رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يدخل يوم 15 يوليو الجاري التاريخ من أوسع أبوابه، لأنه شهد محاولة انقلاب فاشلة في تركيا، بل لأن الشعب بكافة أطيافه نزل إلى الشوارع وأجهض تلك المحاولة.
لم يشهد تاريخنا مثل هذا الحدث، فالناس أوقفت بأيديها الدبابات وصدّت القنابل، لتنقذ البلاد من كارثة كبرى. لم تنقذ بلدنا فحسب، بل المنطقة أيضًا من فوضى عارمة.
الانقلاب كان ضد العالم الإسلامي أيضًا
لو تحولت تركيا، إلى منطقة فوضى كتلك التي تشهدها العراق، وسوريا، ومصر، وليبيا، واليمن، لتلقى العالم الإسلامي ضربة كبيرة أخرى، لأن أكبر اقتصاد وجيش وقوة سياسية في العالم الإسلامي، كانت ستطوى وتصبح مجرد صفحة في كتب التاريخ.
لهذا السبب لم تكن محاولة الانقلاب العسكري تلك موجهة فقط ضدّ تركيا، بل كانت تستهدف العالم الإسلامي كله، كانت ضربة كتلك التي وجهت إلى مصر، واليمن، وليبيا. لقد كانت تلك المحاولة الضربة الأخيرة التي تستهدف مشروع تحقيق الاستقرار في العالم الإسلامي، والحمد لله باءت المحاولة بالفشل.
هذه العملية لم تنته بعد، فالجهود المبذولة لخلق حالة عدم الاستقرار لا تزال مستمرة. الآن، تبذل جهودٌ حثيثة من أجل خلق أجواء صراع بين السنة والعلويين، وبين الأتراك والأكراد.
إنه لمن المثير للاهتمام، أن توقف منظمات إرهابية مثل "داعش" و"بي كا كا" و"جبهة التحرر الشعبي الثورية" اليسارية المتشددة نشاطاتها ضد تركيا خلال فترة المحاولة الانقلابية الفاشلة، وبعد فشل تلك المحاولة عاودت تلك المنظمات شن هجماتها ضد تركيا، إن هذا يعد مؤشرًا هامًا يؤكّد أن تلك المنظمات تدار من المركز نفسه.
إن تركيا تبدي مقاومة كبيرة، تركيا شعبًا وحكومة في الشوارع، تستعد بحذر بعد أن قرعت جرس الإنذار، أبناء الشعب يتناوب على حراسة البلد كل ليلة، ويقولون لن نرجع إلى بيوتنا حتى يقول الرئيس أردوغان "تستطيعون العودة إلى بيوتكم بعد الآن".
ما الذي يحدث إذا ما سقطت تركيا؟
لقد تقسمت العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن بشكل فعلي، فيما تبذل المساعي لتشكيل عشرات الدول الجديدة في المنطقة، كما أن من أبرز أهداف المحاولة الانقلابية الفاشلة هو تقسيم تركيا وفصلها عن مناطقها الشرقية والجنوب الشرقية، في الوقت الذي ينتظر فيه آلاف المسلحين الشيعة وعناصر "داعش" في سوريا والعراق، من أجل مهاجمة تركيا، كانت النية احتلال مناطقنا الشرقية.
جميع هذه المخططات كانت ستدرج على جداول الأعمال، وفي خضم حالة الفوضى تلك، كانت ستعلق عضوية تركيا في حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وسيطوى ملف انضمامها لعضوية الاتحاد الأوروبي كبلد مُرَشَّح، وسيتم عزلها وتهميش دورها، كان سيتم التخلي عنها وتركها وحيدة أمام الإرهاب وعواصف الفوضى، انظروا ماذا كانوا ينوون فعله بالاقتصاد الـ17 على مستوى العالم، بهذا البلد الذي يبغ عدد سكانه نحو 78 مليون نسمة، بأقوى دولة في العالم الإسلامي، نعم.. نحن أيضًا مازلنا نعيش على وقع الصدمة.
لهذا السبب نقول دائمًا، ما لم نخلق وحدة وتعاونًا مشتركًا فسوف يتم تفتيت دولنا لتصبح في مهب الريح، لم تعد تلك الأفكار تعبر عن "نظرية مؤامرة"، بل إنها مخططات بدأ تنفيذها الآن على أرض الواقع.
من وراء الانقلاب؟
هل كان من الممكن لمنفذ هذه المحاولة فتح الله غولن، الذي يعاني من مرض الفصام، أن ينجح؟ ليس من الممكن أن تكون الأساليب والإستراتيجية والوسائل الاستخباراتية التي تم اتباعها عن تشكيل هذه المنظمة من بنات أفكار غولن، منذ البداية كانت هذه المنظمة تتلقى دعمًا من المخابرات الأجنبية، وتنفيذ التكتيكات التي تملى عليها، إن هذا العقل المدبر لكل هذا لم يخرج من تركيا أو العالم الإسلامي، حتى حسن الصباح لم يكن يمتلك القدرة على تنفيذ كل هذه المخططات.
إن من قاد ودعم هذه المنظمة هو عقل يهودي نجح طيلة آلاف السنين في إخفاء نفسه والبقاء كأقلية، وعقل إنجليزي تمكن من خلق صلات قوية والتحكم بموازين القوى الدولي.
لنقل أن كل هذا عبارة عن توقعات ونظريات، لكن علينا بالمقابل أن نذكر بأن زعيم هذه المنظمة يعيش منذ 16 عامًا في الولايات المتحدة، ويدير تلك المنظمة منها، ومنها أيضًا تمكن من افتتاح عدد كبير من المدارس والمؤسسات في أكثر من 200 بلد حول العالم، ليصبح قوة عالمية، لقد أصبح عبارة عن منظمة منضبطة ومميتة ومؤسساتية خطيرة، تعمل بمنهجية عالية.
لماذا تقدم الولايات المتحدة دعمها لغولن؟
اعترفت العناصر المنتمية لمنظمة غولن، والتي كانت موجودة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والقضائية، بأنها على علاقة بتلك المنظمة وأنهم من الأشخاص الذين ترعرعوا في مؤسساتها. كما أن منفذي محاولة الانقلاب وضعوا فوهات أسلحتهم على رأس رئيس أركان الجيش التركي، خلوصي أقار، وعرضوا عليه التحدث هاتفيًا مع غولن، لكن أقار رفض العرض.
لا يساورنا أي شك بأن منفذ هذه المحاولة الانقلابية على الأرض هو فتح الله غولن.
وبالمقابل، ماذا كان رد الولايات المتحدة التي تستضيف غولن على أراضيها (في ولاية بنسلفانيا) على طلب أردوغان بضرورة تسليم ذلك الشخص إلى تركيا فورًا؟ كان ردها أن قدموا طلبًا رسميًا من أجل إعادته، وبعد تقديم الطلب هناك إجراءات قانونية لابد من اتباعها، تعقبها إجراءات قضائية.. إلخ، إنهم أرادوا القول إنهم لا يرغبون بإعادته، لكن بطريقة غير مباشرة.
عندما أعلن عن بدء محاولة الانقلاب لم يصدر عن العالم الغربي أي إدانة جادة في هذا الإطار، وبدلًا من إدانة الانقلاب كان التصريح الأول للولايات المتحدة هو "نحن نريد الاستقرار"، أي أنها ألمحت أنه على استعداد لأن تقف إلى جانب الفائز، لكن وبعد أن فشل الانقلاب، وجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه مجبرًا لأن يقول:"نحن ندعم الحكومة المنتخبة!"، ومجددًا لم يتمكن من القول إنه على استعداد لتسليم غولن إلى تركيا.
تركيا تنتظر إجابات من هذه البلدان
حسنًا، هل هذه هي الطريقة التي تتصرف بها البلدان المتحالفة معنا؟ هل هذا هو الأسلوب الذي تتصرف فيه البلدان المؤيدة للديمقراطية؟
لا، لقد رأينا بأم أعيننا أن أيًا من تلك البلدان ليست صادقة تجاه الديمقراطية، وليست من بين الحلفاء الصادقين.
والآن وبعناية فائقة، نترقب ما الذي ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإسرائيل وبريطانيا وحلف شمال الأطلسي بفعله، وبعدها سنتخذ قرارات حول مستقبلنا.
أمازال العالم الإسلامي لم يستيقظ من كبوته؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9372
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2016
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1119
| 06 أكتوبر 2026