رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للمرة الثالثة في غضون السنوات الأربع الماضية، تتعالى بعض الأصوات للمطالبة بتدخل المؤسسة العسكرية في الحكم، وتوليها السلطة وقيادتها لدواليب الدولة..
حصل ذلك خلال قمة الاستقطاب الثنائي بين "الترويكا" التي كانت تقودها حركة النهضة الإسلامية، والمعارضة بشتى أطيافها (2012 ـ 2013) .. وكان المبرّر عندئذ، وقف الاحتراب السياسي والفوضى، وما قيل إنه محاولة من الترويكا للنكوص على الدولة المدنية وعلى قيم الجمهورية..
وتكررت الدعوة لاحقا، قبيل الانتخابات الماضية، عندما كانت اتجاهات الرأي تميل نسبيا لصالح الدكتور المنصف المرزوقي، المرشح لرئاسية 2014، واعتبرت الدعوة في تلك الفترة، جزءا من هجمة الثورة المضادة ورموزها، المتخوفين من المحاسبة والقصاص السياسي والقانوني..
الحياد خيار استراتيجي
وإذا كان لهاتين الدعويين ما يبررهما سياسيا ـ في نظر أصحابهما ـ فإن تجديد الطلب قبل نحو أسبوع من قبل شخصية إعلامية / سياسية، عرفت بحدّية مواقفها في العلاقة بالإسلام السياسي، طرح أكثر من تساؤل صلب الطبقة السياسية وفي أوساط المراقبين..
إذ كيف تدعو شخصيات تزعم دفاعها عن الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، إلى إقحام المؤسسة العسكرية في الصراع السياسي، بل في إدارة الدولة؟ هل هو استدعاء للحكم العسكري كبديل عن حكم المدنيين ؟ وماذا بوسع المؤسسة العسكرية أن تضيف لمقاربات الأحزاب الحاكمة التي جمعت بين اليمين واليسار ولفيف من الليبراليين الجدد ؟
الأخطر من هذه التساؤلات كلها، أن استدعاء الجيش لتولي السلطة، يعني ـ في نظر عديد المراقبين ـ انقلابا على مسار خيار استراتيجي، قرره بناة الدولة الوطنية، بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه منذ منتصف خمسينات القرن المنقضي (الجيش التونسي أسس في 24 يونيو 1956)، عندما اختاروا تحييد المؤسسة العسكرية عن حلبة الصراعات السياسية، في مسعى لتجنيب البلاد مصير عديد من الدول الإفريقية والمشرقية التي كانت تعاني من ويلات الانقلابات العسكرية..
كان رموز "دولة الاستقلال" آنذاك، يفكرون في ترسيخ حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي، تسمح بإعادة بناء دولة أنهكها الاستعمار والتخلف وأضناها الفقر والجهل والأمية، وعدم توفر ثروات طبيعية.. ولم يكن ذلك ممكنا في ظل مخاوف من دور سياسي للمؤسسة العسكرية، يمكن أن يربك إرادة البناء الجديد، وكانت الأوضاع في مصر وسوريا والعراق، على وجه التحديد، تقدّم المثال على حالة الإنهاك التي تسببت فيها الانقلابات العسكرية وانعكاساتها على الدولة والمجتمع على حدّ السواء ؟
لذلك كان الحرص شديدا على إبعاد أصحاب "البزّة العسكرية"، عن الشأن السياسي... وهكذا انحصر دور الجيش التونسي منذ مرحلة التأسيس إلى الآن، في حماية الحدود والتنمية الداخلية، بل حتى عندما تمّ الزّج به في الاضطرابات الاجتماعية التي حصلت نهاية السبعينيات (الصراع بين الحكومة واتحاد العمال)، ومنتصف ثمانينات القرن الماضي (ثورة الخبز)، لم يلبث أن عاد إلى ثكناته ليستأنف دوره المعتاد..
انحياز لحكم العسكر
والحقيقة، أن ثمة أطرافا عديدة، تنظّر لحكم العسكر في تونس.. ويتحدّث هؤلاء عن حاجة البلاد إلى استقرار يقوده الجيش ويفرضه، أمام عجز السياسيين عن تحقيق ذلك منذ 4 سنوات أو تزيد.. ويرى هؤلاء أن المؤسسة الأمنية، التي تعلمت كيف تحمي الحكم وليس الدولة، تمرّ حاليا بمرحلة هشاشة بعد الضربات الكثيرة التي تلقتها من داخلها ومن خارجها، يضاف إلى ذلك، المخاطر الأمنية المتأتية من جهة الجار الليبي، وحركة الإرهاب التي تتحرك على التماس مع جميع مداخل البلاد، إلى جانب ضعف القوى السياسية في الحكم كما في المعارضة، إذا استثنينا الإسلاميين (حركة النهضة تحديدا)، التي باتت رقما يصعب إسقاطه سياسيا، والخيار الوحيد ـ وفق هذه المقاربة ـ هو حكم العسكر، الذي بإمكانه أن ينهي مسار السياسيين الموصوف بـ "الفاشل"، ويمهّد لمرحلة جديدة، شعارها "الديمقراطية التي تأتي على ظهور الدبابات" !!
لا شك أن مثل هذه المقاربة، تقتات من الاستبداد السياسي، وغياب أفق على مستوى الحلول الاقتصادية والاجتماعية، لكن السؤال المطروح هو : هل المؤسسة العسكرية تمتلك "خاتم سليمان" السحري، بحيث ستجري على يديها الديمقراطية والتنمية والعدالة وفرص العمل ؟ وهل بوسع الجيش الذي لا يمتلك تقاليد في إدارة الدولة، أو في التعاطي مع الشأن السياسي، أو حتى على مستوى العلاقات الدولية، أن يكون البديل عن ديمقراطية ناشئة، يبنيها المجتمع ونخبه بصراعات، ولكن كذلك بحوارات وتفاهمات وتوافقات، مهما كانت درجة التحفظ على مسارها وسياقها وأفقها ؟
دور النخب التونسية
وقبل ذلك وبعده، تبدو المؤسسة العسكرية، ـ في نظر عديد الأطراف ـ محلّ غموض كبير، حول دورها ليس زمن الاستبداد فحسب، إنما كذلك خلال أيام الثورة، ومدى علاقتها بقنص الشبان الثائرين وملف الشهداء، وما يتردد عن رغبة بعض قيادييها الآن، وضع خطوط حمراء أمام أي عملية نقد أو مساءلة بشأن دورها ومسؤوليتها في كثير من الأحداث والوقائع، فضلا عن المخاوف التي تحاصر قسما كبيرا من الطبقة السياسية بخصوص أي دور سياسي يمكن للمؤسسة العسكرية أن تلعبه في البلاد خلال المرحلة المقبلة..
يظل حياد العسكر إزاء الشأن السياسي، الهوية الحقيقية لمؤسسة الجيش في تونس، فهذا العنوان الذي تمسكت به قياداتها طوال عقود عديدة، ورددته رموز من المؤسسة إبان الثورة، في إصرار شديد على فلسفة "الحياد الإيجابي"، هو الذي يعطي لهذه المؤسسة رمزيتها وثقلها، ويجعل منها مؤشرا لاستقرار البلاد.. أما عكس ذلك، فمعناه إقحام الدولة في أتون من الانقلابات والصراع الدموي على السلطة، وهذا ما سوف يجعل الثورة "في خبر كان"، ويفتح البلاد على مرحلة "دم... يوقراطية"، قد لا تنتهي إلا بانتهاء ما تبقى من الدولة التونسية..
فهل تنزلق النخبة التونسية بهذا الاتجاه في المستقبل ؟؟
كبسولة لتقوية الإرادة
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار... اقرأ المزيد
33
| 01 مارس 2026
استفزازات الحكومات العراقية للكويت تحيي الهواجس وتهدم الثقة
كان صادما ومحبطا عشية الذكرى الخامسة والثلاثين لتحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي أن تقوم الحكومة العراقية بتقديم... اقرأ المزيد
36
| 01 مارس 2026
آمنون مستأمنون بإذن الله
قبل أي شيء وقبل الدخول في الحديث عن أي شيء دعوني أولا أن أدعو وأقول: اللهم اجعل بلادنا... اقرأ المزيد
33
| 01 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
12774
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2514
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2061
| 25 فبراير 2026