رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشترط معظم قوانين الموارد البشرية في العالم ومنها القانون القطري لتولي الوظيفة العامة أن لا يكون المتقدم سبق وان حكم عليه بجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة وقد حددت المادة (14) فقرة (7) من قانون رقم (8) لسنة 2009 لادارة الموارد البشرية النص التالي:
7 — ألا يكون قد سبق الحكم عليه نهائياً بالحبس في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة ما لم يكن قد رد اليه اعتباره. ومع ذلك فاذا كان الحكم مشمولاً بوقف تنفيذ العقوبة، جاز تعيين الموظف بموافقة السلطة المختصة بالتعيين. واذا كان قد حكم عليه لمرة واحدة، فلا يحول ذلك دون التعيين ما لم تقرر الادارة بقرار مسبب من واقع أسباب الحكم وظروف الواقعة أن تعيين الموظف يتعارض مع مقتضيات الوظيفة أو طبيعة العمل.
ويعاني الكثير من المواطنين من عوامل متعددة أتت بسبب الفقر وعدم وجود دخل ثابت يقابل المصروفات التي تزيد شهرياً وليس سنوياً. وبمعنى آخر فاننا لو نظرنا الى أسباب ارتكابهم للجريمة فاننا سوف نجد أن غالبيتهم كانت لأسباب اقتصادية وبيئية واجتماعية أجبرت كلاً منهم على دخول السجن. ولو تصفحنا الجرائد المحلية اليومية لعرفنا أن الأسباب الرئيسية، في السنوات الأخيرة، لدخول السجن ترجع الى الديون المتعثرة والشيكات المرتجعة التي لا يقابلها رصيد قائم وقت الصرف.
ويظل السجين المواطن خائفا من نظرة المجتمع، فلذلك يحرص، بكل ما أوتي من عزم، على ألا يعود لارتكاب أي جريمة لخوفه على السمعة من التشهير. ويعتبر السجن من الأمور المفزعة للمواطن لكن صحيفة السوابق من أكثر الأمور افزاعاً للسجين المواطن، ان أصحاب السوابق، كما يعرف الجميع، هم أناس من أسر كريمة جعلتهم الظروف يقعون في الخطأ ويحاول غالبيتهم، بعد خروجهم من السجن، العودة الى أسرهم وأطفالهم، والعمل بشرف، وترميم ما فات، ومن هنا فالسجين بعد خروجه يحتاج الى مساندة المجتمع وتغاضيه عن الزلات، ومحاولة اعطاءه فرصة أخرى. لكن المشكلة الرئيسية للسجين المواطن لا تنحصر في تنفيذ عقوبة السجن ولكنه وللأسف، ينال مزيداً من العقاب بعد خروجه من السجن، فيحرم من الاندماج المجتمعي، والحياة الكريمة بالرغم من تكفيره عن خطئه، ولا يتوقف الأمر على الرفض المجتمعي فقط، وانما يسهم الرفض الحكومي في ممارسة هذا الدور العقابي فيفصل من وظيفته التي كان عليها ويحرم من الحصول على وظيفة أخرى لأن كل جهة تطلب، بشكل الزامي، شهادة حسن سير وسلوك من وزارة الداخلية. ومن هنا تحدث الانتكاسة لصاحب السوابق فيصبح حانقاً على هذا المجتمع الذي أغلق أبواب التوبة أمامه وقد يؤدي ذلك الى العودة مرة أخرى الى الزلل وارتكاب الجريمة. أن العائد للجريمة قد لا يعود اليها بسبب عامل واحد فقط، وانما نتيجة تداخل عوامل عديدة ومتشابكة يصعب أحياناً الفصل بينها، ومن أهم هذه العوامل عدم تقبل المجتمع للمفرج عنهم ومعاملتهم بالنفور والاهمال. وظاهرة العودة للجريمة تمثل خطراً على أمن المجتمع ومصالحه، وفي نفس الوقت تؤصل الاجرام في نفوس البعض فيجعلهم، من خلال تكرار الفعل الاجرامي، مجرمين محترفين وهذا أمر لا نقبله لأفراد المجتمع.
ان الجمهورية الجزائرية أنشأت لجنة وزارية للسجون واعادة الادماج الاجتماعي للمساجين بغرض تذليل العقبات أمام حصول المساجين بعد انهاء فترة العقوبة للحصول على القروض البنكية والقروض المصغرة لمباشرة أنشطة تجارية وحرفية واعادتهم الى الوسط المهني بهدف خفض نسبة العودة الى ارتكاب الجرائم والمخالفات ومن الاجراءات المتعلقة بادماج المساجين الغاء صحيفة السوابق العدلية. في حين أن مدير سجون المملكة، نائب رئيس اللجنة الوطنية لرعاية السجناء بالمملكة العربية السعودية أكد في صحيفة المدينة بتاريخ 28/6/2009 بدء العمل باتفاقية رد الاعتبار لخريجي السجون والتوجه لالغاء صحيفة السوابق للسجناء المعفى عنهم، مؤكدا أن استمرار العمل بهذه الصحيفة نتج عنه أضرار اجتماعية واقتصادية ونفسية للسجناء المعفى عنهم، وهذا الاجراء يمنع التصاق وصمة السجن بالسجين، وتفتح أمامه باب التوبة واسعاً دون افتضاح أمره.
ان القانون القطري يقرر أن لكل جريمة عقوبة واحدة فاذا كانت الجريمة المرتكبة واحدة فلا محل لتعدد العقوبات وعليه فانه لا يجوز توقيع عقوبتين على صاحب الجرم الواحد فالعقوبة الأولى هي الحبس وتقييد حريته والعقوبة الثانية هي الفصل من الوظيفة لأن صاحب الجرم أصبح من أصحاب السوابق وفي نفس الوقت فان الدستور القطري في المادة (40) يقرر أنه لا جريمة ولا عقوبة الا بقانون. ولا عقاب الا على الأفعال اللاحقة للعمل به. والعقوبة شخصية. والفصل من الوظيفة وعدم اتاحة الفرصة لأصحاب السوابق بالالتحاق بأي وظيفة جعل العقوبة ليست شخصية بل تشمل العقوبة كل أفراد أسرة صاحب السوابق.
اننا في قطر ننتظر من الدولة والحكومة القطرية أن تبادر الى الغاء صحيفة السوابق عن جميع المواطنين الذين اضطرتهم الظروف الاقتصادية، ليس عن سابق اصرار وترصد ولكن غصباً عليهم، الى أن يرتكبوا جريمة وأن يكون باب التسامح هو الغالب على تصرفات المجتمع حتى نتيح لهم العيش الكريم والتوبة النصوحة الى الله
وفي الختام نقول ان الناس اذا لم يرحموا العاقل فكيف يرحمون صاحب السوابق. اللهم استر حالنا وحال جميع المسلمين تحت الأرض وفوق الأرض وعند العرض اللهم آمين
والله من وراء القصد،
المتقاعدون ولائحتهم التنفيذية
البيت يتطلب صيانة مستعجلة، وهذا يتطلب مبلغاً نقدياً، والمعاش التقاعدي وللأسف لا يتبقى منه شيء، وحلاً لهذه المشكلة... اقرأ المزيد
16193
| 23 أغسطس 2020
المتقاعد وحقوقه المهدورة
تكلمنا في المقالات الثلاث الأخيرة عن حقوق المتقاعد، وذكرنا في المقالة الأولى "المتقاعدون" (انظر الشرق 7/6/2020)، وركزنا فيها... اقرأ المزيد
10153
| 26 يوليو 2020
المتقاعدون وبدل السكن
عندما تدخل أي مجلس من مجالس أهل قطر ستسمع شكاوي المتقاعدين عما يكابدونه من مشقات المعيشة، ويتصدر شكاويهم... اقرأ المزيد
18114
| 12 يوليو 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7209
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1716
| 09 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو تشغيلية؛ فبعضها تصنعه القيادة بصمت، عندما تغيّر بسلوكها ثقافة المؤسسة. أحيانًا لا يتغير في المؤسسة سوى اسم المدير، لكن يشعر الموظفون أن كل شيء قد تغير. يتراجع الحوار الصريح، وتختفي المبادرات، ويصبح الحذر سلوكًا يوميًا، ويقدّم الموظفون حماية أنفسهم على أهداف المؤسسة. عندها لا تكون المؤسسة قد خسرت موظفيها بعد، لكنها تبدأ في خسارة أهم أصولها: ثقافتها التنظيمية. لا تُعرف الثقافة التنظيمية بما يُعلّق على الجدران أو يُعلن في الاجتماعات، بل بما يفعله الناس عندما تغيب أعين الإدارة. إنها الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، ويُدار بها الاختلاف، ويُكافأ بها الأداء. ولهذا يؤكد عالم النفس التنظيمي إدغار شاين أن الثقافة لا تصنعها الشعارات، بل السلوك الذي يتكرر حتى يصبح القاعدة غير المكتوبة داخل المؤسسة. فالموظفون لا يحكمون على القيم المعلنة، بل يراقبون من يحصل على التقدير، وما السلوك الذي يُغضّ الطرف عنه، ومن تُفتح له الفرص. ومن هذه الرسائل اليومية تتشكل الثقافة. فإذا كانت القيادة تكافئ الكفاءة، أصبحت الكفاءة هي المعيار. وإذا كانت تكافئ التعاون، ترسخت روح الفريق. أما إذا كانت تمنح اهتمامها لمن ينقل الأخبار عن زملائه، أو يتتبع أخطاءهم، أو يسعى إلى كسب رضا القيادة أكثر من سعيه إلى تطوير العمل، فإنها ترسل رسالة غير معلنة مفادها أن هذا السلوك هو الطريق إلى التقدير. وأخطر ما قد تفعله القيادة هو أن تجعل نقل الأخبار عن الزملاء سلوكًا يحظى بالاهتمام أو المكافأة. فعندما يلاحظ الموظفون أن من يراقب الآخرين أو ينقل أحاديثهم يحظى بالقرب من القيادة، فإنهم يتعلمون سريعًا أن الطريق إلى النجاح لا يمر دائمًا عبر الإنجاز، بل قد يمر عبر مراقبة الآخرين. عندها تتآكل الثقة، ويبدأ الموظفون في بناء الحواجز بدلًا من بناء جسور التعاون. ويفسر عالم النفس ألبرت باندورا هذه الظاهرة من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، التي ترى أن الناس يتبنون السلوك الذي يرونه محل تقدير ومكافأة. لذلك، فإن السلوكيات السلبية لا تنتشر لأنها مكتوبة في اللوائح، بل لأنها تجد من يشجعها، أو يتسامح معها. ولا يقل خطرًا عن ذلك ظهور ما يُعرف بـ«الدائرة المقرّبة». فقد أوضح الباحثان في القيادة التنظيمية جورج غراين وماري أول-بيين أن تفضيل مجموعة محددة ومنحها فرصًا أو معلومات لا يحصل عليها غيرها يخلق شعورًا بأن العلاقة الشخصية أصبحت أهم من الكفاءة. وعندما يحدث ذلك، تتراجع العدالة، ويضعف الانتماء، ويبدأ الموظفون في الاستثمار في العلاقات أكثر من استثمارهم في الأداء. ويتعاظم الضرر عندما تتسع الفجوة بين ما تقوله القيادة وما تمارسه. فقد ترفع شعار العمل الجماعي، بينما تدير المؤسسة من خلال دائرة مغلقة، أو تتحدث عن العدالة، بينما تختلف قراراتها باختلاف الأشخاص. ويشير الباحث في السلوك التنظيمي توني سيمونز إلى أن اتساق القائد بين أقواله وأفعاله هو أساس بناء الثقة، وأن فقدان هذا الاتساق من أسرع الطرق التي تُضعف الثقافة التنظيمية. وتضيف الباحثة في القيادة والسلوك التنظيمي إيمي إدموندسون بُعدًا آخر لهذه الصورة، إذ ترى أن المؤسسات المتميزة هي التي يشعر فيها الموظفون بالأمان النفسي؛ أي بالقدرة على إبداء الرأي، وطرح الأفكار، والاعتراف بالأخطاء دون خوف. أما عندما يصبح الصمت أكثر أمانًا من الصراحة، فإن المؤسسة لا تخسر الحوار فحسب، بل تخسر التعلم والابتكار أيضًا. وعندما تتولى قيادة جديدة مؤسسة تضررت ثقافتها، تبدأ مهمتها بإعادة بناء الثقة، وترسيخ العدالة، ومكافأة الكفاءة، وتشجيع الحوار. فإصلاح الثقافة يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه يعيد للموظفين شعورهم بالأمان والانتماء. فالقادة يرحلون، أما الثقافة التي يتركونها خلفهم فهي التي تبقى.
1146
| 16 أغسطس 2026