رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لليُتم الفلسطيني وجوه كثيرة، وربما كان أقساها أن يهرب الإنسان من الموت في وطنه، فلا يجد في الغربة خلاصاً كاملاً من الفقد. هناك، في الداخل الفلسطيني، يموت الناس تحت نيران الاحتلال، في البيوت والشوارع والمخيمات، بينما يقف العالم متفرجاً على المأساة، عاجزاً أو متواطئاً أو صامتاً. وهنا، في بلاد الشتات، يحمل الناجون من الموت جراحهم وذكرياتهم، ويبحثون عن حياة جديدة، فإذا بالغربة نفسها تفتح أبواباً أخرى للفقد.
ولعل رحيل عائلة الخواص في بريطانيا يختصر جانباً موجعاً من هذه الحكاية.
حسام الخواص، وزوجته زينة عليان، وابنتاهما سارة وسجى الخواص، لم يموتوا في فلسطين تحت القصف، بل في بريطانيا، في البلد الذي لجأت إليه العائلة بحثاً عن الأمان. خرجوا من صخب لندن وحرّها وضغطها، وقصدوا أحد الشواطئ الهادئة، ربما بحثاً عن ساعات قليلة من الراحة، عن نسمة بحر تزيح عن الروح شيئاً من ثقل المدينة والغربة. لم يذهبوا بحثاً عن الخطر؛ ذهبوا بحثاً عن الهدوء.
لكن البحر الذي قصده الأربعة طلباً للسكينة، أخذهم دفعة واحدة، وطواهم في لحظة لا تترك وراءها إلا الأسئلة.
ما أقسى أن يهرب الإنسان من نارٍ بعيدة، ثم يكتشف أن الموت يمكن أن ينتظره في مكان ظنه آمناً. وما أشد وطأة أن تكون الغربة نفسها مسرحاً للفاجعة، وأن يموت أفراد عائلة بأكملها بعيداً عن الأرض التي حملوا منها أسماءهم وذكرياتهم.
قرأت خبر عائلة الخواص بوجع شخصي. فأنا تونسي ألفت الغربة منذ نحو أربعة عقود، وطوحت بي الحياة خلال هذه الرحلة في بلدان عربية وإسلامية وغربية كثيرة، قبل أن يستقر بي المقام في لندن. ولعل كثرة الترحال تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه أخبار الموت في المنافي؛ إذ لا يعود الخبر بعيداً تماماً، بل يوقظ فيك شيئاً من تجاربك القديمة، ومن وجوه تركتها وراءك، ومن إحساس لا يفارق المغترب بأن حياته موزعة بين أمكنة كثيرة.
بعد كل هذه السنوات، أدركت أن الغربة ليست مجرد انتقال من بلد إلى بلد. إنها إعادة ترتيب للعلاقة مع المكان والناس والذاكرة. تتعلم أن تعيش في مدينة ليست مدينتك، وأن تفرح بعيداً عن البيت الأول، وأن تواسي ميتاً لا تستطيع أسرته أن تكون قريبة منه كما كانت تتمنى. ومع الزمن، يصبح المرء جزءاً من عالم واسع من المهاجرين؛ لا تجمعهم دائماً اللغة أو الجنسية أو الدين، وإنما تجمعهم تلك المعرفة الصامتة بمعنى أن تكون بعيداً.
لهذا لا أرى موت عائلة الخواص باعتباره مأساة فلسطينية فحسب. إنه مأساة الغريب في كل مكان.
في بريطانيا، يعيش أناس جاؤوا من أوطان شتى. بعضهم جاء طلباً للعلم والعمل، وبعضهم هرب من الحرب، وبعضهم فر من الاستبداد، وبعضهم حملته ظروف الحياة بعيداً عن المكان الذي ولد فيه. تختلف البدايات، لكن النهاية واحدة حين يحضر الموت: يصبح الوطن الذي تركناه وراءنا حاضراً في كل جنازة، وتصبح المسافة بيننا وبين أهلنا جزءاً من ألم الفقد.
ولعل الموت، على قسوته، يفعل شيئاً تعجز عنه الحياة أحياناً: يزيل الحدود بين الغرباء.
في لحظة العزاء لا تعود الجنسية هي السؤال الأول، ولا المذهب، ولا المدينة التي جئت منها. يبقى الإنسان أمام إنسان آخر فقد عزيزاً. وربما لهذا تكتسب الأماكن التي تجمع المهاجرين أهمية تتجاوز وظيفتها الأولى.
من هنا أفهم الدور الذي أصبح يؤديه المنتدى الفلسطيني في لندن.
لقد جاء المنتدى في الأصل ليجمع شتات الفلسطينيين، ويحفظ لهم شيئاً من حضور الوطن في بلاد الغربة. لكن الحياة أوسع من الخطط التي يضعها الناس. شيئاً فشيئاً، تحولت هذه المساحة الفلسطينية إلى خيمة تتسع للعرب والمسلمين، بل لكل من وجد فيها مكاناً يشبه البيت.
نلتقي فيها في رمضان، في صلاة التراويح، وعلى موائد الإفطار، ونعود إليها في الأعياد، وفيها نقيم أفراحنا أيضا، لكننا نعود إليها أيضاً في الوجه الآخر للحياة: حين يموت أحدنا.
هناك تقام بيوت العزاء، وتُقرأ الفاتحة، وتُرفع الأيدي بالدعاء، ويجلس أناس لا تجمعهم قرابة الدم حول أهل الفقيد ليقولوا لهم، بالفعل قبل القول: أنتم لستم وحدكم.
وهذه، في رأيي، إحدى أجمل الوظائف التي يمكن أن تؤديها مؤسسة في مجتمع المهاجرين. أن تبدأ من قضية وطن، ثم تكتشف أن الدفاع عن الوطن لا يعني الانغلاق على أهله، وأن الذاكرة الفلسطينية يمكن أن تصبح مساحة للتضامن مع كل من ذاق مرارة الاقتلاع.
فالفلسطيني يعرف معنى اللجوء، لكن ذلك لا يجعله وحده في هذا الألم. في خيمة الغربة تلتقي مآسٍ كثيرة: فلسطيني اقتلع من أرضه، وسوري أخرجته الحرب من بيته، وعراقي حملته الاضطرابات إلى المنفى، وتونسي اختار أو اضطر إلى أن يبني حياته بعيداً عن بلده، وغيرهم ممن دفعتهم ظروفهم إلى الضفة الأخرى من العالم.
قد لا تكون قصصنا واحدة، لكننا نعرف شيئاً مشتركاً: معنى أن تفتقد مكاناً لا تستطيع الوصول إليه كلما اشتقت إليه.
وأنا، بعد أربعة عقود من التنقل، أعرف أن الإنسان لا يختار دائماً أين تكون غربته، لكنه يستطيع أن يختار كيف يعيشها. يمكن أن تتحول الغربة إلى عزلة، ويمكن أن تتحول إلى معرفة بالآخر. يمكن أن تجعلنا أكثر انغلاقاً، ويمكن أن تجعلنا أكثر رحمة.
ولعل خيمة المنتدى اختارت الطريق الثاني.
فهي لا تلغي الغربة، ولا تعيد لنا أوطاننا، ولا تستطيع أن توقف الموت. لكنها تفعل شيئاً أكثر تواضعاً، وربما أكثر ضرورة: تجعل وقع الغربة أقل قسوة، وتجعل الحزن قابلاً لأن يُحتمل حين يتقاسمه الآخرون.
رحم الله حسام الخواص وزينة عليان وسارة الخواص، ورحم كل من مات بعيداً عن وطنه وأهله، وحفظ من بقي لأحبته.
وأمام موت عائلة كاملة في شاطئ بريطاني هادئ، لا أجد ما أقوله سوى أن الإنسان، مهما ابتعد، يبقى محتاجاً إلى يد تمتد إليه حين ينكسر. وربما لهذا تبقى الخيام، منذ أقدم أزمنة الترحال، رمزاً للنجاة والجوار والضيافة: قطعة قماش بسيطة في مواجهة اتساع العالم.
لقد ضاقت بنا الأوطان أحياناً، وطالت بنا المنافي، وتفرقت بنا الطرق. لكن لعل خلاصنا الصغير يكمن في أن نصنع، حيثما حللنا، مساحة يتسع فيها القلب للآخر.
خيمة لا تسأل الغريب من أين جاء، بل تفسح له مكاناً. خيمة نجتمع فيها حين نفرح، ونلتقي فيها حين نحزن، ونجد فيها، ولو للحظات، ما يشبه الوطن.
رحم الله الراحلين، وألهم أهلهم الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2481
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2274
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1179
| 11 أكتوبر 2026