رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت إسبانيا في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ازدهارًا عقاريًا توقف بشكلٍ مفاجئ مع اندلاع الأزمة المصرفية في عام 2008. وخلال تلك الفترة، تم بناء حوالي 5 ملايين منزل بين عامي 2000 و2008، تحسباً لاهتمام المشترين الأجانب، والإقبال الزائد جدًا على العقارات. وأشارت التقديرات إلى أن 3 ملايين عقار كانت لا تزال فارغة في عام 2015، وأن بعض مشاريع التطوير العقاري توقفت ولم تكتمل.
فهل يتعرض سوق العقار في قطر لحالة مشابهة؟ من غير الوارد أن يحدث ذلك، ولكن من الحكمة مراقبة وضع السوق. فقد أشار تقرير حديث صدر عن وكالة ترويج الاستثمار في قطر وشركة إرنست آند يونج بعنوان "آفاق سوق العقارات في قطر – بناء المستقبل" ونشر في شهر سبتمبر 2022 إلى أن المعروض السكني خلال العقد الممتد بين عامي 2010 – 2020 قد ارتفع سنويًا بنسبة 6.9%، بينما سجل تعداد السكان ارتفاعًا بنسبة 3.8% في كل عام خلال الفترة نفسها. وأشار التقرير إلى أن العقارات أصبحت من أسرع القطاعات نموًا في قطر، حيث احتلت المرتبة الثانية بعد الهيدروكربونات في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد سجل الناتج المحلي الإجمالي لقطاع العقارات نموًا بنسبة 18٪ خلال الفترة ما بين عامي 2015 و2020، بينما تضاعف عدد تصاريح البناء الصادرة تقريبًا خلال الفترة نفسها. ولكن مع عدم تحقيق النمو السكاني لمعدلات نمو مماثلة.
وكشف تقرير آخر عن وجود مؤشرات على استقرار القطاع بعد استضافة دولة قطر لبطولة كأس العالم لكرة القدم خلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي. وأصدرت شركة الاستشارات العقارية ValuStrat تقريرًا عن العقارات في قطر خلال الربع الأول من عام 2023. وتوصل التقرير إلى أن الشقق السكنية سجلت انخفاضًا طفيفًا في القيمة الرأسمالية بنسبة 0.8٪، بينما تراجع العائد الإجمالي المتحصل من هذه الشقق بشكل هامشي. وقد انخفضت قيمة الإيجارات السكنية بنسبة 5.1٪ على أساس ربع سنوي، وإن كانت لا تزال أعلى بنسبة 3٪ عن القيمة المسجلة قبل ذلك بعام. وانخفضت الإيجارات في سوق الفلل بنسبة 3.1٪ على أساس ربع سنوي.
ويتواصل نمو الطاقة الاستيعابية لقطاع العقارات. فقد أضيفت حوالي 1,500 وحدة سكنية خلال الربع الأول، مع توقعات بإضافة 11,700 وحدة جديدة خلال عام 2023 بأكمله. وفيما يتعلق بالمساحات المكتبية، من المتوقع إضافة 500,000 متر مربع في عام 2023، معظمها في مدينة لوسيل ومنطقة الخليج الغربي. وإجمالاً، سجلت الإيجارات المكتبية انخفاضًا طفيفًا.
ويُعدُ إنشاء الهيئة العامة لتنظيم القطاع العقاري خطوة في الاتجاه الصحيح، حيث ستنظم الهيئة العمل في القطاع وتوفر الضمان للمستثمرين والمشترين. ويجب أن تؤدي الهيئة دورًا مهمًا في تحديد الميزة التنافسية لهذا القطاع مقارنة بالأسواق الأخرى، حيث ستوفر بيانات دقيقة ومحدثة عن السوق، وهو ما يساعد على تجنب عدم التوافق بين العرض والطلب. ويتمثل الغرض النهائي من العقارات في توفير المنازل وأماكن العمل، ودعم النمو الاقتصادي المستدام والمجتمعات الصحية المنتجة.
ويطرح التحدي المتمثل في مراقبة النمو السكاني ودوره في التنمية الاقتصادية أسئلة أساسية من بينها: من أين سيأتي النمو السكاني (فوق النمو الطبيعي للمواليد)؟ وإذا كان سيأتي من الوافدين القادمين من الخارج، فما الذي سيجذب الناس لزيارة قطر أو العيش فيها؟
وتتمثل نقاط القوة التقليدية لدولة قطر في المناخ الدافئ والاقتصاد القوي والعملة المستقرة والأمن الشخصي المرتفع والاستقرار السياسي وعدم فرض ضريبة على الدخل. ويمكن الآن إضافة المساكن الحديثة عالية الجودة إلى هذه القائمة، وكلها عوامل ضرورية، ولكنها ليست كافية دائمًا.
وقد منحت العديد من الدول التي سعت إلى استقطاب أفراد من دول أخرى، مثل كندا وأستراليا، الأولوية للأفراد المهنيين ذوي التعليم العالي، لا سيَّما الشباب في سن الثلاثينيات الذين يعولون أسرًا شابةً. ويميل هؤلاء الأفراد إلى إضافة قيمة إلى الاقتصاد بشكلٍ أكبر من استقطاب عدد أقل من الأثرياء. ومع وجود المهنيين الشباب، يحدث تأثير مضاعف، حيث يعمل هؤلاء الأفراد في الغالب في قطاعات اقتصادية ذات إمكانات نمو قوية، ويعتمدون بشكل قليل نسبيًا على دعم الدولة، ومن المرجح أن يكون أطفالهم متعلمين بشكلٍ جيد، وبالتالي تمتد المساهمات الاقتصادية إلى الأجيال القادمة. وقد نجحت دول أخرى، لا سيَّما تلك التي تتمتع بمناخ دافئ، في جذب الأفراد المتقاعدين الميسورين.
ويمكن لدولة قطر أن تجتذب كلتا الفئتين، ولكن يجب أن تكون هناك حوافز كافية. وبالنسبة للمهنيين الشباب، يجب أن تكون هناك فرص وظيفية جذابة وفرص لإنشاء شركات جديدة لرواد الأعمال، فضلاً عن الأنشطة الترفيهية. ومن بين الإحصائيات المشجعة أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في القطاع غير الهيدروكربوني في قطر يتجاوز 4٪، حسب البيانات الصادرة عن صندوق النقد الدولي، مع سعي الدولة لتوسيع اقتصاد المعرفة. وبالإضافة إلى ذلك، سيرغب المهنيون الشباب الذين لديهم عائلات في تسجيل أبنائهم في أفضل المدارس والجامعات ويتوقعون ذلك. ويجب أن تكون هناك منازل في نطاق متوسط السعر المقبول، وأن تكون هذه المنازل مناسبة للعائلات. وقد كان هناك اتجاه في قطر لبناء مساكن ومشاريع تستهدف الأثرياء. وبالنسبة للمتقاعدين، يجب أن تكون المناطق السكنية مريحة بطبيعتها ويمكن الوصول إليها، بينما يعد توافر خدمات الرعاية الصحية أحد الاعتبارات الرئيسية.
وهناك دوافع أخرى للاستثمار في قطر أو الانتقال إليها. وسيكون من غير الحكمة استقطاب الأفراد على أساس الثروة وحدها، نظرًا لخطر إمكانية تشجيع ذلك على غسل الأموال، وانطوائه على مخاطر أمنية. وقد أنهى الاتحاد الأوروبي تطبيق ما يسمى بـ "التأشيرة الذهبية"، على أساس الاستثمار وحده في ضوء هذه المخاوف. ويمكن للهيئات التنظيمية والبنوك الوطنية التأكد من سهولة الحصول على الرهون العقارية للوافدين، وهو ما يشجع على تملك العقارات ويؤدي بالتالي إلى تشجيع المقيمين على تعزيز استثماراتهم في قطر. ويمكن أن تكون تأشيرة المستثمر، التي تغطي عقارًا واحدًا للاستخدام الشخصي أو استثمارات أخرى جذابةً.
ويمكن السماح للوافدين الحاصلين على تأشيرة مستثمر والذين يمتلكون عقارًا بالبقاء والعمل دون الحاجة إلى كفالة من أصحاب العمل، وهو ما سيشجعهم على البقاء والاستثمار في الدولة. وينبغي صياغة سياسة واضحة موحدة تشمل جميع الأطراف المعنية وتنفيذها على المستوى الوطني. وتتمتع قطر بالعديد من عوامل الجذب، لكنها تواجه وضعًا تنافسيًا لكل من السياح والقادمين للإقامة لفترة أطول مع الدول المجاورة. وبشكل عام، دعم قطاع العقارات المتنامي والحديث النمو الاقتصادي وشجعه، وجذب المستثمرين والوافدين. ويجب التفكير في تطوير العقارات السكنية بحيث تصبح مجتمعات واعدة، وليست مجرد كتل سكنية، بل عوامل لتسهيل ازدهار الاقتصاد. ويجب أن تتمتع هذه العقارات السكنية بمجموعة من المرافق والموارد، وأن تكون صديقة للبيئة، ومتصلة رقميًا بشكل جيد وترتبط بوسائل النقل العام. وفي هذه البيئة التنافسية، تحتاج قطر إلى استقطاب المهنيين الوافدين ذوي التعليم العالي ممن يتمتعون بقيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2241
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1482
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1134
| 11 أكتوبر 2026