رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد القدوسي

محمد القدوسي

مساحة إعلانية

مقالات

1878

محمد القدوسي

لا تقبل القسمة على 2

27 مارس 2015 , 02:16ص

هناك أسطورة قديمة عن أخوين تشاركا العيش وامتلكا قطعة أرض وبقرة، ثم إن أحدهما افتعل خلافاً مع أخيه، ولجأ إلى جار متواطئ للفصل في الخلاف.

حكم الجار بأن يحصل الأخ الأول ـ الذي لم يتقدم بالشكوى ولم يفتعل الخلاف ـ على نصف الأرض المزروع برسيماً، بينما يحصل الشاكي على النصف المزروع قمحا، وبأن تكون ملكية البقرة من رأسها حتى منتصف بطنها للأول، ومن منتصف بطنها حتى الذيل للآخر، وهكذا أخذ الأخ الأول يزرع البرسيم ويطعم البقرة ـ بحجة أن رأسها وفيه فمها يقع في حصته ـ بينما أخوه المتآمر يستمتع بحليب البقرة ـ لأن ضرعها ضمن حصته ـ وبالقمح الذي يزرعه في أرضه كذلك، ولم ينس المتآمر أن يلقي بعض حبات القمح وقطرات الحليب إلى الجار قليل الذمة الذي حكم بتقسيم الأرض والبقرة.

بمرور الأيام ازداد زارع البرسيم فقرا، وتكدست الأموال لدى أخيه، الذي تنكر للأخوة منذ البداية، أما الجار المتواطئ فأصبح حارساً يعمل عند الأخ الغني الذي استدار ذات يوم إلى أخيه الفقير قائلاً: بأي حق تقاسمني أرضي؟ وبعد أن توسل الفقير إليه وافق على أن يتركه مقيما في الأرض، بشرط أن يقوم بزراعة القمح والبرسيم معا باعتباره مجرد أجير يعمل لدى أخيه الغني، وأن يحلب البقرة صباحا مساء ويحمل حليبها إلى الأخ الغني، ولم يملك الفقير إلا أن يوافق!.

الأسطورة ليست مجرد خرافة، لكنها تنبهنا إلى أن "اختلاف القدرات" لم يكن هو الأساس في التمايز، لكن "التضليل" كان هو السلاح الأساسي، وقد اتخذ أشكالاً مختلفة وامتد عبر الأزمنة، وكانت بداية الحيلة أن "تطرف" فريق ضد فريق، فالأخ المستغل ـ حسب الأسطورة ـ انتقل من حالة الأخوة إلى أقصى الطرف الآخر، مرتكبا جرائم التحايل والاستغلال، وأخيراً الاستعباد ضد أخيه الذي لا يمكن أن نسمي إصراره على التمسك بـ"الاعتدال" والاحتفاظ بالثقة في أخيه إلا بـ"السذاجة"، ولو كان الفقير تسلح بالوعي منذ البداية لما حدث ما حدث، لو رفض التقسيم الهزلي معلنا للجار بأنه "متواطئ" و"عديم الأخلاق" لما وصل إلى "الدرك الأسفل". ولو لم تلهه "بلاهة الثقة العمياء" عن المؤامرة لكان واجه الأخ المستغل مصراً على تقسيم عادل للموارد والأعباء.

كان على الأخ الفقير أن يواجه تطرف أخيه المتآمر بأن يتطرف في التمسك بحقه، فالقضايا الأساسية لا تقبل القسمة على اثنين، والمرء لا يمكن أن يكون "معتدلاً" مع من يريد أن يسلبه شرفه أو حياته.

أمور كثيرة لا تقبل سياسة "النص نص" وهي ـ بالصدفة ـ الأمور الأساسية، والمواقف التي يرتهن بها مستقبل الإنسان ومصير الأمم.

مساحة إعلانية