رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* تلقيت رسالة فاكس من سفيرنا الأسبق الاستاذ احمد يوسف التني والذي وصفه الاديب الراحل الطيب صالح في عموده الشهير بمجلة المجلة "نحو افق بعيد" في 21 /6 /1993" انه من خيار الناس وخيار السفراء بشهادة اهل البلد الذي عمل فيها وكل من عرفه او تعامل معه سفيراً غير هياب ولا وَجِل، سودانياً كأحسن ما يكون السوداني، ومن سماحة وشجاعة الأكفاء وكان من القلة التي بقيت من الدبلوماسيين بعد حملات التطهير والتشريد والإحالة على المعاش. وكان الناس يعجبون كيف أنهم لم ينتبهوا إليه، فظل في منصبه، يعامل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم السياسية دون تفرقة. دائماً تجده بينهم في مسرّاتهم وأحزانهم، لا يبالي إن كان الشخصُ مرضياً عليه من النظام. ولم يكن يهاب أن يجدد الجوازات لمستحقيها دون أن يطلب الإذن من سلطات الخرطوم لأنه يعلم أنه لو سألهم فسوف يجيبون بلا.
* وما أن استلمت الفاكس إلا ورن هاتف مكتبي ببنك قطر الوطني وكان المتصل أخو الاخوان وخيار الناس كما قال اديبنا وكانت مقصلة الاحالة للصالح العام قد شملته ولم تجف كلمات "الصالح" وبذلك حق لنا زمالته بحكم التحاقه بالبنك الاهلي القطري مع احتفاظنا له بقامات سفراء الزمن الجميل ولترجمته لخلق الرجال ولملمته للحمة السودانيين البسامون في الضحوات البكاءون من خشية الله بالعشيات.. المتحزمون متلزمون في الملمات يقينهم ان العدل والرحمة صنوان قال لي وقع اختيارنا عليك لترؤس لجنة نسائية موازية و"يضحك " بل تفوق لجنتنا طولا وعرضا للاحتفاء والاعتناء بالفنان محمد وردي خلال نقل الكلى بمستشفى حمد العام على يد النطاسة القامة د. الفاضل الملك الذي احسب الان انه أكثر الموجوعين الصامدين الصابرين تماما لانه في غرفة العمليات شابك نبض وريده بقلب الفنان وردي ليدفقه بنبض جديد وهندس كليته ليمنحه مزيد صحة وعافية.
* حلت طائرة وردي ورغم الحرص ان يكون استقباله في اضيق نطاق مراعاة لصحته إلا ان السودانيين كعادتهم تدفقوا افواجا وجماعات لملاقاة من أدفق في وجدانهم أنهر العشق وحرض فيهم مكامن الوطنية كأغنيته "أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحة.. هب الشعب طرد جلاده" فلاقى مستقبليه بصوته العميق وضحكته المجلجلة وتواصلت اتصالاتنا وأخوى الاخوان ما بين المستشفى والفيلا التي خصصت لوردي وعائلته بحي المعمورة.
* صباح اليوم الثاني اخرجت مسودة كتابي الاول " أحب عطر امي " التي كانت تراوح مكانها ما ان اخرجها من ادراج مكتبي إلا وارجعها فتكليفي برئاسة اللجنة تماهى واهتماماتي الانسانية وهموم الوطن وجراحاته. وكتبت مقالا نشر في حينه " هاشم ميرغني.. وردي الفن للحياة " قلت فيه الفن ان كان شعرا أو طربا أو نحتا أو لوحة تشكيلية مخضبة بالالوان الزاهية او سردا من حكايات الماضي هي كلها ابداعات انسانية تعتصر صاحبها كآلام الطلق المصاحب لصرخة الميلاد الاولى الى حين ان تنفك فتتدفق شلالات معطرة تطهر الفؤاد وتغذي الذهن وتغسل بعضا من الهموم وكثيرا من الأوجاع ".
* وكان النداء الشهير الذي اطلقه الموسيقار وردي وهو يتمدد على سرير غسيل الكلى بالخرطوم وحوله صغار لم يغادروا سن الطفولة اهترت دواخلهم وارتسمت ابتسامة الامل على شفاههم لصرخته لاجلهم " اطفالنا اكبادنا.. تمشي على جمر الغسيل أكرموني باسعاف هؤلاء.. فهم أحق مني بالنداء " حافزا لوقف كتابي لـ " وحدة غسيل الكلى لأطفال السودان " وليكون وقفا جماعيا عقدنا لقاءات للمرأة بمركز اصدقاء البيئة وليلة شعرية للشاعر الملهم محجوب شريف الذي زار الدوحة لمعاودة وردي وفي تقديمي لتلك الليلة طلبت ان يخص الحضور بالقصائد الانسانية خاصة وانه كان يحمل معه جريدة "النفاج " التي صدرت بلندن خصيصا لأجل القضايا الاجتماعية الانسانية " ولكن " شاءت ارادة الله ان تكفلت الخطوط الجوية القطرية مشكورة بطباعة الكتاب إعلاء لقيمة العمل الانساني حيث كان حوالي 1200 طفل سوداني يموتون سنويا من الفشل الكلوى ولم تتوافر لهم الاجهزة الغاسلة للرواسب المانحة للصحة.
* كن نتناوب الزيارات " لوردي " وللشاب الذي عزف سيمفونية ولحنا مضافا للخلق السوداني النبيل بتبرعه بكليته لانقاذ حياة فنان السودان الاول وما ان استنشق وردي عبير الصحة إلا وأقام بقاعة ريجنسي بالدوحة حفلا محضورا ارجع فيه الطيور المهاجرة لاحضان الوطن برحيق كلماته المموسقة وترانيم مفرداته المغزولة من بطون لغتنا العربية ولاهله النوبة وللسكوت والمحس وللجلابية والثوب والمركوب ولم ينفض سامر الحفل إلا لاغفاءة لم تكتمل فصاح ديك الصباح والمؤذن حي على الصلاة ودقت ساعات العمل في ظلال الدوحة الوريفة.
* تصادف وفي زيارته الاولى للفحص الدوري استلامي لاول خمس نسخ "أحب عطر امي " فكان الكتاب الاولى له والثاني للمناضلة فاطمة احمد ابراهيم بشقتها بلندن والثالثة للدكتور عبدالحميد كيري استشاري المخ والاعصاب بمنتجع برايتون والرابعة لاستشاري الكلى والجراح كمال أبوسن والخامسة لسفيرنا آنذاك د. حسن عابدين استلمها عنه الاخ د. الصادق الفقيه المستشار الثقافي الاعلامي بسفارتنا بلندن ذات الحين.
* نعى الناعي جبل الصمود الذي اسلم الروح لباريها بالخرطوم بعد ان الهب لنصف قرن او يزيد مشاعر محبي فنه وشيعه لمثواه الاخير جمعا غفير تقدمهم الرئيس السوداني عمر البشير تدفقوا مشحونين بالاشجان والوجع الدفين والحزن المقيم وإن ختم الموسيقار حياته مخلفا أعذب الالحان تظل مناداته لانقاذ الاطفال مشرعة على كل الابواب وقد سطرتها بالصفحة الاخيرة من الكتاب الذي صدر العام 2003 " موجع ان لا يجد اطفال ما زالوا في عمر الزهور سانحة ليتمددوا في سرير الاستشفاء من مرض الفشل الكلوى اللعين.. فقط لأنه لا توجد مكائن للغسيل.. فهل نكون أنا وأنت أيها القاري الكريم شركاء في زمرة من عناهم رسول البشرية الكريم "من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى ثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزل الاقدام ". " صحيح الجامع 176 " ويبقى للحديث بقية.
همسة: العزاء لاسرته ومحبيه.. وللوطن المحبة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026