رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقف أحد الكتاب العرب – الذين لا يكنون ودًّا لقطر – تقريراً قيل إنه لمنظمة العفو الدولية (أمنستي) حول معاملة الخادمات في دولة قطر، وقام الكاتب (نصر المجالي) يوم 25/4/2014 بصياغة هجوم غير مُبرر وغير منطقي على الدولة يُشتم منه الكراهية والبغض لدولة قطر وأهلها. ونحن نشهد هذه الأيام حملة ظالمة وغير شريفة ضد دولة قطر بقصد تقزيم المنجزات التي تمت على أرض قطر وما وصل إليه الإنسان القطري من تطور ورخاء وحضور في جميع المحافل.
وإذا كان التقرير صحيحاً، فإن استجواب 52 خادمة من أصل 84000 خادمة لا يُشكل نسبة يُعتد بها في الإحصاءات العلمية! وهذا خطأ يجب أن تتدارسه (أمنستي)، حتى تحفظ مصداقيتها في العالم.
نحن لا ننفي أن البشر يختلفون في الطباع وأنماط التفكير، وبذلك لا ننفي أن تكون هنالك حالات مُحددة لسوء معاملة الخادمات، ولكن لماذا قطر بالذات! هل زارت (أمنستي) بلدانا عربية أخرى تحدث فيها ممارسات ضد الإنسانية، وبالذات حالات اغتصاب وإكراه على العمل، ونفس التهم التي كالها – كاتب المقال – حول تقرير (الأمنستي). ألم يسأل الكاتب: كم من الخادمات يفررنَ من كفلائهن في لبنان والسعودية ومصر وغيرها من البلدان التي تستجلب عمالة من جنوب شرق آسيا!؟ وكم ساعة تعملن تلك الخادمات في اليوم؟! كنا نأمل من (أمنستي) أن يكون تقريرها شاملاً، كي تضع يدها على موقع الخلل، وبالتالي تطرح الحلول المناسبة.
كما أن الكاتب خلط بين زيادة ساعات العمل وبين الاتجار بالبشر، حيث ضلَّ عن بوصلة البصيرة، وهو في لجة حقده على قطر. ويورد الكاتب حالات حَملٍ بين الخادمات اللاتي فررَن من كفلائهن، وهذا يثبت مفهوم الاتجار بالبشر، إذا كانت تلك الخادمات يتعلّلنَ بأهمية الخروج من المنزل كي يمارسن أفعالاً لا يُقرها المجتمع القطري، وبالتالي فإن محافظة الأسرة القطرية على ضرورة وجود الخادمة بالمنزل هي من أجل مصلحتها وحمايتها من الانزلاق والخطأ، كما أنه ليس من الحرية في شيء أن تظهر الوافدة بلباس يخالف قيم المجتمع أو أن يظهر الرجل بشكل يشبه "الأنثى" في طريقة تصفيف شعره ومكياجه ولباسه وطريقة مشيته، وهذا لا يمكن أن يكون تحت ذريعة الحرية الشخصية، لأن لكل مجتمع عاداته وتقاليده التي يجب أن يحترمها الجميع، ومثل تلك الحالات يُمكن أن ينتج عنها إنهاء العقد وتسفير الشخص، وهذه لا يمكن أن تُدرج بأنها مخالفة لحقوق الإنسان.
وللأسف، يخلط الكاتب أيضاً – ضمن حملته غير المُبررة – بين حالات الخادمات وبين تنظيم قطر لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، وهذا الخلط - إن جاء أيضاً في التقرير المذكور - فهو غير عقلاني ولا يليق بالمنظمة الدولية، التي يجب أن تدرك أن جهات عديدة في العالم حاولت وتحاول عرقلة ذلك التنظيم، وأن العمال يأتون ضمن عقود واضحة لا تخالف القانون.
ونكاد نجزم أنه لا توجد حالات عدم صرف رواتب الخادمات، كما ادّعى التقرير أو ناقلهُ، لأن القانون واضح؛ والخادمات يلجأن لسفاراتهن بالشكوى إن حصل ذلك، وتقوم السفارات بالاتصال بالجهات المختصة. وهذا الكلام غير دقيق، لأن أهل قطر بخير، ولا نعتقد أن 200 دولار سوف يؤثر على ميزانية الأسرة التي تعيش في رخاء اقتصادي يحسدها عليه الكثيرون.
ثم لماذا لا يقابل واضعو التقرير النسبةَ الكبرى (84000 خادمة كما ورد في التقرير) من الخادمات العاملات في البيوت القطرية وكيف يتم التعامل معهن. ومن خبرتي الخاصة، فإن في أي منزل قطري ما لا يقل عن خادمتين أو ثلاث، يتمتعن بكافة حقوقهن، مثل:
- حرية تناول الطعام دون مراقبة أو حظر، بل إنهن يتناولن نفسَ الطعام الذي يتناوله أصحاب المنزل، أو يجُلب الطعام الذي يفضلنه، مع حريتهن المطلقة في طبخ أي شيء يردنه ودون مراقبة، وهذا لا يحدث في البلدان العربية الأخرى!
- الاستمتاع بأجور عادلة، بل ومكافآت، كلما قمن بأعمال غير تلك المنوطة بهن.
- حصولهن على إجازة يوم الجمعة للذهاب للتسوق، بل وأخذ نقود من كفلائهن، أو يوم الذهاب إلى الكنيسة بالنسبة للمسيحيات.
- التجوال مع العائلات سواء في الرحلات الداخلية أو السفر إلى أوروبا وأمريكا، وهذا يجب أن يوضع في ميزان (الأمنستي).
- التكفل بعلاج الخادمات على نفقة الكفيل، ولقد حصل معي أنا بالذات، حيث مرض السائق الآسيوي، وكان لا يحتمل البقاء في الطوارئ في المستشفى العام، وأخذناه إلى مستشفى خاص، حيث بلغت فاتورة علاجه 19 ألف ريال! تم دفعها بكل ترحاب، لأنها حالة إنسانية لا تحتمل التأخير.
- تزويد الخادمة بكل ما تحتاجه عند سفرها من ملابس وهدايا لعائلتها، وأيضاً راتب شهر مقدما.
- سكن الخادمة في مكان صحي، مُكيّف صيفاً وملائم شتاءً، وإعطاؤها كل مستلزمات الصحة والوقاية على حساب الكفيل.
- حصول حالات تآلف ومحبة بين أهل المنزل والخادمة، بحيث يقترحون عليها النوم عند العاشرة، لكنها تُصّر على الجلوس ومشاهدة التلفزيون أو ترتيب المطبخ، لأنها ألفت المنزل وأحبت أهله.
وإذا اعتد التقرير بالحرية الشخصية للخادمات، و"أن النساء تواجهن أوضاعاً وظروفاً بائسة جداً عندما يجدن أنفسهن مضطرات للعمل لدى أسر ترتكب الإساءة بحقهن" ؛ (في إشارة لحرية خروج الخادمة متى شاءت وإقامة علاقات غير شرعية)، فإن المجتمع القطري المُسلم له قيمه وعاداته وتقاليده، ولا بد أن المكاتب والمؤسسات التي تجلب تلك العمالة قد أوضحت هذه المسألة لهن.
كما أن إقامة علاقات كهذه تؤثر على سلامة الأسرة، خاصة المراهقين والمراهقات. ثم ماذا يفعل كفيل الخادمة إن هربت مع "صديق" لها لمدة ثلاثة أو أربعة أيام؟ وهو مسؤول أمام القانون عنها؟! لابد إذن من تبليغ الجهات المختصة عن هروبها! وهذا لا يعني أبداً – حسبما نُشر- "ومن المُرجح أن ينتهي المطاف بهن في الحجز بانتظار الترحيل".
وهذا الكلام أيضاً غير دقيق وغير مُبرر، ذلك أنه كما يحترم المجتمعُ القطري أصحابَ الديانات الأخرى، فعلى هؤلاء احترام قيم ودين المجتمع القطري، وإلا وصل الأمر إلى حالة من الفوضى الأخلاقية التي لا يَقبل بها عقل.
لقد احتوى المقال على الكثير من عناوين التهييج والهجوم السلبي غير الحضاري، مثل: إساءات، تفاصيل صادمة، مناشدات بالتغيّر، العمل الجبري والعنف الجسدي والجنسي، وغيرها، ما يدلُ على أن الكاتب استغل التقرير – إن وجد – وقام بتركيب قصص "كرستية" وهو بعيد عن واقع الحال في قطر.
من سينهي الحرب؟
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود... اقرأ المزيد
48
| 16 مارس 2026
بين صحة الخبر أو عدمه
في تغريدة مهمة وكاشفة وواضحة كتب الصحفي والكاتب الإسرائيلي «ألون مزراحي» قائلا: (لا أستطيع تحديد السبب الدقيق الذي... اقرأ المزيد
51
| 16 مارس 2026
من إدارة الأزمات إلى إدارة الأمن الغذائي
لم تعد الأزمات في عالم اليوم أحداثاً إخبارية، بل أصبحت جزءاً من واقع تتعرض له الدول والمجتمعات بشكل... اقرأ المزيد
93
| 16 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4791
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1488
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026