رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل مرة يحين الموعد لقمة عربية ترى الآمال واللامبالاة متلازمين في أعين المكلومين من بني جلدتنا شاخصة، وآذان المتربصين بنا صاغية وأياد إقليمية تلف يمينا وشمالا لتوقع بنا لا متناهية واقعنا مشرقا تتداعى عليه الأمم لكل فيه طرف ونصيب، ومغربا متذمرا أحيانا ومتذبذبا أحيانا أخرى شعوب منقسمة بين من يرى أن ما حك أظافرنا مثل جلودنا ولن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا وبين من يرى أننا كم من مرة انتظرنا القمم وبماذا خرجت وبكم نقصت من معاناتنا فهل زادت الطين إلا بلة والفرقاء إلا تفرقة يدخلها الساسة في أقسى الظروف وأحلك الأزمنة على الأمة ولا يخرجون منها إلا بنتيجة واحدة اتفقنا على أن يبقى ما اتفقنا عليه حبرا على ورق لا يستحق أن نعود به إلا حيث كنا، وآخرون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء رأيهم في كل مرة "لن يخرج الساسة بجديد" حتى ولو اتفقوا له رغم أنهم أهل ثروة ليسوا متقاسمين لإرث وما يجمعهم من قواسم مشتركة لا تتوفر في غير وطننا العربي فالتاريخ والقيم الروحية والبنية الاجتماعية والوحدة الجغرافية والموقع الاستراتيجي نعمة عاجزين أن نؤدي شكرها ومع ذلك فكل المبادرات التي قامت بها الدول العربية منذ بداية العمل العربي المشترك ثنائية كانت أم جماعية قطرية أم شاملة لم ترق حتى الآن إلى المستوى المطلوب كل بحجة الخلافات السياسية وإذا كانت القمة المرتقبة حاليا ستجري في ظروف استثنائية بكل المعايير فالأعين العربية الناظرة إلى الساسة أصبحت بدل الهمس في الماضي تصرح وتتظاهر وتعبر عن قضاياها أكثر من أي وقت مضى والآذان الخارجية المصغية إلينا والمراهنة والمستفيدة من تفرقتنا بات لديها ما يشغلها عن قضايانا وفي الوقت نفسه عاجزة عن تمويل خلافاتنا والأيادي الإقليمية المصرة على تعميق الشرخ العربي مازالت أضعف من الوقيعة بنا فإن كل العرب أيضا مسؤولين كانوا أو مواطنين عاديين سياسيين أو اقتصاديين مجمعون على أنه لا سبيل للرقي بالشعوب العربية ولا طريق للنهضة والحصول على المكاسب المطلوبة وسماع الكلمة ونيل الحق إلا بالتكامل ولا سبيل إلى التكامل إلا بتنقية الأجواء السياسية وقطع كل يد تمتد لتفرق بين الأشقاء فما يجمعنا أكثر مما يفرقنا وقد نتفق على مصالحنا ونلتقي بأصدقائنا ونقطع الطريق أمامهم إن كان همهم تفرقتنا سواء بأي ثمن فهل ينحي القادة منحى التصالح الفعلي ويعملون على طرح حجر الأساس للتكامل من جديد أو يبنون على ما سبق أن أنجز في الماضي أم أن التصالح ليس سوى كلمة لا تتعدى الحناجر وما في الضمائر باق لنحسب أياما أو شهورا ثم نعود للتخندق من جديد حين يطلب المتمالئون على مستقبلنا ومصير شعوبنا ذلك.
ومع أن تجارب الأمم أثبتت لنا بطلان الهواجس التي كنا نعتقد أنها تقف حجر عثرة في طريق وحدتنا كالخلافات السياسية ومظاهر الغنى والفقر والتخلف الاقتصادي فلم لا ننظر كيف استطاع العدوان اللدودان على امتداد التاريخ(فرنسا وألمانيا) تجاوز خلافاتهما السياسية لدفع العجلة الاقتصادية التي شكلت في ما بعد الدعامة الأساسية التي ارتكز عليها مسرح الجماعة الاقتصادية الأوروبية التي رغم تباين الناتج القومي فيها لم تقل أي من الدول الأكثر ثراء أن الوحدة الأوروبية سوف تكون لصالح طرف على حساب الطرف الآخر منها. أو ننظر كيف كان اقتصاد الصين وماليزيا وكيف استطاعت الصين التغلب على جل مظاهر التخلف الاقتصادي فعندما استقلت عام 1949 كان اقتصادها يعاني من الاضطراب بسبب الحرب والتضخم وكان من مهام الحكومة بناء نظام اقتصادي عام وإزالة البطالة والمجاعات المنتشرة، وكان عدد سكانها آنذاك حوالي المليار نسمة، وثلثا أراضيها تعتبر جبلية وصحراوية، وعشرها فقط هو المزروع، ومع ذلك تمكنت الدولة من الاعتماد على النفس وإعادة توجيه أكبر للاستثمارات الزراعية، وبعد مدة من النمو أحدث السياسيون ثورة ثقافية، حيث تم حقن الاقتصاد بأيدلوجية محددة وهي مقاطعة المنتجات الأجنبية وفي العام 1975 وضعت الحكومة خطة حتى العام 2000 لتصبح ذات قوة اقتصادية كبرى، وعرفت هذه الخطة في حينها ببرامج التحديث، وكانت على أربع مراحل، وكانت مضامينها تركز على رفاهية المستهلك وزيادة الإنتاجية والاستقرار السياسي وتأكيد زيادة الدخل الشخصي وزيادة الاستهلاك، وإنتاج منتجات جديدة في ظل وجود نظام الحوافز، كما عمدت الحكومة إلى تخفيض دور الإدارة المركزية وجعلها مختلطة حيث عملت على وجود قانون تشريع الإصلاح الزراعي، وخفضت عبء الضرائب على المشاريع غير الحكومية، وعملت على توفير تسهيلات الاتصال المباشر بين الصينيين والشركات التجارية الأجنبية، وكانت نتيجة هذه الإصلاحات المبنية على الخلط بين الاتجاه المركزي والمبادرة أن تكون الصين في الوقت الحاضر لاعباً دولياً بارزاً في الاقتصاد العالمي لتتحدي بذلك أي بيت في العالم من دون منتج صيني ومع ذلك لم تسلم يوما من الضغوط الخارجية وبذلك استطاعت التوفيق بين السير قدما في مخططها من جهة ومناورة أعدائها من جهة ثانية. أضف إلى ذلك كون الأزمات محفزا أساسيا لتقريب وجهات نظر الشعوب وتجاوز الأخطاء لدفع أخطارها فلم يعرف الجيل الحاكم حاليا أزمة أعتى من الأزمة الاقتصادية التي يشهدها عالم اليوم فلقد أحيت النعرة الاقتصادية في دول أكثر قدرة على تحمل تداعيات الأزمة ومع ذلك بقيت الدول العربية عرضة لتداعياتها ليس عجزا في الموارد المالية ولا نقصا في المصادر البشرية فهناك دول عربية غنية بثرواتها وكنوزها الاقتصادية مثل الدول الخليجية التي تمتلك 45% من احتياطي العالم من البترول، و19% من الغاز، ويتوقع لها دور رائد في الاقتصاد العالمي نتيجة تدفق السيولة النقدية إلى مصارفها المركزية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، في الأسواق الدولية ودول عربية أخرى قد قطعت شوطاً كبيراً في مجال التنمية الإنسانية وعرفت مبكراً أن الموارد البشرية هي أهم الموارد الاقتصادية على الإطلاق، إلا أن كل هذا لم يشفع للدول العربية صاحبة العجز في استقطاب الأموال العربية المهاجرة بحثا عن فرص للاستثمار والمقدرة بأكثر من تريليون ونصف من الدولار تستأثر الولايات المتحدة وحدها بنحو 70 % منها، والبقية موزعة بين الأسواق الأوروبية وغيرها. ولم تنجح الدول الغنية صاحبة الفائض باستقطاب العمالة العربية والتي من المتوقع أن تصل إلى 25 مليون عاطل عن العمل بحلول 2010 واستبدالها بالعمالة الأجنبية والتي قدرت معدلات تحويلاتها في عام 2005 بنسبة 25% من الإيرادات النفطية السنوية للدول الخليجية فهل يا ترى ستكون القمة المرتقبة تكريسا لواقع مؤلم وتغافلا عن حق طالبه أعياه طول الانتظار أم أن كشف المستور وتزايد التداعيات قد يرسم البسمة مجددا على شفاه فقدت الأمل وملت الانتظار؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1542
| 14 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
831
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
816
| 13 يناير 2026