رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

903

د. سلوى حامد الملا

لماذا لا نحتفل بمولد سيد البشرية؟

26 أغسطس 2026 , 11:28م

* يحل علينا في شهر ربيع الأول من كل عام ذكرى مولد سيد الخلق، نبينا محمد ﷺ نبي الرحمة الذي بعثه الله هداية للعالمين، فقال سبحانه: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. وفي زحام أيامنا وتسارع أحداثها، يحق لنا أن نتساءل: هل أخذت سيرة رسول الله ﷺ من حياتنا وحياة الابناء والأجيال ما تستحقه من حضور؟ ولماذا لا نجعل من ذكرى مولده مناسبة سنوية كبرى نستعيد فيها سيرته، ونعرّف الأجيال والعالم بشخصه ورسالته وأخلاقه؟

* وُلد النبي ﷺ في مكة المكرمة في عام الفيل، وثبت أنه وُلد يوم الاثنين؛ فقد سُئل عن صيام يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت أو أُنزل عليّ فيه". أما تحديد اليوم من شهر ربيع الأول فقد اختلف فيه أهل السيرة، وإن اشتهر عند جمهور الناس الثاني عشر منه. والمهم ليس الوقوف عند اختلاف التاريخ بقدر ما هو الوقوف أمام عظمة الحدث..مولد إنسان غيّر الله برسالته وجه التاريخ.

* لقد كان مولده ﷺ إيذانًا بمرحلة جديدة للبشرية؛ رسالة قامت على التوحيد والعدل والرحمة وكرامة الإنسان، وانتقلت بأمة من التفرق إلى الاجتماع، ومن العصبية إلى الأخوة، ومن الظلم إلى ميزان أخلاقي جعل الناس سواسية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح.

* وحين نتحدث عن رسول الله ﷺ، فإننا لا نستعيد قصة تاريخية مضت وانتهت، بل نستعيد منهج حياة. نستحضر رحمته بالصغير، واحترامه للمرأة، وبره بالضعيف، وعدله مع المخالف، ووفاءه بالعهد، وحسن جواره، وتواضعه وهو قائد أمة، ورحمته حتى بالحيوان. إنها قيم يحتاج إليها عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

* ومن أجمل صفحات سيرته بداية نزول الوحي. عاد ﷺ إلى خديجة رضي الله عنها من غار حراء وقد هاله ما رأى، فقال: "لقد خشيت على نفسي"، فكان جوابها الذي بقي خالدًا في التاريخ: "كلا والله ما يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". لم تستدل خديجة رضي الله عنها على عظمة زوجها بالمال أو المكانة، بل بالأخلاق.

* ثم ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، فلما سمع خبره أدرك أن ما نزل عليه هو الوحي، وأخبره بما ينتظره من أذى قومه. ومن هنا بدأت أعظم رحلة تغيير عرفها التاريخ؛ دعوة واجه صاحبها الأذى والحصار والهجرة والحروب وفقد الأحبة، ومع ذلك لم تتحول رسالته إلى انتقام، بل بقيت الرحمة عنوانها حتى يوم فتح مكة.

* والسؤال المهم كم يعرف الابناء والجيل الحالي من هذه السيرة؟ كم يعرفون عن طفولة النبي ﷺ وشبابه وأمانته قبل البعثة؟ وعن علاقته بأصحابه وأهل بيته؟ وعن تعامله مع الأطفال والنساء وكبار السن وغير المسلمين؟ وكم يعرفون عن وثيقة المدينة، وصلح الحديبية، وفتح مكة، وخطبة الوداع؟ وهل نقدم لهم هذه السيرة بالطريقة التي تناسب عصرهم، أم تركناها في كتب لا يصل إليها إلا من يبحث عنها؟

* نحن نعيش عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تستطيع دقيقة واحدة أن تصل إلى ملايين البشر في ساعات. وهذه الأدوات نفسها التي تنشر أحيانًا صورًا مشوهة عن الإسلام ونبيه ﷺ يمكن أن تصبح أكبر نافذة عالمية للتعريف بسيرته. فلماذا لا يكون شهر ربيع الأول موسمًا إعلاميًا وثقافيًا ومعرفيًا عالميًا للتعريف برسول الله ﷺ ؟

* لماذا لا تتبنى المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية برامج سنوية تُعرّف بسيرته؟ محاضرات في المساجد، وندوات في الجامعات، ومسابقات في المدارس، وأفلام وثائقية ومواد رقمية بلغات العالم، وبرامج للأطفال والشباب، وحلقات تلفزيونية تستضيف العلماء والمفكرين والمؤرخين، ومبادرات على منصات التواصل الاجتماعي تقدم أخلاق النبي ﷺ ومواقفه بلغة هذا العصر؟

* ويمكن أن يقرأ الشباب في هذه المناسبة مختارات من كتب السيرة والشمائل؛ مثل "الشمائل المحمدية" للترمذي، "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض، إلى جانب الكتب المعاصرة الموثوقة التي تقدم السيرة بأسلوب يناسب الأجيال الجديدة. فحب النبي ﷺ لا ينبغي أن يبقى عاطفة في القلب فحسب، وإنما معرفة بسيرته، واقتداءً بأخلاقه، واتباعًا لسنته.

* وهناك خلاف معروف بين العلماء حول تخصيص المولد النبوي بالاحتفال، وهو خلاف ينبغي احترامه وعدم تحويله إلى خصومة. لكن السؤال الذي أطرحه مختلف: هل التعريف برسول الله ﷺ وسيرته وأخلاقه يحتاج إلى خلاف؟ وهل اجتماع الشباب والأطفال للاستماع إلى سيرته، وقراءة شمائله، وتعليم الأطفال رحمته وأخلاقه، وإنتاج محتوى عالمي يعرف الناس به، أمر لا يستحق أن نخصص له مساحة سنوية كبيرة؟

* إننا نخصص أيامًا ومناسبات للاحتفاء بالوطن والرياضة والثقافة والتراث، ونستحضر خلالها الإنجازات والتاريخ وسير الرجال ومآثرهم، وهذا أمر محمود. أفلا يستحق رسول الله ﷺ، الذي نحبه ونشهد أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، أن تكون سيرته حاضرة بقوة في وجدان الأجيال، وأن يكون هناك موسم سنوي تتكاتف فيه الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة والإعلام والثقافة للتعريف به؟

* آخر جرة قلم:

لسنا بحاجة إلى أن يحجب الاختلاف حول شكل الاحتفال جوهر القضية؛ فالأهم أن تبقى سيرة النبي ﷺ حاضرة في حياتنا وحياة أبنائنا. وفي وجداننا..فلماذا لا تكون ذكرى مولده مناسبة سنوية ثقافية وتعليمية وإعلامية، تسبقها فعاليات ومحاضرات ومسابقات، وتخصص فيها القنوات والمنصات الرقمية برامج للتعريف بسيرته وأخلاقه؟ ولِمَ لا تنطلق من قطر مبادرة رقمية بلغات متعددة تحمل سيرته ﷺ إلى العالم، خاصة في زمن تستطيع فيه رسالة قصيرة أن تعبر القارات؟ فأجمل احتفال بمولده ﷺ أن يعرفه أبناؤنا أكثر، وأن نقتدي به أكثر، وأن يعرف العالم من هو محمد ﷺ

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مساحة إعلانية