رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما عادت سيناء أرض الفيروز والبطولات فقط، لأنها أصبحت مسكونة بالهم وغارقة في الدم.
(١)
حين انقطع التيار الكهربائي لمدة ١٣ ساعة عن منطقة التجمع الخامس بأطراف القاهرة، خصصت إحدى القنوات التلفزيونية في نفس اليوم حلقة نقاشية حول الموضوع شرحت أبعاده وحذرت من تداعياته. وهو ما أثار انتباه ودهشة أهالي شمال سيناء، لأن الكهرباء ومياه الشرب مقطوعة منذ ٣٠ عاما عن رفح والشيخ زويد، ولم يحرك ذلك شيئا لدى أهل القاهرة أو منابرها الإعلامية.
الملاحظة أبداها زميل سيناوي اعتبرها شهادة كاشفة للمدى الذي بلغه تجاهل القاهرة لمدن سيناء. التي وضعت في دائرة الاشتباه على حد تعبيره، وأصبحت تقدم في وسائل الإعلام بأنها جبهة قتال ووكر كبير للإرهابيين لا يذكر إلا على لسان المتحدث العسكري بين حين وآخر، أما بقية مسؤولي الدولة فلا يذكرونها إلا في ذكرى تحرير سيناء التي تحل في ٢٥ أبريل من كل عام.
هذا العام أضيفت فقرة جديدة إلى برنامج الاحتفال بالمناسبة. إذ تنافست بعض الصحف في نشر تقرير تم توزيعه عن إنجازات القوات المسلحة التي وصفت بأنها "تاريخية" في مجالات تنمية سيناء. وهي إنجازات جديرة بالتنويه حقا، لأنها قدمت صورة مفصلة للجهود التي بذلت في مجالات الإعمار المختلفة، فشملت الإسكان وحفر الآبار وتوفير المرافق واستصلاح الأراضي وتمهيد الطرق...إلخ. وربما كان ذلك هو البيان الرسمي الوحيد الذي طالعناه خلال السنتين الأخيرتين عن سيناء ولم يتحدث عن "تصفية" الإرهابيين وإجهاض عملياتهم. وبرغم أن البيان الذي صدر عن قائد قوات شرق القناة كان وافيا، فإنه لم يكن كافيا أو شافيا. ذلك أنه إذا كان علينا أن نستقبل بيانات المتحدث العسكري كما هي، حتى صارت في مقام كلمة القضاء التي اعتبرت إعلانا عن الحقيقة لا يجوز التعليق عليها أو نقضها، فإن الأمر ينبغي أن يختلف حين يتعلق الأمر بالأعمال المدنية والعمرانية. إذ أزعم أن تقرير قائد شرق القناة كان يمكن أن يكون أكثر إقناعا وإشباعا إذا كان قد طرح للمناقشة في حضور ممثلين عن المستفيدين من تلك المشروعات، كي لا يضم التقرير إلى قائمة الوثائق التي تحتفي بها وسائل الإعلام في حين يختلف مردودها على الأرض، ناهيك عن المشروعات الأخرى التي تنشر أخبارها في الصحف ولا يُرى لها أثر على الأرض. وهي ملاحظة بنيتها على تحفظات عدة سمعتها من بعض المثقفين السيناويين عبروا فيها عن انتقادهم لبعض المشروعات التي تم الإعلان عنها.
(٢)
صدور التقرير في الذكرى الرابعة والثلاثين لتحرير سيناء يفتح شهيتنا لتقليب صفحات الملف الملغوم المحاط بالخطوط الحمراء بسبب طبيعة العمليات العسكرية الجارية هناك، وهو ما يدعوني إلى طرح بعض الأسئلة المتراكمة، في مقدمتها ما يلي: هل تم تحرير سيناء حقا، أم أنها تحررت من الاحتلال الإسرائيلي ثم احتلها الإرهابيون بعد ذلك؟ وهل تم تقييم حملة مكافحة الإرهاب وتحديد نجاحاتها وإخفاقاتها؟ ولماذا استمرت العمليات الإرهابية طوال السنوات الثلاث الماضية دون أن تنجح عملية القضاء على الإرهاب في سيناء؟ وهل تتحول الاشتباكات المستمرة هناك إلى حرب لاستنزاف الجيش والشرطة؟ ومن هم هؤلاء الإرهابيون؟ وهل جاءوا من سيناء أم من خارجها؟ وما مصادر تسليحهم؟ ثم كيف تسير حياة المجتمع السيناوي الذي أصبح ضحية الحرب الدائرة حين تكالبت عليه ضغوط الإجراءات الأمنية وقبضة الجماعات الإرهابية؟
قبل الخوض في التفاصيل أنبه إلى الملاحظتين التاليتين:
- الأولى، إنني تمنيت أن تطرح هذه الأسئلة وغيرها مما هو مسكوت عنه بسيناء في لقاء موسع يضم ممثلين عن سيناء والمعنيين بأمرها والمدافعين عنها، لأن القضية أكبر من أن يسمع فيها رأى واحد أو تحمل همها جهة واحدة. وحبذا لو تم ذلك تحت سقف البرلمان الذي رتب زيارة سيناء وألغيت لأسباب أمنية ثم اقترح استبدالها بجلسة استماع لأهالي سيناء بعد دعوتهم إلى المجلس، وهذه لم تتم أيضا. وبالتالي فإن مجلس النواب لم يشاهد ولم يسمع ولم يتكلم في الموضوع!
- الثانية، إنه لا مفر من الاعتراف بأن شح المعلومات المتوفرة عما يحدث في سيناء لا يتيح لنا أن نفهم ما يجري فيها، ذلك أن اعتبارها مسرح عمليات عسكرية ضيق كثيرا من فرصة الفهم والإحاطة بالتفاصيل، كما دفع كثيرين إلى الابتعاد عن الموضوع تجنبا لاحتمالات الوقوع في المحظور. لذلك فإنني أجد صعوبة في الإجابة على بعض الأسئلة التي ذكرتها. وأجد حرجا في التطرق إلى أسئلة أخرى، خصوصا تلك التي تعلقت بالجوانب العسكرية وقد عرضتها لكسر الصمت المحيط بها والإبقاء عليها حية في الذاكرة، في حين أن ثمة أسئلة أخرى أزعم أن في الإجابة عليها أداء لواجب تأخر الوفاء به كثيرا.
في محاولة الرد على التساؤلات أزعم أن السؤال الأول مسكون بالمبالغة، فلا تحرير سيناء من الاحتلال كان كاملا ولا بسط الإرهابيين سيطرتهم عليها. ذلك أن المادة الرابعة من معاهدة السلام قيدت من سيطرة مصر على سيناء، بعد تقسيمها إلى أربع مناطق (أ وب وج ود)، وتركز الوجود العسكري المصري في المنطقة "أ" المحاذية لقناة السويس، ولكنه يضعف في العدد والعدة في الوسط وبدرجة أكبر في محاذاة الحدود مع إسرائيل. من ناحية ثانية فإن العمليات الإرهابية تتركز في شمال سيناء فقط، بوجه أخص في شريط بطول ٥٠ كيلومترا يضم العريش والشيخ زويد ورفح، الذي يضم الكتلة الأكبر من السكان (نحو ٣٠٠ ألف نسمة) أما وسط سيناء وجنوبها فهي مناطق مؤمنة ولا وجود للعمليات الإرهابية فيها.
موضوع تقييم حملة مكافحة الإرهاب شأن عسكري لا نعرفه ولا يجوز أن نخوض فيه بغير علم. بالتالي فليس لي فيه كلام سوى التعبير عن التمني، لأن التجربة أثبتت أن الحاجة ملحة لإجراء ذلك التقييم بما يستصحبه من مراجعة ونقد للذات وعلاج للأخطاء والثغرات.
أما استمرار العمليات الإرهابية طوال السنوات الثلاث الأخيرة وتأخر القضاء على الإرهاب رغم الوعد بذلك أكثر من مرة، يفسره ارتفاع الكفاءة القتالية للإرهابيين مع تزايد أعدادهم ووفرة سلاحهم وتطوره، وبسبب القيود التي وضعتها معاهدة السلام فإن حضور القوات المسلحة في سيناء كان متواضعا ومعرفتها بخرائطها كانت محدودة، ولم يمكن للقوات المسلحة من إثبات حضورها الحقيقي على الأرض إلا بعد عزل الدكتور محمد مرسي في الثالث من يوليو ٢٠١٤. لذلك فإنني حين ألقيت على أحد الخبراء السؤال الماضي باحتمال تحول الصراع الدائر في سيناء إلى حرب استنزاف للجيش والشرطة، كان رده أن الاستنزاف حاصل بالفعل وذلك هو الوصف الدقيق لما يجرى هناك.
(٣)
خلاصة الإجابة على السؤال المتعلق بهوية الجهاديين أو الإرهابيين تتمثل فيما يلي:
- إن الظاهرة الدينية عموما والحالة السلفية خصوصا لها وجودها التاريخي في شمال سيناء، بخلاف جنوبها الذي تنتشر فيه المنتجعات السياحية، فالإخوان كان لهم حضورهم في العريش في حين انتشرت السلفية الدعوية في رفح والشيخ زويد.
- تحدي الوجود الإسرائيلي كان له صداه في تلك الأوساط، وهو ما تبلور في ظهور السلفية الجهادية ممثلة في جماعة التوحيد والجهاد التي قامت بعمليات التفجير في طابا (٢٠٠٤) وشرم الشيخ (٢٠٠٦) ، الأمر الذي أدى إلى إلقاء القبض على عدد كبير منهم خصوصا أن عددهم آنذاك كان في حدود ٢٠٠ شخص.
- من عباءة التوحيد والجهاد خرج أنصار بيت المقدس الذين حاولوا استهداف الإسرائيليين في "إيلات" عام ٢٠١١ واستهدفوا أنبوب الغاز الموصل لإسرائيل عدة مرات بعد ذلك، وخلال تلك الفترة كانت أنشطتهم موجهة ضد إسرائيل. وظلت عناصرهم سيناوية بالأساس. وقد سمحت لهم وفرة الأنفاق بالتدريب واكتساب الخبرات من أقرانهم في غزة، الذين كانوا على خصومة مع "حماس" منذ أعلنوا "ردتَّها"، ودخلوا معها في صدام مسلح في عام ٢٠٠٩ أدى إلى قتل زعيمهم الملقب بأبي النور المقدسي و١١ من أنصاره إثر اعتصامه بمسجد في رفح وإعلانه قيام "الإمارة الإسلامية في أكناف بين المقدس".
- شهدت تلك الفترة تطورين مهمين عززا من موقف أنصار بيت المقدس، الأول أن المجلس العسكري الحاكم أطلق سراح قياداتهم وعناصرهم الذين اعتقلهم نظام مبارك فعاد هؤلاء إلى سيناء واستأنفوا نشاطهم. الثاني أن سقوط النظام الليبي فتح الباب لنقل ترسانة سلاحه المتطور والنوعي إلى سيناء، بعدما أتاحها القذافي للجميع لإفشال الثورة ضده. وشكل إغراق سيناء بتلك الأسلحة النوعية نقطة تحول في القدرات القتالية للجهاديين.
- بعد عزل الدكتور محمد مرسي في عام ٢٠١٤ غير أنصار بيت المقدس إستراتيجيتهم بحيث استهدفوا النظام المصري الجديد، وكانوا قد التزموا الهدوء النسبي طوال السنة التي حكم فيها الإخوان كي لا يكرروا الاشتباك المسلح معهم كما حدث مع حماس في غزة. ورغم أنهم لم يعلنوا مسؤوليتهم عن قتل الـ١٦ جنديا مصريا آنذاك، فإن مختلف القرائن تشير إلى ضلوعهم في العملية.
- في أعقاب عام ٢٠١٣ حدث تطور آخر مهم أضيف إلى عودة قياداتهم وتوفير تسليحهم وتطويره. ذلك أن الصدام الدموي الذي حدث آنذاك بين السلطة الجديدة والإخوان، دفع أعدادا غير قليلة من شباب الجماعات الإسلامية في أنحاء مصر إلى اللجوء إلى سيناء والانضمام إلى أنصار بيت المقدس. وهو ما وفر للجماعة رصيدا بشريا لم تتوقعه، الأمر الذي مكنها من تعزيز صفوفها وبسط سلطانها في شمال سيناء. كما أن الحملات الأمنية التي جرى شنها في سيناء دفعت بعض الشباب إلى الالتحاق بالجماعة، سواء للثأر والانتقام أو بسبب انتشار البطالة. وإزاء ذلك أصبح أنصار بيت المقدس هم الأقوى حضورا ونفوذا بين الجهاديين، الأمر الذي طغى على أي دور للمجموعات الأخرى.
- في عام ٢٠١٤ أعلن أنصار بيت المقدس مبايعة زعيم داعش والانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وأقاموا كيانا افتراضيا أسموه "ولاية سيناء"، ونجحوا في السيطرة على الشيخ زويد ذات صباح بمظنة أنهم يكررون تجربة الموصل في العراق، إلا أن القوات المسلحة أحبطت محاولتهم، فتركوا المدينة وعادوا إلى مكانهم في الجبال، ولا يزالون.
(٤)
طول الوقت تتحدث السلطة ووسائل الإعلام عن جهود الجيش والشرطة وعمليات الإرهابيين، ولا يذكر في أغلب الأحوال الطرف الثالث الذي يعانى الصراع ويدفع ثمنه، وهو المتمثل في جماهير الشعب التي أصبحت حياتها جحيما بسبب استمرار الصراع ولا ترى له نهاية في الأجل المنظور. إذ صار أهل شمال سيناء بين مهجرين أجبروا على ترك دورهم في رفح، أو نازحين دمرت بيوتهم وزراعاتهم جراء قصف الغارات فهاموا في العراء يبحثون عن ملاذ، أو معذبين حبسوا في دورهم بلا مياه أو كهرباء أو اتصالات من أي نوع، احتياجاتهم المعيشية عند حدود الكفاف، وموت المريض عندهم أرحم من عذاب الوصول إلى مستشفى والتعرض للاحتجاز والتحقيق عند الكمائن وأمام نقاط التفتيش. ناهيك عن أن المجتمع أصبح يعاني البطالة، فلا زراعة ولا تجارة ولا رعي للأغنام. وحدهم موظفو الحكومة من ضمنوا رواتبهم. وفي كل الأحوال فإن من يغامر بالخروج من بيته لقضاء أي مصلحة لم يعد واثقا بأنه سيعود إلى بيته حيا.
"تستطيع أن تقول إننا ميتون إلا ربعًا"، بهذه العبارة لخص رجل ستيني اسمه سلمان أبو عبيد أحوال المواطنين العاديين في سيناء، فيما نقلته عنه صحيفة "المصري اليوم"، التي شذت عن القاعدة وخصصت صفحتين كاملتين (يوم ٢٤/٤) استعرضت فيهما عذابات السيناويين.
هي مشكلة أن يكون المرء إرهابيا في سيناء، ومشكلة ألا يكون كذلك!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026