رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد الربيع العربي،كثر الحديث عن أهمية تطبيق الديمقراطية، كالممارسة السياسية الانتخابية، والحق الطبيعي في الاختلاف، وكفالة حرية الرأي والتعددية السياسية، وغيرها من الآليات التي تدخل في اختصاص الديمقراطية وممارساتها في التعبير السياسي والإجرائي، لأنها ستبعد الاحتقان والتوتر، والأزمات السياسية التي عصفت بعدة دول عربية، ولا تزال عواصفها قائمة، ولأسباب معروفة ومتعددة والأوجه والمشارب، لكن يبدو أن تطبيق الديمقراطية يواجه الكثير من المشكلات العميقة لأسباب عديدة، منها أن القبول بالتعدد والتنوع لايزال يلقى التخوف وعدم التقين من تطبيقاته للتداول السلمي للسلطة.
والحقيقة أن الاهتمام بتطبيق الديمقراطية في الوطن العربي مسألة مهمة للإصلاح السياسي، وإيجاد المناخ السلمي للتعبير ، وإبعاد الاحتقان السياسي المتمثل في العنف والإرهاب والتوتر وعدم الاستقرار الذي تعانيه الكثير من المجتمعات العربية بسبب هذه الأزمة وتوابعها العديدة . وقد تأخر مشروع الديمقراطية في أوطاننا العربية، ولم توضع الأسس التخطيطية، لتنمية جيدة ومتكاملة، وتراكمت الأخطاء حتى ما عرف بالربيع العربي الذي لم ترصده حتى مراكز الأبحاث الدولية التي كانت كما يقال عنها أنها أقدر على التنبؤ بالحراك السياسي في عالم اليوم.
فبعد الاستقلال، وقيام الدولة الوطنية، فإنها أي الدولة الوطنية ـ القطرية ـ بدلاً من استكمال مشروع الديمقراطية القائم، وتطوير وتطهير ـ كما زعم من فساد الحياة السياسية للدولة التقليدية ـ فإن الدولة الوطنية دمرت كل الهياكل القائمة وما فيها من إيجابيات ، وأقامت بدلها النظم الفردية وطبقت العلمانية في جانبها القهري والاستبدادي، وتولدت عن ذلك نزعة استبدادية غير مألوفة بسبب هذه السياسات الفردية.
منذ فترة اطلعت على كتاب صغير الحجم في إحدى المكتبات العربية يحمل عنوان (حقيقة الديمقراطية ) فتوقعت في البداية أن أجد بحثاً موضوعياً دقيقاً لمصطلح "الديمقراطية " التي أصبحت قضية العصر لارتباطها بالتعددية، والممارسة السياسية السلمية، والحق الطبيعي في الاختلاف، وكفالة حرية الرأي باعتبارها آلية إجرائية لحق التعبير في كثير من دول العالم.
لكنني مع الأسف وجدت أن الموضوع المطروح في هذا الكتيب يحمل الكثير من المفاهيم غير الدقيقة والمغالية في وصف واتهام " الديمقراطية " وكان الأجدى بصاحب الكتاب أن يناقش هذه القضية وهذه الآلية بموضوعية تعطي هذه الوسيلة وهذه الآلية نقدها العادل كما يفرضه الإسلام وتحتمه شرائعه..لا أن نجتزئ، ونحاول أن نبرز المثالب والسلبيات، ونتخلى عن
الإنصاف والموضوعية في نقدنا للديمقراطية في جوانبها الإيجابية .
ولعل أبلغ رد في هذه القضية الشائكة ما طرحه الدكتور يوسف القرضاوي عندما سئل مثل هذا السؤال فأجاب على ذلك في كتابه ( فتاوى معاصرة ) الغريب بان بعض الناس يحكم على الديمقراطية بأنها منكر صراح أو كفر بواح وهو لم يعرفها معرفة جيدة تنفذ إلى جوهرها وتخلص إلى لبابها بغض النظر عن الصورة والعنوان . ومن القواعد المقررة لدى علمائنا السابقين:إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره , فمن يحكم على شيء يجهله فحكمه خاطئ وإن صادف الصواب اعتباطا لأنها رمية من غير رام, ولهذا ثبت في الحديث أن القاضي الذي يقضي على جهل في النار كالذي عرف الحق وقضى بغيره. فجوهر الديمقراطية – كما يقول– بعيدا عن التعريفات والمصطلحات الأكاديمية ألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها .. هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقية التي وجدت البشرية لها صيغا وأساليب علمية, مثل الانتخاب والاستفتاء العام وترجيح الأكثرية .. إلخ فهل الديمقراطية في جوهرها تنافي الإسلام ؟ ومن أين تأتي هذه المنافاة ؟ وأي دليل من محكمات الكتاب والسنة يدل على هذه الدعوى ؟ فالسبب الرئيسي لهذه الرؤية الضبابية لقضية الديمقراطية كما أشرنا آنفا هو غياب التعددية في المجتمع الواحد, وهذه أيضا تحتاج إلى جهود تربوية وإعلامية لإيضاح أن فكرة التعددية لها أصل في الدين الإسلامي، وليس رأيا مستوردا من الغرب كما يعتقد البعض ومن هذه المرتكزات يجب أن تتحرك مؤسسة المجتمع المدني والمراكز البحثية وغيرها من المؤسسات الأهلية لطرح مفاهيم التعددية والانفتاح على الآخر المختلف ذلك أن هذا الانفتاح يعني القبول بآلية الديمقراطية بصورة سليمة وصحيحة وإلا ستصبح الجهود الرامية لتعميم الديمقراطية بطيئة جدا في حالة عدم ترسيخ هذه المفاهيم في مجالاتها السياسية والثقافية والفكرية والانفتاح على الرأي الآخر والقبول بنتائج الانتخابات ..الخ . ولذلك فإن فلسفة الاجتهاد في الإسلام تبنى على مكونات التعدد في الإطار الشرعي، وهذا في حد ذاته إقرار بالتعددية في التصور والرؤية والمنهج كما يقول الباحث زكي الميلاد ومن هنا فإن هذا الاجتهاد"الذي يؤسس لمشروعية الاختلاف والتنوع والتعدد في مسائل الفروع في الفقه والشريعة الإسلامية, وحسب قياس الأولوية, فإن الاختلاف والتعدد إذا كانا ممكنين في مسائل الفقه والشريعة فمن الأولى إن يكونا ممكنين في المسائل المرتبطة بالحياة والمجتمع.لا أحد يزعم ـ كما يقول عبد الكريم غلاب ـ : أن مفهوم الديمقراطية واضح حتى عند كثير من الدول الكبرى التي يصطلح فيها المجتمع المدني على تنظيم الحكم ( ديمقراطيا ). فما زال مفهوم الديمقراطية في هذه البلاد يخضع لكثير من الانحرافات والمغامرات المالية واللاقانونية. ولقدرة الحاكمين على التحكم في هذه المغامرات – سياسية وإنسانية ومالية ولعباً بقيمة الديمقراطية نفسها وأسسها وتعاليمها.
إن ترسيخ الديمقراطية وقبول الرأي والرأي الآخر والحوار الذاتي الداخلي والانفتاح السياسي على التيارات المختلفة، وأن نربي الناس في المجتمعات العربية على السلوك الديمقراطي التعددي وقبول الآخر المختلف، سوف يحقق نجاحات مضطردة تسهم في اعتقادنا في تطبيق ديمقراطية خالية من الشوائب ومن الاحتقان السياسي كالتي تعيشها بعض الدول ولا تزال.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4923
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
567
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2589
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026