رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يدخل العالم مرحلة رقمية غير مسبوقة تتسارع فيها التحولات التقنية بصورة تعيد رسم ملامح الاقتصاد والسياسة والأمن والعلاقات الإنسانية ذاتها. فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد بنية تكنولوجية داعمة للحياة الحديثة، بل أصبح ساحة مركزية لإعادة تشكيل النفوذ والثروة والصراع، مدفوعاً بالتوسع الهائل في الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والبيانات الضخمة. وفي موازاة هذا التحول، تتصاعد التهديدات السيبرانية بوتيرة لافتة، متجاوزة مفهوم الاختراقات التقليدية نحو منظومة عالمية معقدة تمتلك أدواتها وأسواقها وشبكاتها العابرة للحدود، الأمر الذي جعل الجريمة الإلكترونية جزءاً من اقتصاد رقمي موازٍ يتغذى على هشاشة الثقة الرقمية وتسارع الاعتماد على التكنولوجيا في مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
تعبّر الأرقام الصادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) بشأن خسائر الجرائم السيبرانية خلال عام 2025، والتي بلغت نحو 20.9 مليار دولار، عن حجم التحول الذي يشهده العالم الرقمي، إذ تعكس هذه الأرقام انتقال الهجمات السيبرانية من مستوى التهديدات التقنية المحدودة إلى مستوى أكثر تعقيداً وتأثيراً، أصبحت فيه الخوارزميات والبيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي أدوات رئيسية في عمليات الاحتيال والاختراق والتلاعب وصناعة الهويات الرقمية المزيفة، ضمن مشهد تتآكل فيه الحدود الفاصلة بين الحقيقي والمصطنع بوتيرة متسارعة.
إن خطورة هذا المشهد يزداد مع الصعود المتسارع لتقنيات "التزييف العميق" (Deepfake)، التي تحولت خلال فترة قصيرة من أدوات تجريبية أو ترفيهية إلى واحدة من أخطر أدوات الاحتيال الرقمي وأكثرها تأثيراً. فقد تجاوزت خسائر الاحتيال الناتج عن هذه التقنيات في أمريكا الشمالية وحدها حاجز 200 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2025، في مؤشر يعكس اتساع نطاق استخدامها وقدرتها على اختراق البنى التقليدية للثقة الرقمية. وتكمن خطورة هذه التقنيات في قدرتها على إنتاج صور وفيديوهات وأصوات مزيفة بدرجات عالية من الواقعية، بما يسمح بانتحال الشخصيات، والتلاعب بالمحادثات، وخداع أنظمة التحقق البيومتري، وحتى تنفيذ عمليات احتيال مالي معقدة يصعب كشفها بالوسائل التقليدية.
ومن الجدير ذكره أيضاً أن هذا التحول لا يرتبط فقط بتطور أدوات الجريمة السيبرانية، بل بطبيعة البيئة الرقمية نفسها، التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على التفاعل الافتراضي والهوية الرقمية والتحقق الإلكتروني. فعندما يصبح الصوت قابلاً للاستنساخ، والصورة قابلة للتوليد، والفيديو قابلاً للتعديل بصورة يصعب تمييزها عن الواقع، تتعرض فكرة "الثقة الرقمية" ذاتها إلى اهتزاز عميق، ويصبح الإنسان الحلقة الأكثر هشاشة داخل المنظومة التقنية مهما بلغت قوة الأنظمة الأمنية المحيطة به.
تقديرات شركة "ديلويت" تشير إلى أن خسائر الاحتيال المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد تصل إلى نحو 40 مليار دولار بحلول عام 2027، وهو رقم يكشف أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التهديدات السيبرانية التي لم تعد تعتمد على المهارات الفردية للقراصنة فقط، بل على قدرات الذكاء الاصطناعي نفسه في التحليل والتوليد والمحاكاة واتخاذ القرار. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة بيد المهاجم، بل أصبح بيئة تشغيل متكاملة للهجمات الرقمية، قادرة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق بسرعة ودقة وكلفة منخفضة.
ضمن هذا السياق، يبرز تطور النماذج اللغوية المتقدمة باعتباره أحد أكثر التحولات إثارة للقلق في البيئة السيبرانية الحديثة. فالنماذج الجديدة أصبحت قادرة على إنتاج رسائل تصيد احتيالي شديدة الإقناع، وصياغة محتوى مخصص لكل ضحية اعتماداً على تحليل بياناتها وسلوكها الرقمي، فضلاً عن قدرتها على محاكاة أساليب الكتابة والصوت والتفاعل البشري بصورة تجعل اكتشاف الاحتيال أكثر صعوبة. كما تستطيع بعض النماذج تحليل الأنظمة التقنية واكتشاف نقاط الضعف فيها بصورة آلية، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من الهجمات الذاتية التعلّم التي تتكيف مع الدفاعات الأمنية أثناء تنفيذ الهجوم نفسه.
وفي مواجهة هذا التصاعد، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى بإعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية اعتماداً على الذكاء الاصطناعي ذاته. فقد أطلقت "غوغل" و"أوبن إيه" مبادرات أمنية متقدمة تهدف إلى تطوير أدوات دفاعية قادرة على محاكاة الهجمات واكتشاف الثغرات قبل استغلالها، إضافة إلى بناء أنظمة متخصصة لرصد المحتوى المزيف وكشف عمليات التزييف العميق. كما تتجه هذه الشركات نحو تطوير أنظمة مصادقة أكثر تعقيداً تعتمد على الدمج بين الخصائص البيومترية والسلوكية، بحيث لا يصبح التحقق قائماً فقط على بصمة الوجه أو الصوت، بل أيضاً على أنماط الحركة والكتابة والتفاعل الرقمي.
ورغم أهمية التطورات الدفاعية المتسارعة، فإن جوهر المعركة لم يعد تقنياً فحسب، بل بات يحمل أبعاداً معرفية ومجتمعية عميقة. فالهجمات السيبرانية الحديثة لم تعد تركز فقط على اختراق الأنظمة أو سرقة البيانات، وإنما أصبحت تستهدف الوعي البشري ذاته، عبر تقويض الثقة العامة وإرباك القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف داخل البيئة الرقمية. ومن هنا، لم يعد الأمن السيبراني شأناً يقتصر على شركات التكنولوجيا أو خبراء الحماية الرقمية، بل تحول إلى قضية ترتبط بمستوى الوعي المجتمعي، وطبيعة التعليم، وانتشار الثقافة الرقمية، وقدرة التشريعات والمؤسسات على مواكبة التحولات المتسارعة التي يفرضها العصر الرقمي.
لا شك أن خطورة هذا التحول يزداد مع تنامي قدرة الخوارزميات على التأثير النفسي وصناعة الإدراك والتلاعب بالسلوك البشري، سواء عبر المحتوى المزيف أو عبر الرسائل المصممة خصيصاً للتأثير على قرارات الأفراد والمؤسسات. فالمعركة القادمة لن تدور فقط حول حماية البيانات أو منع الاختراقات، بل حول حماية الثقة ذاتها داخل البيئة الرقمية، ومنع تحول الفضاء السيبراني إلى مساحة يسودها الشك والتضليل وفقدان اليقين.
ما يبدو واضحاً حتى اليوم أن الحلول الأمنية التقليدية لم تعد كافية لمواجهة هذا النوع من التهديدات المتطورة، لأن المهاجم بات يستخدم الأدوات ذاتها التي تعتمد عليها المؤسسات في التطوير والحماية والإنتاج. ولهذا تبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة تجمع بين التطوير التقني والتشريعات الصارمة والاستثمار في الوعي الرقمي وتعزيز الثقافة السيبرانية لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
في المحصلة، لا تعكس أرقام عام 2025 مجرد تصاعد في حجم الجرائم السيبرانية، بقدر ما تكشف عن دخول العالم مرحلة أكثر تعقيداً في تاريخ التهديدات السيبرانية، مرحلة تتشابك فيها الحدود بين الحقيقة والمحاكاة، وبين الإنسان والآلة، وبين الثقة والخداع الرقمي. ومع التسارع الهائل في تطور الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، تبدو المجتمعات والمؤسسات والقوانين التقليدية أمام تحدٍ غير مسبوق يتمثل في قدرتها على مواكبة بيئة رقمية تتغير أسرع من أدوات الفهم والاستجابة، الأمر الذي يجعل حماية الثقة والوعي والإدراك الإنساني جزءاً أساسياً من معركة الأمن السيبراني في السنوات المقبلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1713
| 31 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
1668
| 30 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1545
| 29 مايو 2026