رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن قدر الشعب المصري أن تبقى حركته فوق حبال مشدودة وعليه بكتلته الواسعة أن يدفع وحده الثمن، بينما في الواقع يتعرض وجوده وتاريخه وأمل المستقبل لديه لأخطار لم يكن هو صانعها، وكأن ظاهرة "الفرص الفرص الضائعة" هي قدر المصريين.
رغم الاختلاف بين الفترة الانتقالية الأولى بعد 25 يناير 2011 والثانية بعد 30 يونيو 2013، غير أن وجه الشبه بينهما هو دفع الشعب المصري إلى حائط العجز، يفرض عليه اختيارات تجرده من مردود ما أطلق عليه العديد من المحللين السياسيين تغيرا جوهريا في معنى الثورة الشعبية السلمية.
في أعقاب يناير 2011 تشكلت لجنة للتعديلات الدستورية اختارت أن تبدأ بالانتخابات النيابية، ثم تضع دستور ما بعد الثورة، وكان ذلك أول خطوة نحو إجهاض نتائج حركة الشعب، وفي الاستفتاء على التعديلات الدستورية مارس 2011 ترددت مقولة "نعم للدستور هي نعم للاستقرار"، لتنقلب إلى "نعم للدستور هي نعم للإسلام"، ولتسقط نتيجة الاستفتاء كل الأقنعة عن الجميع، وتعلو نغمة غزوة الصناديق، وتخرج كل طيور الظلام من جحورها داخل عباءة الدين والتكفير، وكان الحديث يومها عن أن توافقا أمريكيا إخوانيا ضد ثورة الشعب يقارب حد الجنون، ولكننا كنا نقوله.
ويومها كانت بقايا الأحزاب السياسية والنخبة كافة تسير في عكس الاتجاه، وتسعى إلى تحالفات تعوض بها حالة الوهن في قدراتها وعلاقتها بالثورة وبالشعب، بل إن حالة من الشبق إلى كرسي الرئاسة أدارت الرؤوس لينتهي الأمر بالشعب أيضاً لأزمة اللحظة الأخيرة، ويفرض عليه في انتخابات الإعادة أن يختار بين ممثل لنظام مبارك أيا كانت محاولات التجميل، وبين ممثل للإخوان تحت عنوان الثورة وهو في الواقع خاطفها وسارقها.
ودفع الشعب ثمن الخطر، وكادت الدولة أن تتحلل، وفرض على الشعب الخروج الثاني لمحاولة الحفاظ على الوطن.
ليس من العقل في شيء إلا أن نراجع مواقف كافة الأحزاب والتيارات السياسية والنخب أيضا، وبات واضحا أن الشعب يسبق الجميع، وهو أعزل من التنظيم أو القيادة ولا يملك للمستقبل غير شعارات الأمل، بينما الخطر يهدد وجوده ذاته.
وليس من العقل أيضاً التغافل عن وقائع ثلاثين شهرا سبقت يونيو 2013.
وليس من العقل ولا الإنصاف التغافل عن متغير رئيسي بانحياز القوات المسلحة للمطلب الشعبي بإنهاء سيطرة الإخوان، انحياز اختياري وليس مجرد توافق الإرادة الشعبية مع رغبات رفض التوريث.
ولكن كان هناك جديد يضاف إلى الصراع، فالأمر تجاوز مجرد ثورة شعب يسعى إلى التخلص من نظام فاسد أو استبداد قبل يناير أو بعده، ولكن جديدا أضيف إلى الصراع ينقل سلمية الثورة إلى حالة من الدم والتدمير والانقسام واختلاط الفرز واتضح أنه لاستعادة الوطن ثمن فادح يجب دفعه.
مواجهة لعنف مسلح في سيناء مما يسمى بالتنظيمات الجهادية، وأعلن عن حضور القاعدة إلى سيناء، ثم حالة من الانتحار لجماعة الإخوان، بلغت الآن حد استدعاء تجربة طالبان إلى مصر، ولتدخل بمصر بذلك ضمن حالة الفوضى بالمنطقة كلها التي تكشف حقيقة إستراتيجية الخارج نحو إجهاض الحالة الشعبية في مصر، واستبدالها بحالة الصراع بين المجتمع وتيارات الإسلام السياسي، لتتوارى أهداف الخارج وراء أستار دينية محلية.
تحمل الشعب الثمن الباهظ، وتحملت القوات المسلحة والشرطة مسؤولية مواجهة العنف، وانكشفت الأحزاب والنخب والإعلام وفئات كان مقدرا لها أن تكون قوة المواجهة الناعمة لتفضح أمر ما أصابها من وهن.
أثبتت الفترة من يونيو حتى اليوم أن التعجل ومحاولة التوافق حول خارطة المستقبل عادا بنا ثانية إلى خيارات اللحظات الأخيرة التي يدفع النضال الوطني ثمنها.
وبديلا عن الوعي بطبيعة المرحلة وما تحتاجه من وحدة كافة القوى الرافضة للاستبداد والساعية لتحقيق غايات الثورة، كانت السياسة تفرط في الحركة الشعبية، فإذا جاز لنا أن نتهم الإخوان بالاستبداد والتفريط في الوطن وإصابة الشعب بحالة الانقسام، فالنخب السياسية لم تستوعب الدرس، بل إذا جاز التعبير فإنها تضع دستورا ينقلب على مكاسب سياسية لقوى اجتماعية هي عصب الوجود الشعبي وحركته، بل صار الدستور يتحدث عما تريده النخب العاجزة عن الوجود بذاتها ولذاتها، وهو نفس المنطق الإخواني.
ومع تصاعد أصوات تحذر من أداءات داخل لجنة الخمسين المكلفة بوضع الدستور، بدأ حديث عن "نعم" للدستور حتى نكشف الإخوان أمام العالم وأن الشعب يرفضهم.
ذات المعادلة تتكرر، شعب يخرج بالملايين، وإرادته يجري اختزالها في قاعات مغلقة تحيا أوهام من بها. ولكن كما أن التاريخ لا يعيد نفسه، فأيضا الخطر يتجاوز مجرد خيارات اللحظة الأخيرة والتي يمكن تعديلها لاحقا.
الخطر في مصر وعليها الآن داخلها، القاعدة وطالبان الإخوان، ومن خارجها في لعبة الصراع حول المنطقة، هي حرب تهدف إلى استرداد المبادأة بعيدا عن الإرادة الوطنية للشعب المصري والأمن القومي العربي.
ووسط صوت طبول الحرب التي تصم الآذان، ورائحة الدم، تجب الإجابة عن سؤال دائم وملح في اللحظة، "ما العمل؟".
لن نهرب إلى مقولة "الذين يريدون الحياة عليهم أن يقاتلوا من أجلها"، ولكن يجب أن ننظر إلى السبيكة الوطنية اللازمة في هذه اللحظة.
أولا يجب الاعتراف بعجز القوى السياسية والأحزاب عن التعبير عن الشعب، وهو أمر يجب إدراكه عند وضع قانون الانتخابات النيابية.
ثانيا يجب الاعتراف بعجز من تبقى من مجموعة الثلاثة عشر التي ترشحت في انتخابات الرئاسة عام 2012، وأنها إن كانت تتكلم فهي عاجزة عن الفعل، وليس هناك فرصة ليكون الشعب وحاجاته حضانة لعلاج المبتسرين سياسيا.
ثالثا أن قانون ممارسة الحقوق السياسية يحتاج إلى أن يتسم بشجاعة الإرادة الشعبية، وأن يكون أداة فرز وتطهير بقدر ما يكون عادلا في ذلك دون أن تصيبه رعشة أو تردد.
رابعا أن إدراك أبعاد الصراع الذي دخلته مصر، يستلزم إدراك المتغيرات العالمية وما يلم بها، وهي خلال فترة الأشهر الماضية أخذت في التحول عن ميادين قتال كانت قائمة أو متوقعة، وهي لا تفعل هذا لتركن إلى هدوء المدافع، ولكن من المؤكد أن ميادين جديدة يجري إعداد ساحة المعركة فيها، وعلينا أن نعلم أننا في القلب منها، وعلينا أن نعد أنفسنا لها، فإذا كانت مصر والسودان واضحة للعيان، فإن السعودية ذاتها دخلت ميدان المعركة القادم، والبدايات من الحدود العراقية السعودية، بينما الحدود الجنوبية للسعودية مهيأة لذلك من قبل.
خامسا أن القلب الصلب لمصر الوطن متمثلا في القوات المسلحة، أثبت قدرة على إدارة المرحلة الماضية، بل وتجاوز حد أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا.
سادسا إذا كانت الحيلولة دون القاعدة وطالبان الإخوان في مصر تحتاج مواجهة أمنية، فإن الاحتياج الاقتصادي والسياسي للمجتمع المصري هو البيئة الحاضنة والداعمة لهذه المواجهة.
سابعا أن خطابا سياسيا واضحا يعرض للحقائق لم يعد اختيارا بل هو واجب، ومراجعة النفس مع الشياب أمر حتمي.
ثامنا أن إعداد أرض المعركة من جانب مصر، يحتاج إلى رؤية إستراتيجية عربية، لمواجهة تتجاوز الإخوان ولا تعطيها أكثر من كونها إحدى أدوات المواجهة مع العرب ومصر.
نحن في حاجة إلى تجاوز أزمات اللحظة الأخيرة، بكل الإرادة، وباصطفاف شعبي، وبيقظة اختيار لمنظومة الرئاسة القادمة بعيدا عما هو معروض علينا.
جوهر الحضارة ورياحين النفوس
في تجربتنا الإنسانية على هذه البسيطة، جميلٌ أن يُدرك المرء أن الفنون جوهر الحضارة ولبّها الأصيل، يرتفع بها... اقرأ المزيد
90
| 02 يونيو 2026
رحلتي وعودتي من الحج.. ذكريات لا تغيب
عندما غادرت أرض الوطن متوجهاً إلى الديار المقدسة، كنت أحمل شوقاً طال انتظاره إلى بيت الله الحرام، لكنني... اقرأ المزيد
90
| 02 يونيو 2026
قطر تدين اقتحام المسجد الأقصى
في امتداد لموقفها الثابت والتاريخي الداعم للقضية الفلسطينية والدفاع عن القدس ومقدساتها، أدانت دولة قطر اقتحام متطرفين إسرائيليين... اقرأ المزيد
111
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
3702
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2610
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1626
| 29 مايو 2026