زوجته وأولاده بالحرمان من الضروري، والتقتير عليها وحسابها على (البيزة)، بينما ينفق على نفسه إنفاقاً بازخاً، ليستمتع قدر ما يستطيع مع أصحابه خارج البيت بسخاء مفرط، ويد مبسوطة عليه، مغلولة عليها!
قد يجور الشاهد فيداري شهادة الحق لينطق بالهوى فتختل مصائر القضايا! وقد يجور الأولاد بعقوق الآباء فلا رعاية، ولا عناية، ولا رحمة، ولا نفقة، ولا حتى سؤال! وقد يجور المسؤول فيهتم بالإغداق بالترقيات، والزيادات على موظف (مشلط لشغله) بدواعي الواسطة، أو القرابة، أو لخدمات خارجية يقدمها الموظف تحبباً وتقرباً بينما يغمط حق موظف يقوم بعمل عشرة – عادي – (مالوش ضهر)! قد يجور البائع فيطفف ميزانه ويأخذ أكثر من حقه! قد يجور الآباء في توزيع أنصبة تركاتهم التي يفضلون توزيعها في حياتهم ليظلموا بعض أبنائهم ظلماً بيناً! وقد يجور الشركاء فيبتلع بعضهم حق بعض مستندين إلى عزوتهم أو قوتهم!
كثير هو الظلم، كثير وياما كسر الدعاء رقبة ظلام استقووا على ضعف الناس بجبروتهم وسلطانهم، وقوتهم، اذكر الحكاية الشهيرة لعجوز كان لها بستان، أصبحت يوماً فوجدت أن (ابن الفرات) قد ضم بستانها إلى أرضه، ذهبت إليه تبكي وتولول وتشرح له – هذه مزرعتي، أنا عجوز حسيرة، كسيرة، لا عائل لي، ولا معاش لي إلا من هذا البستان.. لم يؤثر فيه رجاؤها ولا عويلها، لما وجدته مصمماً على ضم بستانها لزرعه غير آبه ببكائها قالت له سأدعو عليك، رد عليها مستهزئاً (لا تنسي أن يكون دعاؤك في الثلث الأخير من الليل) وظلت العجوز تستقبل القبلة وتدعو عليه شهراً بحرقة ما تعانيه من فقر وعوز بعد فقد ما كانت تعتاش منه، ثم كان القصاص العادل حيث شاع أمر الوالي وجوره، فأمر الخليفة بابن الفرات فقطع يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم قطع رأسه، وصودرت أملاكه!
قد يتصور سامع أو قارئ هذه الحكاية أنها من اللطائف، لكنها في الحقيقة تشير يقيناً إلى عظمة الدعاء وقدره وسهامه التي لا تخطئ صدر الجائر فتزلزله، أعرف بشراً يمكن أن يقبلوا من إساءات البشر الكثير الكثير إلا أن يدعو عليهم أحد، يرتعبون من الدعاء! ليتنا ومازال رحيق ثلاثين يوماً مضت حوالينا نتغير، وننأى عن الجور بكل أشكاله، وليت قلوبنا تنصت إلى صوت يقول:
لا تظلمن إذا ما كنت متقدراً
فالظلمُ عقاه إلى الندمِ
تنام عينُك والمظلومُ منتبهٌ
يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ
وبعد ما تقدم يا كل من تجرأ على حق الناس فظلم وجار (مش خايف)؟!
* * *
في رمضان تحدثوا كثيراً عن ليلة القدر التي يفرق فيها كل أمر حكيم، أي تقدر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام وفيها يكتب الأحياء، والأموات، السعداء والأشقياء، من كتب له عز أو كتبت عليه مذلة، وكذا الجدب أعاذنا الله منه. استوقفني كلام الرجل الطيب ليعتريني خوف، ويقبض على روحي وجل وأنا أتأمل حال الخلائق وقد بسطت بين يدي الرحمن لتكون القرارات المصيرية التي نحصرها نحن في دنيانا بالانتخابات، والامتحانات، ومناقشات الماجستير والدكتوراه، والمقابلات التي نحصل بعدها على وظيفة، فكرت ملياً في قرارات ليلة القدر المصيرية، هل انتبهنا لكلمة المصير هذه؟ هل تفهمنا أصلاً؟ هل نملك فراغاً بين آلاف من اهتماماتنا الفارغة لنفكر فيها؟ هل للمصير الذي قرر لنا مكان بين إشغالنا، وأولادنا، ومشاريعنا، وأحلامنا، وكل ما ندور في فلكه؟ قد تكون هذه الأسئلة بلا جواب (مشغولين بنشوف المسلسل) طيب هناك مسلسل آخر مجهول نحن أبطاله ونجومه وأحداثه بكل مآسيه أو أفراحه، هناك (مصيرنا) إما (نتلسوع) أو ننجو لا ثالث لهما!
خلاص صدر القرار الإلهي في ليلة القدر التي مضت بصالح أعمالنا أو طالحها، خلاص كتب السعداء، والأشقياء، الناجون والهالكون! (طب احنا فين؟) احنا مع مين؟ أسئلة صاروخية تدك رأسي والشيخ يشرح حال ليلة القدر ويبكي، تأملت من يدب منا على الأرض وفي رأسه وخزانته خطط، وانشغالات، وصفقات، وسفرات، وإنجازات متوقعة، وبناء دور وقصور، وقائمة مشاريع طويلة عريضة وقد كتب أنه مفارق وسينتقل من محطة الحياة إلى محطة السكون الأبدي (الموت)!
تأملت الناجين بعمل صالح ختم لهم به، والهالكين الذين غلبت عليهم شقوتهم بسوء طويتهم، تأملت السعداء الذين اكتشفوا مبكراً فخاخ الدنيا وكمائن فتنتها المنصوبة في كل درب فلم يقعوا في عشقها، تأملت الأشقياء الذين ضللتهم الدنيا بما لها، بمالها وبها رجعها، وأيام رخية تمنح كل المشتهى فارتموا تحت أقدامها خداماً يسألونها الرضا! تأملتنا ونحن نضحك حتى الإغماء وكفننا ينتظر من يشتريه ليسترنا بآخر ما نرتدي من خرق الدنيا قبل الكمون في البرزخ!
تأملتنا وقد أحاطتنا انشغالات الدنيا الباهتة فحرمتنا لحظة تأمل في كلمة كتبتها يد الرحمن في ليلة مضت اسمها (المصير) تأملت كل ما في بيوتنا من لهو، ولعب، وإلهاء، وشياطين إنس يجروننا بعيداً عن درب الأوبة والإنابة، تأملت كل ما يحرمنا من الانعطاف نحو لحظة صفاء قد يكون فيها إنابة القلب بالدعاء، تأملت العثرات، والحفر، والفخاخ، ولمة اللهو والغواية، تأملتنا وسألت أين نحن من كشوف النجاح والرسوب، ماذا كتب لنا؟ ماذا كتب علينا، تحفر الأسئلة عميقاً في الروح ويتعملق سؤال جديد ماذا نفعل؟ ربما يكون مناسباً أن أقول فلنبدأ وكأننا ولدنا اليوم، فلنبدأ بطهارة الوليد، فلنكف الجوارح عن الأذى، ولنرجو الرحمن الرحيم أن يهبنا قلباً سليماً مبصراً عسى أن نكون من الناجين.
طبقات فوق الهمس
• في أحد المساجد فتحت صدفة مصحف (تفسير الجلالين) لأذهل مما رأيت فقد امتلأت آخر صفحة بالمصحف برسومات، ووجوه، وأشجار، ودوائر، وشخابيط، أما داخل المصحف فالأمر أنكى حيث وجدت خطوطاً تحت بعض كلمات الآيات، وفوقها كتب معناها بقلم أزرق! منتهى الاستهتار من الكبار الذين لم يفرقوا بين المصحف وكتاب المحفوظات، ومنتهى الاستهانة من صغار لم يعلمهم آباؤهم أن ثمة فرقاً مذهلاً بين دفتر الرسم وشخابيطه، وبين المصحف وقدسيته، هنا أكرر التحية للأوقاف لمنعها الأطفال دخول المساجد الذين أقل (بلاويهم) الرسم على المصاحف.
• على إحدى القنوات الدينية، لم أجفل منه، لم يصبني الملل من الاستغراق في خشوع مصنوع، لم أغير المحطة تابعته التقطت أذني ما يقوله براحة واطمئنان، قال شعراً ونثراً.
• إذا القلوب خلت من ذكر خالقها.. فهي الصخور التي تحتل أبدانا.
• السعيد من ترك الدنيا قبل أن تتركه.
• لا ينفع الندم بعد العدم.
• إذا عذبتنا كثرة الذنوب فلندعو، اللهم تجاوز عن كل شيء، واعفو عن كل شيء، واغفر كل شيء، ولا تسألنا يوم الحساب عن شيء.
• ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من ينأى عن المعصية وقد عُرضت عليه.
بعد رمضان
• لم تفلح استغاثات الناس رغم سقفها العالي جداً أن تخفض من الأسعار في شهر ثبت أنه يحتاج إلى ضرب المرتب في ثلاثة أضعافه حتى تستطيع أي أسرة توفير مستلزماتها المعيشية في رمضان، وإذا كان هناك بشر يتمنون ألا ينتهي رمضان، فالتجار على رأسهم، الذين ثبت إخلاصهم السنوي لشفط ما في جيوب الناس، لا فائدة من أي مناشدة لضبط الأسعار، ورغم أنفنا يسطو التجار على ما يرونه مناسباً لتعظيم ارباحهم بغض النظر إن كان المستهلك ميسوراً أو معذوراً، مستوراً أو يتكفف الجمعيات بماء وجهه المحزون، أصبح المستهلك يحس بأن كل شيء أصبح تجارة، المستشفيات الخاصة تجارة، المدارس الخاصة تجارة، الحج تجارة، العمرة تجارة، العيد مناسبة للتربح وعلى رأس الأرباح طبعاً (رمضان) الذي هو خارج المنافسة بكل ما يسلب من جيوبنا وندفعه طائعين أو كارهين، والله المستعان.
• للإخوة في (حماية المستهلك) رمضان مضى، والعيد مضى لماذا أسعار الخضراوات مازالت مشتعلة؟ لم يبق في جيوب الناس شيء يا سادة!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
13698
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3891
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026