رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قدر لي حضور جلسات مجلس الأمن الدولي 20 / 12 / 2017 الذي ينظر في مسألة قرار الرئيس الأمريكي ترامب باعتبار القدس عاصمة إسرائيل، واعتماد نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس، والمستغرب في هذه الجلسة أنه لم يتحدث أمام مجلس الأمن سوى ثلاث دول هي مصر بصفتها العضو العربي في مجلس الأمن، والذي قدم مشروع القرار تبعه مندوب فلسطين وأخيرًا مندوب الأردن، ودُعي المجلس للتصويت، وصوت لصالح المشروع أربعة عشر صوتا، وصوتت المندوبة الأمريكية نيكي هيلي بـ"فيتو" حق النقض في شأن المسألة المشار إليها، الأمر الذي استدعى المجموعة العربية ممثلة برئيس الوفد اليمني الذي يرأس المجموعة العربية لشهر ديسمبر، وكذلك منظمة التعاون الإسلامي والتي يمثلها المندوب التركي في الأمم المتحدة إلى توجيه رسالة إلى رئيس الجمعية العامة تطلب دعوة الجمعية العامة للانعقاد في دورة طارئة تحت بند "الاتحاد من أجل السلام" على إثر فشل مجلس الأمن في تمرير مشروع القرار المعني بمسألة القدس بحكم الفيتو الأمريكي. جدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت الفيتو 80 مرة ضد مشاريع قرارات تدين إسرائيل ولم يتخذ العرب أي موقف سياسي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية الأمر الذي أصبح من المسلمات أن تحمي أمريكا إسرائيل من أي قرار دولي يصدر من مجلس الأمن المكلف بحماية السلم والأمن الدوليين طبقا لنصوص الميثاق.
(2)
كما قدر لي حضور اجتماع الجمعية العامة الطارئ 22/12 /2017، وقد شارك وزير الخارجية التركي بصفتها الدولة الداعية إلى هذا الاجتماع الهام إلى جانب المجموعة العربية، وقد ألقى بيانا سياسيا هاما معبرا عن موقف الدول الإسلامية عامة والتركية خاصة من مسألة القدس رفضا لاعتبارها عاصمة لإسرائيل أو تغيير معالمها أو تهجير سكانها من منازلهم ومصادرة أملاكهم. كما تحدث مندوب اليمن أمام الجمعية العامة مقداما مشروع القرار العربي والذي انضم إلى تبنيه العديد من الدول الإسلامية ودول عدم الانحياز وآخرون، وشارك وزير خارجية دولة فلسطين في المناقشة العامة بإلقاء خطاب فصل فيه السلوك الأمريكي تجاه المسألة الفلسطينية.
يلاحظ أيضًا أن الوفود العربية لم تتحدث أمام اجتماع الجمعية العامة الطارئ رغم أنها أبدت رغبتها في الحديث بتسجيل أسماء الدول الراغبة في المناقشة العامة إلا المندوب السوري فقد تحدث بكلمة مقتضبة.
يعلل بعض المندوبين العرب عدم إلقاء كلماتهم في الاجتماع رغم تسجيل أسماء تلك الدول طلبا في إلقاء بياناتهم، أنهم اكتفوا بخطاب رئيس المجموعة العربية لشهر ديسمبر مندوب اليمن، وكذلك اكتفوا بمشاركة مندوب فنزويلا نيابة عن دول عدم الانحياز، والذي قال في خطابه أمام الجمعية العامة مخاطبا الولايات المتحدة الأمريكية "إن العالم ليس للبيع ورددها ثلاث مرات"، وذلك على إثر خطاب المندوبة الأمريكية وقولها "سنحاسب الدول المارقة على مواقفها من مشروع القرار، ولم تكتف بتهديد الدول المعارضة لحكومتها بل هددت الأمم المتحدة ماليا". المندوب الإسرائيلي كعادته يحمل في جيبه قطعة نقود يقول إن عمرها تزيد على 3000 سنة يريد بها إثبات أن إسرائيل موجودة في فلسطين منذ تلك العصور وهو قول مردود عليه، أنه يحمل تلك القطعة النقدية في كل اجتماع سواء في مجلس الأمن أو الجمعية العامة ولجانها المختلفة، ولقد خرج خطابه عن آداب الأمم المتحدة عندما اتهم الدول المؤيدة لمشروع القرار موضع البحث بقوله "إنكم كالدمى إنكم ألعوبة". جرت عمليات التصويت وحصل على 128صوتا لصالح القرار، و9 آخرين ضده تقودهم إسرائيل وأمريكا، وامتناع 35 عن التصويت وغياب 18 عضوا بمن فيهم مندوب تركمانستان (دولة إسلامية).
(3)
يجادل المشتغلون بالقانون الدولي ما إذا كانت قرارات الجمعية العامة في اجتماعاتها الطارئة تحت بند "الاتحاد من أجل السلام" لها صفة الإلزام، البعض يؤكد إلزاميتها انطلاقا من سوابق حدثت في الحرب الكورية الجنوبية 1950، وكذلك في حرب السويس عام 1956 (العدوان الثلاثي على مصر)، وهناك تفاصيل كثيرة وتفسيرات متعددة والمجال لا يسمح بتناول تلك التفسيرات في مقال صحفي. إلا أن الرأي عندي أن القرارات الدولية في منحاها الإيجابي إعطاء الطرف المتظلم إذا صدر له قرار من المنظمة الدولية ووكالاتها فإن عليه الانطلاق في عملية التنفيذ، بمعنى صدر "رأي قضائي من محكمة العدل الدولية بعدم شرعية بناء الجدار العازل الذي تقوم بتنفيذه إسرائيل في الأراضي المحتلة"، هنا أعطت المحكمة الحق بهدم هذا الجدار لأنه غير شرعي، وكذلك صدر قرار من مجلس الأمن الدولي عام 2016 رقم (2334) ينص على وقف عملية الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وما برحت إسرائيل تقوم بعملية بناء مستوطنات جديدة وكذلك التوسع في المستوطنات قبل صدور القرار المشار إليه، وهنا أجاز مجلس الأمن للسلطة الفلسطينية مواجهة إسرائيل ولو بالقوة لمنعها من بناء المستوطنات.
قصدي أقول إن الأمم المتحدة ووكالاتها تعطي شرعية للدول بالدفاع عن نفسها ومنع العدوان بأي شكل كان. قرار مجلس الأمن عام 1982 المتعلق بجزر الفوكلاند / مالفيناس والنزاع بين بريطانيا والأرجنتين حول الجزر أنفة الذكر ناشد الطرفان بالتوصل لحل النزاع بالطرق السلمية ورفضه لقرار الأرجنتين بغزو الجزر واحتلالها. هذا القرار أباح لبريطانيا استعادة الجزر بقوة السلاح لأن المجلس لم يقر احتلال الأرجنتين للجزر.
السؤال الذي يطرح نفسه، هذا قرار من الجمعية العامة الطارئة أعطى السلطة الفلسطينية الحق مع إسرائيل وأي طرف آخر بإجراء أي تعديل على مدينة القدس بما في ذلك اعتبارها عاصمة لإسرائيل، فماذا سيكون رد فعل السلطة الفلسطينية؟
آخر القول: السلطة الفلسطينية الكرة في ملعبها وعليه العمل الجدي لتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالشأن الفلسطيني أو تحل نفسها وتعود إلى ما قبل عام 1990.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
690
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
672
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
627
| 22 يناير 2026