رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدايةً، يُمكننا تعريف سقف الدين بأنه مقدار المال الذي يسمح للولايات المتحدة بالاقتراض لتغطية التزاماتها. ويبلغ سقف الدين الحالي حوالي 31.4 تريليون دولار، وتشمل هذه المبالغ المستحقة الدفع عدة أمور مثل الضمان الاجتماعي ومزايا الرعاية الطبية والاسترداد الضريبي بالإضافة إلى الرواتب العسكرية ومدفوعات الفائدة. وباعتبارها أكبر مستورد للسلع في العالم، تعاني الولايات المتحدة من عجز في الميزانية حيث إن وارداتها تتخطى صادراتها.
وفي كل مرة تقترب فيها من سقف الدين، ينشأ نزاع سياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين حول ضرورة رفع سقف الدين من عدمه ويُهدد هذا الصراع بدوره استقرار النظام المالي. ومن الناحية التاريخية، لم تتخلف الولايات المتحدة قط عن سداد ديونها إلا مرة واحدة في عام 1979، عندما تأخر سداد المدفوعات بسبب عطل فني غير مقصود.
مفاوضات سقف الدين هذا العام تشبه الأحداث التي وقعت في عامي 2011 و 2013، والتي أبرمت خلالها الاتفاقيات من قبل الأطراف خلال الأيام الأخيرة. ترتب على الاحداث في عام 2011 آثار سلبية بارزة على استقرار الاقتصاد الأمريكي حيث خفضت وكالات التصنيف الائتماني الكبيرة مثل ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني الأمريكي من AAA إلى AA+، مما يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض في المقابل. ونتيجة لتلك البلبلة، ارتفعت معدلات الرهن العقاري على مدار شهرين بنسبة 0.7 إلى 0.8 نقطة مئوية قبل انخفاضها تدريجيًا بعد ذلك. علاوة على ذلك وخلال ذلك الوقت، شهد مؤشر S&P 500انخفاضًا بنسبة 17٪ تقريبًا خلال الفترة بين 22 يوليو وأغسطس.
في الآونة الأخيرة، قبل الوصول إلى تاريخ انتهاء سقف الدين، أعلنت وكالات التصنيف الائتماني مثل موديز أن أي تأخير طفيف في دفع المستحقات سيقابله تخفيض فوري للتصنيف الائتماني لسندات الخزانة الأمريكية. وأدى ذلك الإعلان إلى إضعاف ثقة المستثمرين فالسوق، ونتيجة لذلك، طلب المستثمرون زيادة قدرها 140 نقطة أساس لسندات الخزانة المستحقة في يونيو كتعويض عن تحمل المخاطر الإضافية، مما انعكس على ارتفاع أسعار الفائدة من 4.4٪ إلى 5.7٪. حدثت كافة هذه التقلبات في أسواق الديون والأسواق المالية في حين أن الولايات المتحدة لم تتخلف عن السداد بعد، لذلك يمكننا تخيّل مدى شدة الأزمة إذا تخلفت الولايات المتحدة عن سداد ديونها.
بعد أشهر من المعارضة وتحديدًا بتاريخ 27 مايو، توصل كل من بايدن ورئيس مجلس النواب كيفن مكارثي بعقد اتفاق فيما يتعلق بسقف الديون. أدى عقد هذا الاتفاق إلى تعليق سقف الدين حتى يناير 2025، مما يضمن عدم نشوء مثل هذا النزاع قبل الانتخابات المقبلة. كما تضمن العديد من البنود التي تقيد الإنفاق الحكومي، حيث تضع حدوداً للإنفاق غير المتعلق بالامن القومي، بما في ذلك عدة مجالات مثل التعليم والنقل. ويفرض التشريع قيودًا عدة مثل الحفاظ على مستوى الإنفاق المالي ثابتًا في عام 2024، تليها زيادة لا تزيد عن 1٪ في عام 2025. علاوةً على ذلك، أدى هذا الاتفاق بدوره إلى إلغاء حوالي 28 مليار دولار من الميزانية المخصصة للتعافي من آثار جائحة فيروس كورونا المستجد 19. ذلك بالإضافة إلى فرضه قيودًا على برامج المساعدات المالية المقدمة للأسر المحتاجة والقروض الطلابية، كما خفض أيضًا حوالي 1.4 مليار دولار من تمويل دائرة الإيرادات الداخلية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه القيود المفروضة على الإنفاق إلى توفير حوالي تريليون دولار على المدى الطويل. وعلى الرغم من أن هذه المدخرات ستساعد في انخفاض معدل الفائدة الحقيقي، مما سيؤدي في النهاية إلى انخفاض أسعار الفائدة، إلا أن هذا الانخفاض في معدلات الفائدة لن تزيد من الاستهلاك والاستثمار بشكل ملحوظ حيث إن هذه العوامل مدفوعة في الأساس بالدخل والربحية. وبالتالي، ستفشل أسعار الفائدة المخفّضة بتعويض الركود الناتج عن انخفاض معدل الإنفاق.
ماذا لو أخفقت الولايات المتحدة في تعليق سقف الدين وتخلفت عن السداد؟
وفقًا لموديز، حتى التخلف الطفيف عن السداد سيسبب في تكبد خسائر فادحة للاقتصادات الأمريكية والعالمية، وأن التخلف عن السداد سيسبب أزمة اقتصادية قريبة لأزمة 2008.
هناك العديد من السيناريوهات المحتملة في حالة الاخفاق في رفع مستوى الدين، سنستعرضه فيما يلي: ستضطر الولايات المتحدة إلى طباعة مبالغ هائلة من الدولارات للوفاء بالتزاماتها نظرًا لحاجتها إلى سداد مبالغ كبيرة يجب سدادها في وقت قريب حيث يجب سداد حوالي تريليون دولار في يونيو فقط، وإيرادات الضرائب غير كافية للوفاء
كما سيشجع تأجيل سداد الديون العديد من حاملي السندات على بيع سنداتهم، وبالتالي، ستنخفض قيمة هذه السندات بشكل حاد. وسيسهم هذا الانخفاض في قيمة هذه السندات في عدم استقرار السوق حيث ستنخفض قيمة أصول البنوك، محدثًا مشكلة الملاءة المالية التي من شأنها أن تؤدي أيضًا إلى الإفلاس.
وختامًا، يمكننا أن نعزو هذا النزاع بشكل أساسي إلى عوامل سياسية من أجل الحد من الإنفاق الحكومي، نظرًا لأن مثل هذه القيود على الإنفاق لن تكون لصالح الحزب الديمقراطي وفي المقابل، ستحقق فائدة لصالح الجمهوريين في الانتخابات المقبلة. ويمكننا أيضًا استنتاج أنه من غير المرجح أن تتخلف الولايات المتحدة عن السداد نظرًا لأن السبب الرئيسي للمعارضة مرتبط بالسياسة، وما يحدث غالبًا يشبه ما حدث سابقًا في عام 2011 والعام الماضي، حيث عُقدت الاتفاقات في الأيام الأخيرة. علاوةً على ذلك، يرتبط النظام العالمي إلى حدّ كبير بالدولار، مما يعني أن العملة الاحتياطية الرئيسية في جميع أنحاء العالم هي الدولار، كما تُسعر جميع السلع تقريبًا مثل النفط والغاز والوقود بالدولار. بالإضافة إلى ذلك، هناك تدفق مالي كبير نحو الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب مبالغ كبيرة من الودائع بالدولار في جميع أنحاء العالم، وتسهم جميعها في ارتفاع معدل الطلب على الدولار.
إرث مستدام تركه باني قطر الحديثة رحمه الله
بمشاعر من الحزن والأسى استقبل أهل قطر والخليج والأمتان العربية والإسلامية نبأ وفاة فقيد الوطن الكبير باني قطر... اقرأ المزيد
204
| 19 يوليو 2026
الأمير الوالد... إرث وطن لا يغيبه الرحيل
ودعنا صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله في مشهد مهيب لم تشهد... اقرأ المزيد
129
| 19 يوليو 2026
تحديات الوساطة والمساعي الدبلوماسية
تعكس الأعمال العسكرية والاعتداءات الإيرانية المرفوضة وغير المبررة، والتي أخذت منحى تصعيديا خطيرا من خلال استهدافات طالت حتى... اقرأ المزيد
66
| 19 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5730
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1821
| 12 يوليو 2026
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات الصاروخية المتتالية، بل فزعت قطر عن بكرة أبيها لروح الوطن وسويداء قلبه، ويا للألم عندما يكون نبأ فقد أغلى من عرفته قطر والعروبة والنخوة والمروءة أشد وطئا من صليل المعارك، فقد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "رحمه الله". كم هو صعب علينا أن نكتبها "رحمه الله" وهو لا يزال حيّا فينا، حيّا بيننا! ما فتئ يوجه ويسدّد، ومثله قليليون فقد فقد كان زعيما أنطق الصامت وأخرس الظالم ونصر المظلوم وأعان المحتاج وأغاث الملهوف، يعرفه كلّ قُطر في العالم شهد نكبة أو أزمة أو ضائقة أو كارثة طبيعية أو إنسانية. زعيم ملهمٌ غيّر بإنجازاته وعلاقاته الدولية مفهوم الحجم في عرف الجغرافيا الدولية من المساحة إلى الكتلة والقوة الدبلوماسية وأرسى دور صناعة التاريخ في صياغة الجغرافيا السياسية. زعيم ورّث مآثر ومنظومة قيم بنى عليها قطر (الإنسان) قبل أن يشيّد قطر (العمران) فاستثمر في أبناء قطر ومن فيها قبل أن يعبّد الطرق وما فيها أو يدشّن عصرية قطر ونهضتها الفريدة. لم يكن عهده وعودا على رمال متحرّكة بل جبالا راسخة فمنذ تقلده سدّة الحكم أعلن في زيارته لمنتدى علمي "جورج تاون" واشنطن مسيرة إنشاء الحياة الديمقراطية في الدولة فكان لقطر أول بيت للديمقراطية بعد عام واحد فقط. لم تكن الاستحقاقات التي منحها للشعب خطبا عصماء في محافل تستلهم التصفيق لتحقيق مكاسب برجماتية بل كانت صفحات حيّة لبرامج ومنجزات سجّلها التاريخ بحروف من نور. لن نكرر ما عرفناه وأشبعناه تحليلا في معطيات الشورى والمشاركة الشعبية وحلّ وزارة الإعلام وإنشاء شبكة الجزيرة التي كانت منبرا للشعوب المغلوبة وثورة إعلامية دولية عربية حتى النخاع سحبت البساط عن التدفق الأحادي الغربي حتى أسماها علماء الغرب (ظاهرة الجزيرة) تنافس بعدها المتنافسون، واختصم المختصمون حتى شهدت قطر والفضاء العربي في عهده أيضا ولادة نجم سهيل سات (القمر الصناعي) القطري لضمان السيادة دون انقطاع أو تشويش، كما حلّقت القطرية برؤيته آفاقا رحبة. فوق الإنجازات التي لا تسعها كتب التاريخ كان الوالد حمد الزعيم الإنسان قريبا من كلّ شيء، قريبا في كل شيء بما شهدناه بأم أعيننا، فلم نستوقف منه ولا معه ولا بأمره يوما على كلمة كتبناها ولا مقالا نقديا سطرناه في الإعلام بل كان هو الداعم الحقيقي والملهم الذي ما فتئ يتقبل ما تأتي به الصحافة بصدر رحب. وفي السياسة، شهدت موقفا عروبيا أصيلا لم تسطره الأخبار، فقد كنّا في انتظار سموّه في زيارة في دولة من الدول وكان قبيل الزيارة قد استعر القتل على الفلسطينيين من العدو الإسرائيلي المحتلّ في حرب سميّت عمليتها بـ (عمود السحاب). كنا فرحين بزيارة سموّه وقد وصل وقتها وفد المقدّمة ولم نتوقع أن تتطور الأحداث، فما كان إلا أن أُخطرنا أن الزيارة الأميرية تأجلت وسيعود وفد المقدّمة أدراجه إلى الدوحة، بعدها علمنا سرّ تغير البرنامج، فقد أعلن سمو الأمير الوالد عن عقده وترؤسه لمؤتمر إسلامي استثنائي لنصرة غزة في الدوحة. كرّس نفسه "رحمه الله" للقضية الفلسطينية وأعلن فيها صندوقا لدعم غزّة. أعادت العروبة والحميّة الذاكرة فينا إلى ما تربّى عليه الطفل حمد منذ نعومة أظفاره، فلا تزال صورته في المدرسة الابتدائية وهو يصدح في طابور الصباح دفاعا عن الجزائر عالقة في أذهاننا، ومن شبّ على شيء شاب عليه فما فتئ في الدفاع عن فلسطين وقضيتها حتى وفاته، فكان جديرا به أن أقيم له مجلس عزاء في غزّة وأن نكست الأعلام حدادا عليه في الدول العربية والإسلامية وعدد من دول العالم. هذا ولم يكن الوالد حمد نصيرا للمظلومين خارج وطنه بل كان رحيما عطوفا في شعبه ينطلق في رعيّته راجلا انطلاق الواثق الآمن يشارك بقرب (عدلت فآمنت فنمت) بشرا (يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) عرفه أطفال قطر والمقيمون فيها وعجائزها عنوانا للحنان والرحمة. كان واسع الثقافة تسبقه روح المرح يصدق فيه "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" تتمنى أن كان الزمن قد وهبك جلسات وجلسات لتتعلم من معجمه الإنساني والفكري والتاريخي والعروبي. كان ملهما في مشاريعه التي حوّلت قطر إلى منارات علم دولية ومراكز إشعاع وثقافة فوق وضعه قطر الصغيرة حجما في مقدمة الكرة الأرضية ذكرا ونجاحه في تحقيق الوعد بأفضل نسخى عالمية في مونديال 2022. كان عالما فذا يثريك بتنوع معرفته وروعة مبادراته، يقف بأم عينه على كل صغيرة وكبيرة من مشاريع رؤيته ليس قبل ويوم تدشينها فحسب بل على مدار الأعوام. كان يراها كما ترى الأم وليدها ويتقبل كل رأي حولها بسعة صدر ويحفل ويهتم ويقرأ ويردّ دون وسطاء أو حرّاس بوابات، بل ويجعل الحركة النقدية حولها حركة اجتماعية صحيّة ومصدرا للإلهام والمشاركة الشعبية ومقاما للبحث والتقصي والتطوير دون مصاردة أوإقصاء محاسبا على أي تقصير ومعززا لكل تطوير. مهما كتبنا من كلمات من ردهات حزننا العميق اليوم لن نوفي الأمير الوالد سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حقّه. فبقدر ما يكون المرء كبيرا والفقد عظيما يكون الجرح. استيقظت قطر كلها لوداعك فجر اليوم (أمس) بحرها وسماؤها وشعبها ومن فيها ونسيت أجراس الإنذار لتعدك أنها على العهد فقد كنت رجلا بأمّة وقد أوصيت وأنجبت ولم ولن يودّع من أنجب... وكما يقول الشاعر: لقد كانت في حياتك لي عظاة وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
1197
| 13 يوليو 2026