رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكثر ما أتمناه في الوقت الراهن ألا يكون سكوت الرئيس محمد مرسي تعبيرا عن الرضا عن الوضع في مصر، لأنه لو رأى ما نراه لتلبسه قلق عميق طير النوم من عينيه.
(1)
في الأسبوع الماضي بكى أحد العمال المصريين أثناء حديثه عن أحوال بلده، حين صادف بعضا من زملائنا الإعلاميين الذين قصدوا مطعما شهيرا هناك لتناول وجبة العشاء. عاتبهم لأنه اعتبر أن الصورة التي يقدمها الإعلام المصري للبلد مهينة لمصر والمصريين، قال إنه شخصيا صار يعاني من تلك المهانة كل يوم جراء ما يسمعه من تعليقات لاذعة وجارحة من جانب الذين يتابعون القنوات التلفزيونية المصرية، الأمر الذي يثير حزن المصريين وسخرية آخرين من الوافدين. انفعل صاحبنا أثناء الحديث ولم يتمالك نفسه فانخرط في البكاء.
لا يحتاج المرء لأن يذهب إلى الدوحة لكي يدرك حقيقة الحزن الذي بات يستشعره المصريون، صحيح أن مشاهدة القنوات التلفزيونية الخاصة فضلا عن صحف المعارضة تشيع كل يوم قدرا لا يستهان به من الغم والإحباط والاكتئاب، إلا أن ما تقدمه يظل له أصله الذي يتم اصطياده وتوظيفه على النحو الذي يحقق تلك النتيجة. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن مشاعر الحيرة والحزن وعدم الرضا أصبحت تخيم على مختلف شرائح المجتمع. وإلى عهد قريب كان السؤال الذي يردده المصريون هو: إلى أين نحن ذاهبون؟ لكن الأمر اختلف هذه الأيام بحيث بات السؤال هو: متى يتوقف تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية بوجه أخص؟ وإذا كان لنا أن نتصارح أكثر، فلا مفر من الاعتراف بأنه بعد مضي سنتين على الثورة تراجعت مؤشرات الأمل، وبدا الأفق أكثر انسدادا، والمستقبل أقل إشراقا. وتلك خلاصة ــ إذا صحت ــ ينبغي ألا نستسلم لها وأن نقاومها بكل السبل، ليس إنقاذا للثورة المصرية فحسب، ولكن دفاعا عن الحلم العربي الذي لاح في الأفق حين انطلقت ثورات الشعوب معلنة رفضها للاستبداد والظلم الاجتماعي وإصرارها على استرداد أوطانها من غاصبيها.
(2)
إذا حاولنا أن نبحث عن مخرج من الأزمة، فربما كان مفيدا أن نبدأ بتحديد الأطراف التي تتحرك على الساحة المصرية في الوقت الراهن، وهي ثلاثة على الأقل هي: الرئيس محمد مرسي وفريقه ومؤيدوه ــ الثاني يتمثل في معارضيه ــ الثالث يجمع بين معارضي الاثنين السابقين، بمعنى أنهم يعارضون الثورة ذاتها ويقودون الثورة المضادة. وسوف أؤجل الحديث عن الرئيس في ترتيب التناول لأنه المسؤول الأول الذي يفترض أن يكون القرار بيده، وبالتالي فإن الحل المفترض ينبغي أن يبدأ من عنده.
أبرز ما يميز المعارضة في مصر أمران، أولهما لم تلتق إلا على هدف واحد، هو رفض الرئيس مرسي وبخاصة حركة الإخوان، وثانيهما أنها معارضة انقلابية بالأساس. بمعنى أنها لا تسعى إلى تصويب أخطاء الرئيس أو التوافق معه على حلول وسط، ولكنها من البداية عمدت إلى محاولة الضغط عليه لإفشاله ومن ثم إسقاطه. فهي تشكك في نزاهة انتخابه، وتطعن في شرعية كل خطوة يقوم بها لإقامة مؤسسات النظام الجديد. وتنسحب من لجنة الدستور بعد إقرار مواده. وتقاطع الحوار كما تقاطع الانتخابات، وتنادي صراحة بتولي الجيش للسلطة. في ذات الوقت فإنها لا تكف عن توجيه رسائل الاحتجاج والضغط من خلال استثمار مظاهرات الشارع بالتحريض عليها وتوفير الغطاء السياسي لها، رغم أن المتظاهرين في الشارع أو المعتصمين في الميدان لا يشكلون قواعد لرموز المعارضة، ولكن كلا منهما يستفيد من الآخر ويوظفه لصالحه.
إلى جانب المعارضة السياسية فهناك الإعلام المتربص والمتصيد الذي يتولى من خلال منابره المقروءة والمرئية، ليس فقط الترويج والتهويل والتعبئة المضادة، ولكن أيضا تجريح صورة الرئيس والتطاول عليه والحط من كرامته.
في الجانب ذاته نجد القضاء المسيس الذي كانت بعض مؤسساته ضمن أدوات النظام السابق. وقد تجلى ذلك في ممارسات عدة، منها بعض أحكام المحكمة الدستورية العليا، ومظاهرة وكلاء النيابة التي حاولت إجبار النائب العام على الاستقالة، كما لاحظناه في مواقف بعض القيادات التي أعلنت عن تحديها للسلطة، ولاحظناه أيضا في تبرئة المسؤولين عن قتل المتظاهرين، وفي إطلاق سراح المتهمين بممارسة العنف في المظاهرات.
هل نضع بعض عناصر وأجهزة الأمن ــ والداخلية بوجه أخص ــ ضمن معارضي الرئيس مرسي؟ ــ هناك عدة قرائن دالة على أن تلك العناصر لا تقف في صفه على الأقل، وفي هذا الصدد لا يستطيع أي باحث أن يتوقع غير ذلك من جانب أجهزة عاشت لأكثر من ثلاثين عاما في ظل الطوارئ وفوق القانون، وكان الإخوان الذين ينتمي إليهم الرئيس مرسي هم «العدو الإستراتيجي» لها. وهي التي تولت ملاحقتهم وتعذيبهم وتلفيق التهم لهم. وحين تكون تلك خلفيتهم فمن الصعب أن نتوقع منها أن تقدم ولاءها لرئيس من الإخوان خلال سنتين. وبهذه المناسبة فإنني سألت أحد المسؤولين عن مشكلة القصور الأمني وقلت له: هل الأجهزة الأمنية غير قادرة أم أنها منهكة أم غير متعاونة؟، فكان رده أن الأسباب الثلاثة واردة.
بهذه المناسبة فإنني أنبه إلى أن تكتيكات وخطط إسقاط الأنظمة صارت معروفة، ولها دراسات توثقها وتحدد خطواتها، وقد تمت تجربتها وحققت أهدافها في العديد من دول أمريكا اللاتينية في سبعينيات القرن الماضي. من هذه التكتيكات نشر الفوضى في البلاد وإغراقها في الشائعات بما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتعجيز الدولة عن القيام بمهمة الدفاع عن أراضيها، ثم إنهاكها اقتصاديا بما يرفع من معدلات الغلاء والبطالة، الأمر الذي ينتهي بإفشال الدولة ثم إسقاطها.
(3)
معارضو الثورة، وليس الرئيس مرسي وحده، موجودون في الداخل والخارج. وكنت في وقت سابق قد ذكرت أن الدولة العميقة لم تتشكل بعد في مصر ولكنها تحت التشكيل وأركانها موجودون بالفعل. وهم بقايا النظام القديم الذين أضيرت مصالحهم السياسية والاقتصادية. والأخيرون هم الذين يتولون التمويل للعديد من أنشطة تحدي السلطة والمشاغبة عليهم. وإذا استحضرنا نموذج الدولة العميقة الراسخة في تركيا فسوف ننتبه إلى أن أصابع تلك الدولة موجودة داخل الجهاز البيروقراطي ذاته، والأجهزة الأمنية بوجه أخص.
إلى جانب هؤلاء فإننا لا نستطيع أن نتجاهل دور الدول الأجنبية التي أضيرت مصالحها جراء قيام الثورة. في هذا السياق أستأذن في تكرار ما سبق أن قلته من أن الأمريكيين والإسرائيليين الذين ظلوا يرتعون في مصر طوال ثلاثين عاما على الأقل، لا يعقل أن يكونوا قد تركوها واستقالوا من دورهم بعد الثورة. وكوننا لم نستطع أن نضع أيدينا على شيء من ممارستهم، فذلك لا ينبغي أن يعني أنهم غير موجودين.
الجديد في المشهد أن بعض الدول العربية أزعجها قيام الثورة خشية انتقال عدواها إليها. البعض الآخر أقلقها فوز التيارات الإسلامية في الانتخابات التي جرت بعد ذلك. ومعلوماتي أن مسؤولا عربيا كبيرا عاتب اللواء عمر سليمان على ذلك في إحدى المناسبات، وحين رد عليه قائلا إنه لم يكن مسؤولا عما جرى وإن المشير طنطاوي كان يرأس المجلس العسكري آنذاك، فإن المسؤول العربي أبلغه بأمرين: الأول أن بلده يعتبره هو والمشير طنطاوي مسؤولين عن وصول الإخوان إلى السلطة. والثاني أن مصر لن تتلقى أي دعم من جانبهم مادام الإخوان في الحكم. وهذا ما حدث.
(4)
في كل الأحوال تظل مسؤولية الرئيس محمد مرسي أكبر من أي طرف آخر. وقد أظهرت خبرة الأشهر التسعة التي أمضاها في السلطة عدة ثغرات في أدائه أبرزها ما يلي: < عدم القدرة على التواصل مع المجتمع وعدم الاكتراث بإقناع الناس برؤيته أو خلفية قراراته.
< البطء الشديد في التعامل مع الأزمات.
< ضعف الطاقم الرئاسي المعاون له، الأمر الذي أدى إلى ابتعاد عدد غير قليل من معاونيه، كما ترتب عليه حدوث ارتباكات عدة في قراراته.
< إشاعة مناخ عدم الثقة بينه وبين الطبقة السياسية، التي تلقت منه وعودا لم ينفذها ولم يعن بتفسير ذلك لهم.
< الإخفاق في إقامة التحالفات السياسية مع قوى وتيارات إما كانت حليفة له (السلفيون مثلا) أو صديقة له (حزبا مصر القوية وغد الثورة مثلا) ــ ذلك بخلاف دائرة المستقلين الذين لم يكونوا ضده وكانوا على استعداد للتعاون معه، لكنهم انفضوا من حوله.
< أيا كانت تحفظاتنا على أداء الآخرين، أو على أدوار العناصر الداخلية والخارجية المتربصة به أو المعادية للثورة، فإن الرئيس محمد مرسي يظل هو المطالب الأول بتقديم مبادرات الخروج من الأزمة وإزالة الاحتقان القائم.
في هذا الصدد أزعم أن المبادرات ينبغي أن تمضي في اتجاهين متوازيين، الأول يتمثل في استعادة ثقة النخبة والقوى الوطنية في مصر. الثاني يعيد للمجتمع تفاؤله واطمئنانه إلى المستقبل، بما يخرجه من أجواء الإحباط الراهنة وهو ما يمكن أن يتحقق على النحو التالي: < استعادة ثقة النخبة تتم بالتعبير عن احترامها من ناحية، وباستدعائها للتشاور معها بشأن حل الأزمة من ناحية ثانية. وهو ما يقتضي التجاوب مع الملاحظات التي أجريت على قانون الانتخابات والنظر في المواد المختلف عليها في الدستور. وهذا التجاوب يتعين أن يأخذ شكلا عمليا يتمثل في إشراك ممثل للمعارضة في خطوات التعامل مع الملفات العالقة.
بالتوازي مع ذلك، فإن الفصل بات ضروريا بين حزب الحرية والعدالة بالدور السياسي الذي يقوم به، وبين جماعة الإخوان المسلمين التي باتت بعد الإشهار جمعية دعوية لا شأن لها بالعملية السياسية. صحيح أن ذلك من شأنه أن يضعف الحزب في الظروف الراهنة وقد يؤدي إلى خسارته، إلا أنه لا مفر من ذلك لكي يخوض الحزب تجربته بغير رافعة أو حاضنة أو شبهة وصاية.
< فيما خص ثقة المجتمع فإن إعادة تشكيل الحكومة الحالية تعد ضرورة لا غنى عنها، وسوف تتعزز تلك الثقة لو تولت رئاستها شخصية مستقلة لها وزن أثقل في المجتمع، وضمت أعدادا من الخبراء (التكنوقراط) ــ وإذا كان لا بد من تمثيل الإخوان فيها فليكن ذلك بعيدا عن الوزارات ذات الصلة بالانتخابات القادمة.
في الوقت ذاته فإنه من الضروري إقناع الرأي العام بجدية خطوات الإصلاح التي تتخذ وبوضوح خطوات التحرك في مجالات الإصلاح الاقتصادي والعدالة الانتقالية وهيكلة الشرطة، من خلال الدعوة إلى عقد مؤتمرات للخبراء والمتخصصين المصريين في كل واحد من تلك المجالات.
بطبيعة الحال فليس ذلك آخر كلام في الموضوع، ولكنها مجرد عناوين أهم ما فيها أنها تمثل اجتهادا في محاولة الخروج من المأزق، وتجاوز حالة السكون المخيم على دائرة القرار في حين يمتلئ الشارع بالصخب والغليان ويتقلب الناس بين الإحباط والحزن ــ إننا نريد لكل مواطن أن يعتز بثورته لا أن يبكي حزنا على ما آلت إليه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4845
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026