رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

246

عادل الحامدي

من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء

26 أغسطس 2026 , 11:27م

لليُتم الفلسطيني وجوه كثيرة، وربما كان أقساها أن يهرب الإنسان من الموت في وطنه، فلا يجد في الغربة خلاصاً كاملاً من الفقد. هناك، في الداخل الفلسطيني، يموت الناس تحت نيران الاحتلال، في البيوت والشوارع والمخيمات، بينما يقف العالم متفرجاً على المأساة، عاجزاً أو متواطئاً أو صامتاً. وهنا، في بلاد الشتات، يحمل الناجون من الموت جراحهم وذكرياتهم، ويبحثون عن حياة جديدة، فإذا بالغربة نفسها تفتح أبواباً أخرى للفقد.

ولعل رحيل عائلة الخواص في بريطانيا يختصر جانباً موجعاً من هذه الحكاية.

حسام الخواص، وزوجته زينة عليان، وابنتاهما سارة وسجى الخواص، لم يموتوا في فلسطين تحت القصف، بل في بريطانيا، في البلد الذي لجأت إليه العائلة بحثاً عن الأمان. خرجوا من صخب لندن وحرّها وضغطها، وقصدوا أحد الشواطئ الهادئة، ربما بحثاً عن ساعات قليلة من الراحة، عن نسمة بحر تزيح عن الروح شيئاً من ثقل المدينة والغربة. لم يذهبوا بحثاً عن الخطر؛ ذهبوا بحثاً عن الهدوء.

لكن البحر الذي قصده الأربعة طلباً للسكينة، أخذهم دفعة واحدة، وطواهم في لحظة لا تترك وراءها إلا الأسئلة.

ما أقسى أن يهرب الإنسان من نارٍ بعيدة، ثم يكتشف أن الموت يمكن أن ينتظره في مكان ظنه آمناً. وما أشد وطأة أن تكون الغربة نفسها مسرحاً للفاجعة، وأن يموت أفراد عائلة بأكملها بعيداً عن الأرض التي حملوا منها أسماءهم وذكرياتهم.

قرأت خبر عائلة الخواص بوجع شخصي. فأنا تونسي ألفت الغربة منذ نحو أربعة عقود، وطوحت بي الحياة خلال هذه الرحلة في بلدان عربية وإسلامية وغربية كثيرة، قبل أن يستقر بي المقام في لندن. ولعل كثرة الترحال تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه أخبار الموت في المنافي؛ إذ لا يعود الخبر بعيداً تماماً، بل يوقظ فيك شيئاً من تجاربك القديمة، ومن وجوه تركتها وراءك، ومن إحساس لا يفارق المغترب بأن حياته موزعة بين أمكنة كثيرة.

بعد كل هذه السنوات، أدركت أن الغربة ليست مجرد انتقال من بلد إلى بلد. إنها إعادة ترتيب للعلاقة مع المكان والناس والذاكرة. تتعلم أن تعيش في مدينة ليست مدينتك، وأن تفرح بعيداً عن البيت الأول، وأن تواسي ميتاً لا تستطيع أسرته أن تكون قريبة منه كما كانت تتمنى. ومع الزمن، يصبح المرء جزءاً من عالم واسع من المهاجرين؛ لا تجمعهم دائماً اللغة أو الجنسية أو الدين، وإنما تجمعهم تلك المعرفة الصامتة بمعنى أن تكون بعيداً.

لهذا لا أرى موت عائلة الخواص باعتباره مأساة فلسطينية فحسب. إنه مأساة الغريب في كل مكان.

في بريطانيا، يعيش أناس جاؤوا من أوطان شتى. بعضهم جاء طلباً للعلم والعمل، وبعضهم هرب من الحرب، وبعضهم فر من الاستبداد، وبعضهم حملته ظروف الحياة بعيداً عن المكان الذي ولد فيه. تختلف البدايات، لكن النهاية واحدة حين يحضر الموت: يصبح الوطن الذي تركناه وراءنا حاضراً في كل جنازة، وتصبح المسافة بيننا وبين أهلنا جزءاً من ألم الفقد.

ولعل الموت، على قسوته، يفعل شيئاً تعجز عنه الحياة أحياناً: يزيل الحدود بين الغرباء.

في لحظة العزاء لا تعود الجنسية هي السؤال الأول، ولا المذهب، ولا المدينة التي جئت منها. يبقى الإنسان أمام إنسان آخر فقد عزيزاً. وربما لهذا تكتسب الأماكن التي تجمع المهاجرين أهمية تتجاوز وظيفتها الأولى.

من هنا أفهم الدور الذي أصبح يؤديه المنتدى الفلسطيني في لندن.

لقد جاء المنتدى في الأصل ليجمع شتات الفلسطينيين، ويحفظ لهم شيئاً من حضور الوطن في بلاد الغربة. لكن الحياة أوسع من الخطط التي يضعها الناس. شيئاً فشيئاً، تحولت هذه المساحة الفلسطينية إلى خيمة تتسع للعرب والمسلمين، بل لكل من وجد فيها مكاناً يشبه البيت.

نلتقي فيها في رمضان، في صلاة التراويح، وعلى موائد الإفطار، ونعود إليها في الأعياد، وفيها نقيم أفراحنا أيضا، لكننا نعود إليها أيضاً في الوجه الآخر للحياة: حين يموت أحدنا.

هناك تقام بيوت العزاء، وتُقرأ الفاتحة، وتُرفع الأيدي بالدعاء، ويجلس أناس لا تجمعهم قرابة الدم حول أهل الفقيد ليقولوا لهم، بالفعل قبل القول: أنتم لستم وحدكم.

وهذه، في رأيي، إحدى أجمل الوظائف التي يمكن أن تؤديها مؤسسة في مجتمع المهاجرين. أن تبدأ من قضية وطن، ثم تكتشف أن الدفاع عن الوطن لا يعني الانغلاق على أهله، وأن الذاكرة الفلسطينية يمكن أن تصبح مساحة للتضامن مع كل من ذاق مرارة الاقتلاع.

فالفلسطيني يعرف معنى اللجوء، لكن ذلك لا يجعله وحده في هذا الألم. في خيمة الغربة تلتقي مآسٍ كثيرة: فلسطيني اقتلع من أرضه، وسوري أخرجته الحرب من بيته، وعراقي حملته الاضطرابات إلى المنفى، وتونسي اختار أو اضطر إلى أن يبني حياته بعيداً عن بلده، وغيرهم ممن دفعتهم ظروفهم إلى الضفة الأخرى من العالم.

قد لا تكون قصصنا واحدة، لكننا نعرف شيئاً مشتركاً: معنى أن تفتقد مكاناً لا تستطيع الوصول إليه كلما اشتقت إليه.

وأنا، بعد أربعة عقود من التنقل، أعرف أن الإنسان لا يختار دائماً أين تكون غربته، لكنه يستطيع أن يختار كيف يعيشها. يمكن أن تتحول الغربة إلى عزلة، ويمكن أن تتحول إلى معرفة بالآخر. يمكن أن تجعلنا أكثر انغلاقاً، ويمكن أن تجعلنا أكثر رحمة.

ولعل خيمة المنتدى اختارت الطريق الثاني.

فهي لا تلغي الغربة، ولا تعيد لنا أوطاننا، ولا تستطيع أن توقف الموت. لكنها تفعل شيئاً أكثر تواضعاً، وربما أكثر ضرورة: تجعل وقع الغربة أقل قسوة، وتجعل الحزن قابلاً لأن يُحتمل حين يتقاسمه الآخرون.

رحم الله حسام الخواص وزينة عليان وسارة الخواص، ورحم كل من مات بعيداً عن وطنه وأهله، وحفظ من بقي لأحبته.

وأمام موت عائلة كاملة في شاطئ بريطاني هادئ، لا أجد ما أقوله سوى أن الإنسان، مهما ابتعد، يبقى محتاجاً إلى يد تمتد إليه حين ينكسر. وربما لهذا تبقى الخيام، منذ أقدم أزمنة الترحال، رمزاً للنجاة والجوار والضيافة: قطعة قماش بسيطة في مواجهة اتساع العالم.

لقد ضاقت بنا الأوطان أحياناً، وطالت بنا المنافي، وتفرقت بنا الطرق. لكن لعل خلاصنا الصغير يكمن في أن نصنع، حيثما حللنا، مساحة يتسع فيها القلب للآخر.

خيمة لا تسأل الغريب من أين جاء، بل تفسح له مكاناً. خيمة نجتمع فيها حين نفرح، ونلتقي فيها حين نحزن، ونجد فيها، ولو للحظات، ما يشبه الوطن.

رحم الله الراحلين، وألهم أهلهم الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مساحة إعلانية