رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا يفعل المسلم إزاء زلات إخوانه معه ؟وكذا المسلمة عندما تتكرر زلات أخواتها وجاراتها معها؟
الجواب : الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد
أولا : معنى الزلة : هي هنا السيئة تقع بلا قصد وقيل للذنب يقع من غير قصد زلة تشبيهاً له بزلة الرجل كما ذكره الراغب . وقد تحمل على الصغيرة، أو على أول معصية زل فيها مطيع معك. قال تعالى: "فإن زللتم"البقرة:209]، وقال:" فأزلهما الشيطان"البقرة:36]، واستزله: إذا تحرى زلته، وقوله:"إنما استزلهم الشيطان"آل عمران:155]، أي: استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه.وقد علمنا النبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – أن نتوجه إلى الله تعالى بالاستعاذة من عدة شرور تقع منا أو علينا وخاصة عند خروجنا من بيوتنا وتوجهنا إلى أي جهة سواء كان موقع العمل أو السوق أو ... أو …وجهنا - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – إلى أن نستعيذ بالله من أن يصدر عنا ذنب بغير قصد أو قصد ومن أن نظلم الناس في المعاملات أو أن نؤذيهم في المخالطات أو أن نفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء والإساءة قال الصديق عليه السلام لإخوانه وقد أمكنه الله تعالى منهم بعدما ألقوه في غيابة الجب " قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ"[يوسف : 89]هذا النص الكريم يقرر أنه ما من أخ يؤذيه أخوه ويسيء إليه إلا ووراء هذه الإساءة أو الأذي جهل ، ثم إن الإنسان إذا خرج من منزله لا بد له أن يعاشر الناس وأن يزاول أمور حياته فيخاف أن يعدل عن الصراط المستقيم فإما أن يكون في أمر الدين فلا يخلو من أن يَضل أو يُضل، وإما أن يكون في أمر الدنيا فإما بسبب جريان المعاملة معهم بأن يَظلم أو يُظلم وإما بسبب الاختلاط والمصاحبة فإما أن يَجهل أو يُجهل فاستعيذ بالله من هذه الأحوال كلها عَن أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ الله عنها - "أَنّ النبيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ: "باسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ على اللَّهِ، اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ أنْ أضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أوْ أزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أوْ أجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليَّ" سنن الترمذي كتاب الدعوات عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. باب منه. قال أبو عيسى: هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.. وكان من دعاء معاوية حين احتضاره"اللَّهُمَّ أَقِلِ العَثْرَةَ، وَاعْفُ عَنِ الزَّلَّةِ، وَتَجَاوَزْ بِحِلْمِكَ عَنْ جَهْلِ مَنْ لَمْ يَرْجُ غَيْرَكَ، فَمَا وَرَاءكَ مَذْهَبٌ" وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول في صلاته: الحمد لله حمدا لا يبلى جديده ولا يحصى عديده، ولا يبلغ حدوده؛ اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، واجعل القبر خير بيت نعمره، واجعل ما بعده خيرا لنا منه؛ اللهم إن عينيّ قد اغرورقتا دموعا من خشيتك؛ فاغفر الزلة، وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك. العقد الفريد (4/ 8.
ثانيا : بعد بيان معنى الزلة نقول يجب على المؤمن أن يتخلق بأخلاق الله تعالى في العفو والصفح والمسامحة والإغضاء عن زلات معارفه وإخوانه معه ، فإذا زل أحدهم معه زلة غفرها وبات طاويا سليم الصدر فلا مبرأ من عيب ولا سليم من نقص
(ومنْ ذا الذي ترضى سجاياهُ كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدَ معائيه)
قال كثير عزة:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه.. وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب
ومن يتتبع جاهداً كل عشرة .. يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب
وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال:
الذي يَسُد خَلَّتي ، ويغفر زلتي ، ويقيل عثرتي. وقيل: من عاتب على كل ذنب ضاع عتبه، وكثر تعبه. المستطرف في كل فن مستطرف (ص: 131)
والإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره، إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل ،حتى المتقين لا يسلمون ولعل هذا هو سر التعبير القرآني في الآية الكريمة في مس الشيطان لهم بأداة الشرط إذا المفيدة لكثرة وتيقن وقوع المس والوسوسة والنزغ قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ"[الأعرف: 201] ولكنهم لتقواهم يسترجعون من الشيطان ما اختلسه منهم ويستردون منه ما افترسه في سلوكهم بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله عز وجل بالذلة وإعلان الضعف والافتقار والاعتراف بالغفلة فلا تتركهم تقواهم للإصرار على المخالفة والاستمرار على الزلة بل ربما كانوا بعد المعصية والزلة أكمل منهم قبلها لعظيم ما ينشأ عن هذه الزلة من الذلة والانكسار والالتجاء والافتقار إلى الله تعالى ، ومن رام سليما من هفوة والتمس بريئا من نبوة ، فقد خادع نفسه إذ الكمال لله تعالى وحده ولا عصمة إلا للنبي ولا نبوة بعد محمد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – " مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً"[الأحزاب:40] وقد جاء في صفةِ مَجْلِسه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – "ولا تُنْثى فلَتاتُه" أي لا تُشاع ولا تُذاع زَلاَّتُه. والفَلَتاتُ: الزَّلاَّتُ؛ والمعنى أَنه –- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - لم يكن في مجلسه فَلَتاتٌ أَي: زَلاَّتٌ فَتُنْثى أَي: تُذْكَرَ أَو تُحْفَظَ وتُحْكى، لأَن مجلسه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - كان مَصُوناً عن السَّقَطاتِ واللَّغْو، وإِنما كان مَجْلِسَ ذِكْرٍ حَسَنٍ، وحِكَمٍ بالغةٍ، وكلامٍ لا فُضُولَ فيه.كما ذكر ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر. ثم إن الدهر لا ينيل كل إنسان ما يتمنى ويطلب ولا يعطي كل راغب ما يحب لذا لزمت المياسرة للإخوة في الصفح والإغضاء
خذ من خليلك ما صفا وذر الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معا تبة الخليل على الغير
وللمرء من إخوانه ما ظهر وما بطن فأمره إلى الله تعالى من غير تقص وتفحص للبواطن قال أسماء بن خارجة الفزاري ( ما شتمت أحدا قط لأنه إما كريم كانت منه زلة فأنا أحق أن أغفرها وأن آخذ عليها بالفضل فيها .أو لئيم فلم أكن لأجعل عرضي له غرضا ويتمثل بقول الشاعر
وأغفر عوراء الكريم اصطناعه وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
هذا رأي يذهب إليه بعض أهل العلم فقد أحب أبو الدرداء - رَضِيَ الله عنه - شابا حتى غلب على مجلسه وكان يقدمه على الأشياخ ويقربه حتى وقع ذلك الشاب المحبوب في كبيرة من الكبائر وعلم بذلك أبو الدرداء فقال - رَضِيَ الله عنه – لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء إنما أبغض عمله فإن تركه فهو أخي وإلا فلا وتمثل قول الله تعالى " فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ"الشعراء:" 216] وقال أبو الدرداء:"لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم"في هذا من أبي الدرداء - رَضِيَ الله عنه - نظرة تربوية فيها دعوة إلى إصلاح من فسد وتقويم من اعوج ورد من خرج عن الجادة إليها فالمؤمن لا يهلك كله ولا يذهب جملة وإذا تغير وحال عما كان عليه فلا يترك لأنه يعوج مرة ويستقيم أخرى ومداواته خير من تركه فما مثل هؤلاء الذي يرجى صلاحهم واستقامتهم إلا كمفاصل الجسم إذا طرأ لمفصل منها علة أو آفة فالأنفع علاجه وتقويمه ما دام ذلك ممكنا فذلك خير من قطعه
إذا راب منى مفصل فقطعته بقيت وما في الجسم منى مفصل
ولكن أداويه فإن صح سرني وإن هو أعياني فللعذر محمل
وهكذا يذهب أصحاب هذا الرأي مذهب الرفق والنظرة التربوية البعيدة إزاء أصحاب الزلات مادام يرجى استقامتهم فالإبقاء عليهم أولى من قطعهم لما فرط منك من زلة أو سهوة أو هفوة أو جفوة.
ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب
وفي مجمع الزوائد للهيثمي كتاب الحدود والديات. باب ما يقال لمن أصاب ذنباً. عن ابن مسعود - رَضِيَ الله عنه - قال: إذا رأيتم أخاكم قارف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه تقولون: اللهم أخزه اللهم العنه ولكن سلوا الله العافية، فإنا كنا أصحاب محمد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - كنا لا نقول في أحد شيئاً حتى نعلم على ما يموت فان ختم له بخير علمنا أنه أصاب خيراً وإن ختم له بشر خفنا عليه عمله.رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن عبيدة لم يسمع من أبيه.وعلى هذا يحمل ما ورد في السنة من احتمال رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – لزلات وفلتات برزت من بعض رجال حوله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – ولكنهم في غالب أحوالهم عدول بتعديل الله تعالى ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ……أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - لِلزُّبَيْرِ أَسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ - ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً"[النساء: 65] صحيح البخاري كتاب المساقاة. باب سَكْرِ الْأَنْهَارِ.قول الأنصاري هنا لرسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِه وسلَّمَ – " أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ": زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة، فأمثال هؤلاء يجب الستر عليهم والإغضاء عن هفواتهم العارضة وزلاتهم الطارئة.ما دام لم يجاهروا بها ولم يصروا عليها وقد قيل
لا يزهدَّنك في أخِ لكَ أن تراهُ زلَّ زلَّةَ
والمرءُ يطرحُه الذ ينَ (الذين) يلونَه في شَرِّ إِلَّة
ويَخُونُه من مأمنٍ أهلَ البِطانةِ والدِّ خِلَّة
والموتُ أعظمُ حادثٍ مما يَمُرُّ على الجِبِلَّهْ
وقال آخر
ابْلُ الرجالَ إِذا أردتَ إِخاءَهم وتوسمنَّ أمورَهم وتَفَقَّدِ
فإِذا رأيْتَ أخا العفافةِ والنهى بِرَّ اليدينِ قريرَ عينٍ فاشْدُدِ
فمتى يزلَّ ولا محالةَ زلةً فعلى أخيكَ بفضلِ حلمِك فارددِ
هذا والأصل في الزلة أنها تقال للذنب يقع فيه العبد من غير قصد ولهذا كان من الحكمة الستر والغفر لصاحبها ما دامت مغمورة في حسنات كثيرة أو ما دامت غير مقصودة.أو ما دامت أول مرة ، أو كانت صغيرة لا تتجاوز بأضرارها حد طاقة البشر.
والفريق الثاني يرى أن طرح الإخوان إذا فسدوا أولى ، وأن نبذهم إذا نفروا أصلح للنفس وأبقى للوقت والطاقة كالثوب الخلق إطراحه بالجديد أجمل له وينشد أحدهم
قد أكثرت حواء إذ ولدت فإذا جفا ولد . فخذ ولدا
ولنا أن نقول بالبصيرة النافذة والرأي السديد والنظر الثاقب وفراسة المؤمن يدرك المسلم طبيعة من حوله استقراء للغائب واستشفافا له من الشاهد واستلهاما للمستقبل من قراءة الحاضر الواقع أن هذا كريم حيي رب زلة أورثته ندامة حقيقية إيجابية تجعله لا يقع في هذه الهوة ثانية ولا يلدغ منه أخوه أو صاحبه ثانية إذ ليس في كل مرة تسلم الجرة فتراه يصلح ما أفسد سريعا ويرمِّم ما صدَّع عاجلا ويرقع ما أقدم على خرقه ويرف ما مزَّق دون أدني ريث ويعود سريعا إلى نفسه فليلومها وضميره يؤنبه وقلبه يضطرب وصدره لا يسكن فيه فؤاده وتظل زلته عليه سبعا هائجا وأسدا ثائرا يقض مضجعه ويغص عليه لقمته ويكدر عليه عيشه فيأتي من الأعمال الصالحة والسلوكيات الحميدة ما يرأب به ما تصدع من بنيان الأخوة وشقق من جسد الوحدة والألفة له في الكرام الكاتبين وكذا الأنبياء المرسلين عليهم السلام قدوة وأسوة فهاهم الملائكة المقربون ما إن بدت منهم زلة وبدرت منهم فلتة حتى بادروا إلى حسن الأدب وجميل الاعتذار تقرأ في هذا عقدا منظوما في فسطاط القرآن "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ "[البقرة:" 30] لعلك تلاحظ أن هؤلاء الأطهار الأبرار قد سارعوا الرجعة من الهفوة، وبادروا الإنابة من الزلة." قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"[البقرة: 32] وكذا شيخ المرسلين لما بدت منه هفوة في حوار ربه عز وجل معه بشأن ابنه وسأل الله تعالى ما ليس له به علم وأرجعه الله تعالى إلى الأدب الرباني ما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا سرعة اللجأ والاعتصام بالله تعالى من أن يسألها ثانية بله أول مرة تتلو هذا في هود "وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ"[هود: 45- 46] لعلك تلحظ هنا أن الله تعالى قد عاتب نوحا عليه السلام في مسألته هذه في شأن ابنه فما أسرع ما رجع نوح إلى ربه عز وجل :" قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ "[هود: 47]وكذلك فعل كل مسدد للحق موفق له، سريعة إلى الحق إنابته، قريبة إليه أوبته. وهوعز وجل للأوابين بعد الزلة، والتائبين بعد الهفوة غفور لهم وذلك لتخلقهم بالتوجيه النبوي " أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" رواه أحمد في مسنده وكذا الطبراني في الكبير فمن كان من الناس على هذه الشاكلة – تكون زلته صغيرة أو مرة تقع منه الإساءة – وكلتاهما عن غير قصد . فحقه إقالة عثرته والأخذ بيده وإعانته على العود إلى طريق الجادة استحياء له فهذه الشاكلة أو النوعية من الناس يصلحها الغفر والستر أما من رأيت أنه قد استمرأ الزلات واستحلى الهفوات ينال منك المرة بعد المرة وما إن تبرأ من هفوة سلفت وما يكاد يلتئم جرحك السابق إلا ويكون قد ألحق الهفوة والزلة السابقة بواحدة هي أكبر من أختها - ولئن كانت الأولى عفوية فمن المستبعد أن تكون الثانية هكذا - وتتعدد وتتنوع جراحاته لك فيكاد يرسم بزلاته خريطة جراحات في حياتك تترك آثارها على نفسياتك ومعنوياتك يقطع عليك الطريق وما أدراك ما قطاع الطريق وترويعهم الآمنين وعيثهم في الأرض فسادا وسلبهم حقوق وممتلكات الآخرين وما رصد الله تعالى لهم من عقاب يجتث جرثومتهم ويستأصل شأفتهم ويقتلع جذورهم من المجتمع نكاية لهم ليذهب غيظ قلوب المؤمنين ويشف صدروهم ومن هنا فهذا الصنف الأخير أولى به القطع والبتر وعلى ضوء هذه المعاني نستطيع أن نفهم مدح الله تعالى الانتصار من الباغي والانتصاف من الظالم في موطن وكذا مدحه تعالى العفو والصفح في موطن آخر والاثنان في مقابل زلات أو قل إساءات متعمدة قال ابن العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح؛ فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للأخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين؛ إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور؛ وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير؛ فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق. - وهذا فيمن يتعدى ويصر على ذلك.- الثانية: أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة؛ و يأتيك نادما مقلعا فالعفو ها هنا أفضل استحياء واستبقاء له وفي مثله يوجه الوحي المعصوم بقول الله تعالى :"وأن تعفوا أقرب للتقوى" [البقرة: 237]. وقوله تعالى : "فمن تصدق به فهو كفارة له" [المائدة: 45]. وقوله تعالى: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم" [النور: 22] وقديما قيل (إنَّ الْجَوَادَ قَدْ يَعْثُرُ) فمن يكون الغالبُ عليه في سلوكه معك فعل الجميل، وليس يعرف بالشر ثم تكون منه الزَّلَّة حقه سترها فهي مغمورة في حسناته ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة وما أجمل ما قال الشافعي رحمه الله في هذا المعنى عفوا وصفحا عن الهفوات الطارئة والزلات العارضة العابرة وإن قصرها على هفوات المسافرين إلا أنها كما تليق بالمنتقلين تصلح للمقيمين
إَذَا رَافَقْتَ فِي الأَسْفَارِ قَوْمَاً فَكُنْ لَهُمْ كَذِي الرَّحِمِ الشَّفِيقِ
لَعَيْبُ النَّفْسِ ذَا بَصَرٍ وَعِلْمٍ وَأَعْمَى العَيْنِ عَنْ عَيْبِ الرَّفِيق
وَلاَ تَأْخُذْ بِعَثْرَةِ كُلِّ قَوْمٍ وَلكِنْ قُلْ هَلُمَّ إِلَى الرَّفِيقِ
فَإِنْ تَأَخُذْ بِعَثْرَتِهِمْ يَقِلُّوا وَتَبْقَى فِي الزَّمَان بِلاَ صَدِيقِ
وعلى كل حال كما قال تعالى:" بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ"[القيامة:14] ومن هذه البصيرة النافذة ما يمكن أن تدرك بها من يصلح معه الغفر والستر ومن لا يصلح معه إلا القطع والبتر.والله تعالى ولي التوفيق.
رجال من الذهب (2)
كان قد كتب عمروُ بن العاص إلى أمير المؤمنين عمرَ بن الخطّاب يستمدّه بثلاثة آلاف فارسٍ فأمدّه بخارجة... اقرأ المزيد
660
| 04 نوفمبر 2016
رجال من الذهب (1)
في السلسلة الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: 2288 قَال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَالَّذِي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِه: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ... اقرأ المزيد
5089
| 03 نوفمبر 2016
قبض النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل الأمة
في صحيح مسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ — صلى الله عليه وسلم —: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ... اقرأ المزيد
1615
| 21 أكتوبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43566
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8835
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7185
| 15 سبتمبر 2026